الوثائقي «مقاهي وأزمنة»… التأريخ السياسي والاجتماعي للمصريين

 

 

محمد عبد الرحيم

القاهرة ــ «القدس العربي»
22102018

 لم يكن ولم يزل (المقهى) مجرّد مكان تجتمع فيه المخاليق المختلفة لاحتساء المشروبات والتدخين، أو لعب الورق والدومينو. لم يقتصر المقهى على وظيفة قضاء وقت الفراغ، بل شكّل ما يُشبه المنتديات الصغيرة للحديث عن شؤون الحال والأحوال. ومن هنا تبدو هذه الأماكن مقياسا يعبّر عن مدى الحرية الممنوحة للمواطن، الذي يرتادها، من قِبل السلطة وممثليها. ومن وجهة النظر هذه بأن المقهى كمكان له أيضا أن يتحدث ويحكي من خلال رواده عن الأزمنة التي مرّ بها، فيصلح بأن يكون مسرحا تأريخيا للأحداث، خاصة أنه عبر رواده سيتحدث دوما عن تاريخ غير رسمي، تاريخ مغضوب عليه تحاول السلطة نسيانه ومحوه بكل الطرق. وتأتي القاهرة كمدينة من أقدم المدن في الشرق لتحتل مقاهيها مكانتها، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الأدبي، من هنا تأتي أهمية الفيلم الوثائقي «مقاهي وأزمنة»، كمحاولة لرصد عالم القاهرة في ما يتجاوز القرن من الزمان. الفيلم من إنتاج شركة التقدم، سيناريو جمال صدقي، تعليق عبد الرحمن أبو زهرة، ومن إخراج سميح منسي. وجاء عرضه الأول من خلال نشاط جمعية نقاد السينما المصريين.

عقوبة الجلد

يُشير الفيلم بداية إلى أن الجلوس في المقهى في بداياته لم يكن إلا فعلا متهورا ــ سيتضح في ما بعد أنه أيضا من أشد الأفعال تهورا ــ فقد كان احتساء القهوة يدخل في إطار الفعل المجرّم، ويستوجب عقوبة جلد صاحب الفعلة، لأن القهوة كانت تعد ضمن المشروبات الروحية ــ نازلة جدول ــ وبالتالي لا مفر من عقاب مَن يقترف الجرم الشنيع.

النهضة المصرية

شهدت المقاهي بعد ذلك طفرة كبيرة، وأصبحت مكانا لمناقشة الأفكار والخطط النهضوية ومقاومة المحتل، كما أقام بعض رواد النهضة المصرية ومفكريها جلساتهم/ندواتهم في مقاهٍ بعينها، حتى أنها أصبحت دالة عليهم، مثل مقهى (ماتاتيا) الذي كان يؤمه الأفغاني ورفاقه، محمد عبده، سعد زغلول، عبد الله النديم وقاسم أمين على سبيل المثال. كذلك تأتي مقاهٍ تلونت بتشكلات روادها، كمقهى (فينيكس) في شارع عماد الدين، الذي كان يجلس فيه نجيب الريحاني وبديع خيري، ومقهى (بعرة) مقر كومبارس السينما المصرية على مر العصور. وهناك بعيدا عن القاهرة كان مقهى (عبد الله) مقر بعض مثقفي مصر من أمثال، عبد القادر القط، رجاء النقاش، أنور المعداوي ومحمود السعدني. أما أشهر هذه المقاهي الآن، فهي «ريش، زهرة البستان والندوة الثقافية» في وسط المدينة. ويتصدر مقهى (ريش) الأهمية، نظرا لطبيعة رواده، فقد بدأ محفوظ عقد ندوته الأسبوعية في مقهى ريش منذ عام 1963، بعدما تعرّض له أحد رجال الأمن في مقهى الأوبرا، حيث التجمعات ممنوعة وفق القانون!

