الوكالات الحصرية… الاحتكار يرفع الأسعار

لتعدّ شركة تامر إخوان (وكيل عدد من الماركات الفخمة) مثالاً على إرتفاع الأسعار بين لبنان والخارج (تصميم رامي عليّان)

شكّل النظام «الاقتصادي الحرّ والمرن» في لبنان بيئة حاضنة للوكالات الحصرية التي تطوّرت بعد الحرب الأهلية عامّ 1975. يعود تاريخ تسجيل عقود التّمثيل التّجاري الحصري في سجلات وزارة الاقتصاد والتجارة الى عامّ 1978. كل فترة يكثر الكلام عن الوكالات الحصرية، عن إلغائها، إبقائها، منافعها ومضارها. مهما تكن التأويلات، الثابت الأكيد اليوم أن أسعار أغلب السلع في لبنان أغلى بكثر من المحيط وحتى من أوروبا نفسها بسبب تحكم «لوبي» معين بالسوق وأسعارها

مايا سماحة
الأخبار
28092017

يُعتبر الممثل التجاري وفقاً للمادة الأولى من المرسوم الاشتراعي رقم 34 الصادر بتاريخ 5/8/1967 في عهد الرئيس شارل أنه «الوكيل الذي يقوم بحكم مهنته الاعتيادية المستقلة، ودون أن يكون مرتبطاً بإجارة خدمة، بالمفاوضة لإتمام عمليات البيع والشراء أو التأجير أو تقديم الخدمات ويقوم عند الاقتضاء بهذه الأعمال باسم المنتجين أو التجار ولحسابهم. ويعتبر أيضاً بحكم الممثل التجاري التاجر الذي يقوم لحسابه الخاص ببيع ما يشتريه بناءً لعقد يتضمن إعطاءه صفة الممثل أو الموزع الوحيد بوجه الحصر».

ساعد التنظيم القانونيّ المُنتِج الخارجيّ أي الموكل على إدخال منتجاته الى السوق اللّبنانيّة وتسويقها تماشياً مع مصالحه التجارية التوسّعية. وفرض على المُمثّل التجاريّ أو الوكيل أن يكون لبنانياً، وأن يكون له محل تجاري في لبنان ومَنحه استقلالية لأداء مهامه مع ما يترتّب عن ذلك من مسؤولية معنوية بغية الحفاظ على صورة العلامة التجارية وموقعها في السوق. وسعى المرسوم الاشتراعي رقم 34/1967 الى حماية الوكيل من خلال المادة الرابعة التي أجازت للممثّل التجاريّ المطالبة بتعويض يوازي الضرر الذي يلحق به وما يفوته من ربح في حال فسخ الموكل عقد التمثيل دون سبب مشروع. كما شرّع القانون حصر عقد التمثيل بممثل تجاريّ وحيد وهو ما يصبّ في مصلحته على حساب حرية السوق ومصلحة المستهلك.

لوبي كبير

يشرح الوزير السابق شربل نحاس أنّ «الوكالة الحصرية تشمل ثلاثة أطراف: المنتج، الوكيل، والمستهلك. ويُذكّر بأنّ الحجّة التي أفضت الى وضع قانون الوكالات الحصرية تمثّلت بقيام لوبي كبير من أصحاب المصالح الذين طالبوا بالحصول على حماية الدولة بهدف تقوية وتحصين موقعهم تجاه المصنّع لمنعه من استرداد الوكالة أو إعطائها لشخص آخر. كذلك، أراد الوكلاء تحصين أنفسهم تجاه المستهلك المحليّ» مع الإشارة الى قيام هذا الأخير باختيار السلعة الآتية من الخارج بغض النظر عن هوية الوكيل، فالمنافسة تكمن بين سلع موجودة لدى عدة وكلاء.

احتكار تقوم به
بعض الشركات في قطاعات حيوية وفشل محاولات الخروج منها

كيف تتوزع الوكالات الحصرية بحسب البيانات التجاريّة؟ يتبيّن أنّ عقود التمثيل التجاريّ غطّت كافة القطاعات الصناعية فشملت الألبسة والأقمشة والأحذية، الساعات، الأدوات الكهربائية والالكترونية، الأجهزة والمعدات الطبية، الأدوية والمستحضرات الصيدلانية، أدوات ومستحضرات التجميل، الخرضوات، الغالات والأقفال، السيارات وقطع الغيار والأكسسوارات والزيوت، الإطارات، المبيدات، المعدات الصناعية، المنتجات العسكرية، القرطاسية واللوازم المكتبية، المفروشات، البلاط والسيراميك، الأدوات المنزلية، الفضيات والكريستال، الأدوات الصحية، الأجهزة الرياضية ومعدات اللياقة البدنية، جميع لوازم الأطفال، الألعاب، استثمار أشرطة الفيديو…
أمّا بالنسبة لأشهر هذه الوكالات، فيمكن ذكر العقد الموقّع بين شركة “ديمار كرايزلر” الألمانية وشركة ت. غرغور وأولاده ش.م.ل. التي سجّلت علامة مرسيدس-بنز”ميرسيدس بنز” للسيارات في السجل التجاريّ وأصبحت بذلك الموزِّع الحصري للماركة في لبنان، مع العلم أنّ تعاون شركة غرغور مع مرسيدس-بنز قد بدأ في الثلاثينيات. وفي عامّ 1957، اكتسبت شركة رسامني يونس للسيارات «ريمكو» الوكالة الحصرية لسيارات “أولدزموبيل”

و”جي إم سي” في لبنان.
من ناحية أخرى، تُعتبر شركة ج. أ. بازرجي وأولاده ش.م.م. الوكيل الرسميّ الوحيد والموزّع الحصريّ لسيارات مازيراتي “مائيراتي” الإيطاليَّة في لبنان منذ عام 1968. وبالنسبة للألبسة، تملك شركة أ ب ث “آ بي سي ” ش.م.ل. المختصّة ببيع البضائع عدّة وكالات حصرية حصلت عليها من بلدان غربية متعددة منذ تأسيسها عامّ 1936. كذلك الأمر بالنسبة لشركة الحمرا للتسويق والتجارة ش.م.ل. المُسجلة في السجل التجاريّ عامّ 1973. وتجدر الإشارة الى حصول مؤسسة جورج أبو عضل وشركاه ش.م.ل على الحقّ الحصريّ في توزيع عدّة علامات تجارية معروفة.
ممنوع بالقانون

يتمتّع هؤلاء الممثلين التجاريين بحماية قانونية وإدارية في لبنان وهو ما يمنع غيرهم من التجار من استيراد أو توزيع السلع التي يُغطيها عقد التمثيل. هذا ما دفع البعض الى المطالبة برفع الحماية عن الوكالات الحصرية عبر مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 7484 تاريخ 2002 بهدف تحفيز المنافسة وخفض الأسعار لصالح المستهلك، غير أنّ المشروع لم يبصر النور نظراً للمصالح السياسية المتضاربة.
من جهة أخرى، أجاز المرسوم الاشتراعي 34/1967 للوكيل القبول بتمثيل موكلين آخرين «شرط أن لا يكون موضوع التمثيل الجديد متعارضاً مع التمثيل الأول أو مزاحماً له». وهنا تظهر المفارقة إذ يشير نحاس الى إمكانية هيمنة شخص واحد على السوق من خلال امتلاكه وكالة حصرية لعدّة ماركات. ويُشدّد على أنّ الأخطر هو القطاعات التي تغيب عنها المنافسة مثل قطاع الأدوية حيث يضطر المستهلك الى شراء الدواء الذي تُحدّده الوصفة الطبية دون أن يختاره أساساً. وينطبق الأمر نفسه على السلع الأخرى غير القابلة للاستبدال. ويعود نحاس بالذاكرة الى عامّ 1971، حين فتح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فرع ضمان المرض والأمومة وبات يُغطّي أدوية المواطنين المضمونين. «وانطلاقاً من كون الدولة اللبنانية تُغطي أدوية 20% من الشعب اللبناني ولا تشتري بالمفرّق الوصفات الطبية، لا يمكن بالتالي حصولها على السعر نفسه المطروح من قبل الوكلاء كما لو أنها تشتري الدواء لفرد واحد. فاجتمع آنذاك وزير الصحة العامة اميل بيطار مع وكلاء الادوية، واقترح شراء الأدوية مباشرةً منهم فرفضوا ممّا أدى الى استقالة الوزير».