المغضوب عليهم

كان لمقهى ريش بالأخص دور كبير في ثورة 1919، ففي قبو المقهى كانت هناك مطبعة لطبع المنشورات الخاصة بالثورة، هذا القبو ملحق بسرداب للهرب من خلال شارع جانبي. هنا كان الإنكليز يطاردون رجال الثورة والمتعاطفين معها. ولكن ــ وللمفارقة ــ كان هذا القبو نفسه مكانا لتجمّع بعض من الضباط الأحرار، قبل القيام بحركة يوليو/تموز 1952. فطالما أنت من القِلة المعارضة والمطاردة دوما فلك مكانك بين الناس، لك مكانك في المقهى.

أوكار الجواسيس

ونظرا لأهمية وخطر المقهى، خاصة المقاهي الشهيرة بروادها، تحوّل المكان إلى وكر للجواسيس والمخبرين ــ خاصة عهد عبد الناصر وما تلاه ــ يتنصتون ويكتبون التقارير، ولكن السلطة مارست الذكاء المفرط، فلم يعد المخبر شخصا غريبا عن الجالسين، بل أديبا ومثقفا وصحافيا وفنانا. لذلك فالسلطة لا تثق بالمقاهي وتعاديها، أو لا ترحب بوجودها، كما أشار بشير السباعي في الفيلم، فوجود المقهى وانتشاره دلالة على ثقة السلطة بنفسها، أما المطاردة ــ ولو بشكل مستتر ــ فهو أمر يفضح هذه السلطة في المقام الأول.

وما بين مقاهي الأفندية ومقاهي البسطاء، تأتي مقاهي المثقفين وأصحاب المهن المختلفة، هنا يتضح الفارق الطبقي ــ الفئوي بالمعنى الأدق ــ فقد يظل أحد المثقفين يتحدث عن عالم الجياع لساعات حتى ينال استحسان أقرانه، لكنه يتأفف من مخالطة هؤلاء المقهورين. وقد صوّر هذه الحالة بوعي شعبي شديد أحمد فؤاد نجم في قصيدته «يعيش أهل بلدي»، مختص مقهى ريش الذي يعد جيتو صفوة المثقفين .. «يعيش المثقف على مقهى ريش/محفلط مظفلط كتير الكلام/عديم الممارسة عدو الزحام/بكام كلمة فاضية وكام اصطلاح يفبرك حلول الماشكل قوام».

التحولات الاجتماعية

لم ينس الفيلم أن يُشير إلى التحول الكبير في شكل وطبيعة رواد المقهى، خاصة في السنوات الأخيرة، حيث طابع العولمة الذي خسف بهوية المكان وناسه الأرض، مقاهي شهيرة لا فارق بين وجودها في القاهرة أو في أي مكان في العالم، كما قال الكاتب والشاعر الراحل خيري منصور. وقد أصبحت ثقافة «التيك أواي» هي السمة الغالبة.

التقنية والسرد

جاء سرد الفيلم من خلال الأماكن الحقيقية ــ التي لم تزل موجودة ــ أو الحكي من خلال صور فوتوغرافية للمكان، وحاله الآن، وقد تحوّل إلى بناية ضخمة أو مقر لأحد البنوك. كذلك اعتمد الفيلم بشكل أساسي على الشهادات الحية لأصحابها؟ نذكر منهم على سبيل المثال، الروائي جميل عطية إبراهيم، الشاعر والمترجم بشير السباعي، الناقد محمد بدوي، الكاتب ومعد البرامج يحيى تادرس ــ صاحب البرنامج الشهير «حكاوى القهاوي» وكذلك المخرج ناصر حسين، والكاتب خيري منصور وغيرهم. ويأتي التعليق بصوت عبد الرحمن أبو زهرة، ليصبح الرابط بين الأحداث، خاصة وقد جاء السرد من خلال الزمن التاريخي ــ ربط المراحل التاريخية وتطورها ــ أما البناء البصري فتراوح ما بين اللقطات الفوتوغرافية، والأماكن التي لم تزل تجاهد لتبقى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*