تباينات بالجملة

يُشدّد الرئيس الفخري لجمعية مستوردي السيارات في لبنان سمير حمصي على أنّ «الوكالات الحصرية في قطاع السيارات تحمي المستهلك من الاستيراد العشوائي»، ويُذكّر بالشروط القاسية المفروضة من قبل المصانع على الوكيل كمثل «إلزامية شراء قطع التبديل الأصلية وتوفير الصيانة المجانية طيلة فترة الكفالة، إضافة الى التسويق للمنتج وتوزيعه في كافة المناطق اللّبنانية وفقاً لشروط العقد». وإذ يعتبر أنّ «الوكالات الحصرية لا تؤدي الى الاحتكار نظراً لكونها ترتبط بالماركات وليس بالسلعة الواحدة»، يشير الى الحسومات التي يحظى بها الوكيل الذي يستورد كميات ضخمة من المنتج على عكس من يستورد كميات محدودة منه، وهو ما يصبّ في مصلحة المستهلك.
من جهته، يجزم عميد الصناعة الغذائية في لبنان ونائب رئيس جمعية الصناعيين جورج نصراوي أنّ «التعدّد في استيراد السلع يكسر حاجز الارتفاع في الأسعار ويخلق منافسة قوية لصالح المستهلك. أمّا إذا ارتبطت الوكالة بشركة واحدة، فمن الطبيعيّ أن تتحكّم بالسعر الذي تريد». ويوضح «ازدياد المنافسة في السوق اللّبنانيّة بفعل تعدّد الماركات الموجودة فيه والتي تتشابه مع بعضها البعض أكانت مصنوعة محلياً أم مستوردة»، مشيراً الى وجود منافسة داخلية على أكثر المنتجات.

لا بدّ من تطوير
التشريع المنظّم للتمثيل التجاريّ في لبنان عبر إلغاء الحماية عن بعض السلع
«وبما أنّ المنافسة شديدة والسوق ضيّقة، غاب الارتفاع في الأسعار وأدّت المنافسة الى تقليص الأسعار عوضاً عن زيادتها، ما خلا بعض المنتجات المحدودة». ومن اللافت عدم تخوّف الصناعيين من الوكالات الحصرية، وهو ما عبّر عنه نصراوي الذي يمتلك «مطلق الثقة بالمنتج الصناعي المحليّ الذي بات يضاهي وينافس المنتجات المستوردة».
بدوره، يرى رئيس منظمة جوستيسيا الحقوقية بول مرقص أنّ «إلغاء الوكالات الحصرية يؤدي الى مكافحة الاحتكارات وبالتالي الى خفض الأسعار في لبنان بنسبة تبلغ نحو 30% وهو ما من شأنه تعزيز المنافسة. ويُسهّل إبرام لبنان اتفاقية منظمة التجارة العالميّة تحقيق ذلك وتحرير التجارة». ويشدّد مرقص في هذا الإطار على ضرورة «مواكبة هذه الخطوة بسلّة تشريعات على رأسها مكافحة الاحتكار وإصدار مراسيم تطبيقية لقانون حماية المستهلك الصادر بتاريخ 4/2/2005 وغيرها».
طار الوزير

ومع أنّ حصر التمثيل لا يسري على المواد الغذائية (باستثناء المواد ذات الاستهلاك الخاص التي تحدد بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء)، إلاّ أنّ المثال الذي أعطاه نحاس يُظهر الاحتكار الذي تقوم به بعض الشركات في قطاعات حيوية وفشل محاولات الخروج منها. فعندما حاول اميل بيطار محاربة احتكار الشركات المستوردة للأدوية وتخفيض أسعار هذه الأخيرة في عهد سليمان فرنجية عامّ 1971، فشل وفشلت معه الدولة في تأميم هذا القطاع بسبب طبيعة نظامها الاقتصادي. أضرب وقتها الوكلاء وفُقدت كمية من الأدوية من الأسواق اللّبنانية بعد أن أخفاها بعض التجار. وعندما فشل الوزير في تجميد وكالات هذه الشركات التي تُحقّق أرباحاً طائلة، استقال!
من جهة أخرى، لا يُخفي نحاس أنّ القضية معقّدة، فالمُصنِّع لا يستطيع التخلي عن الوكيل الذي استثمر الكثير لتسيير الأعمال التي يتطلّبها حصوله على إحدى الوكالات الحصرية. من هنا يجب ألّا تشمل هذه الأخيرة «السلع غير القابلة للتنافس، وألاّ يكون شخص واحد وكيل لماركات مختلفة لبضائع متشابهة».
من وجهة نظر أخرى، لا يمكن إغفال منافع الوكالات الحصرية التي استقطبت المستثمرين الأجانب والعرب وأمّنت لهم ظروف تنافسية مشجّعة. كما ساهمت في تطوير التجارة اللّبنانية وخلقت فرص عمل عديدة. ولا بدّ من الإشارة الى ضرورة أن يضمن الكفيل جودة سلع علامته التجارية فيكفلها ويؤمّن صيانتها وقطع الغيار عند الحاجة. وبما أنّها معروفة المصدر، تحمي الوكالة المستهلك عبر ضمان استرجاع السلعة التي يشوبها أي عيب، وتحول دون وقوع المواطن في شباك التجار الذين يروّجون لبضائع مزوّرة.

تشريعات قديمة

بالمقابل، يتحكّم الممثلون التجاريون بالسلع وبأسعار السوق بغياب قانون عصريّ ينظّم المنافسة الحرة في لبنان ويمنع الاحتكار مستفيدين من المرونة السعرية المنخفضة، فيصبح المواطن أسيراً لبعض الشركات خصوصاً تلك التي تزوّد السوق لوحدها بعدّة أنواع من السلع الحيوية والمنتجات الرئيسية وقد تساهم بارتفاع أسعارها. وتٌقيّد الوكالات الحصرية حرية تدفّق السلع ممّا يتناقض مع جوهر الاقتصاد اللّيبراليّ. كما يشوّه أحياناً بعض الوكلاء صورة العلامة التجارية فيُقبل المستهلك على علامة أخرى.
وتفادياً للاحتكار المحتمل، لا بدّ من تطوير التشريع المنظّم للتمثيل التجاريّ في لبنان عبر إلغاء الحماية عن بعض السلع والأصناف أو اللجوء الى الوكالات المتعدّدة في القطاع الواحد التي تفيد المستهلك كما تاجر التجزئة. ويمكن أيضاً تحديد فترة زمنية محدّدة للحماية للحؤول دون تحوّلها الى امتياز بدلاً من محفّز على زيادة الإنتاج.
وفيما ينادي البعض بإلغاء الوكالات الحصرية لخفض الأسعار، يرى آخرون أنّ هناك أسباباً أخرى للاحتكار، ولكنّ الأكيد أنّ رفع الحماية عن عقود التمثيل التجاريّ سيخفّض أسعار البضائع التي تتمتّع بهوامش ربح مرتفعة مثل السلع الفاخرة ويُشجّع عدداً من الشركات الأجنبية على الاستثمار في بلد يبقى فيه المواطن اللّبنانيّ الحلقة الأضعف والضحية الأولى لتقاعس المعنيين عن تنظيم القضايا التي تمسّ بشؤونه الحياتية اليومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*