الوثائقي اللبناني «شعور أكبر من الحب» حنين إلى مظاهرت السبعينيات

 


حسن داوود
القدس العربي
Apr 26, 2018

لا أعرف كم كانت ماري جرمانوس قد بلغت من العمر حين شرعت في الإعداد لفيلمها الوثائقي. في حوار تلفزيوني معها أجابت بأن العمل فيه بدأ قبل ثماني سنوات استغرقها جمع مادّته وكتابته وتصويره ومن ثم توليفه. ربما هي الآن في أوّل أربعينياتها، أو في منتصف ثلاثينياتها، وهذا ما لا يبعدها كثيرا عن معرفة ما كان جرى في مطلع السبعينيات من القرن الماضي. أقصد أن التاريخ لم يراكم أزمنة كثيرة فوق الواقعتين اللتين حدثتا آنذاك، وهما تحرّك مزارعي التبغ والإضراب الذي حصل في معمل غندور. هما حادثتان قريبتان إذن، لا يفصلنا عنهما أكثر من أربعين عاما. بعض من كانوا هناك، فاعلين في الإضراب والتحرك ما زالوا مقيمين بيننا لم يشيخوا بعد. لكن، ورغم ذلك، تقول ماري جرمانوس إنها لم تعثر على مادة توثيقية وافية عن تلك الفترة. لا صور متوافرة عن التحرّك، ولا أشرطة، والأهم، أن الواقعتين غير حاضرتين في ذاكرة الجيل أو الجيلين اللاحقين لجيل السبعينيات ذاك. هما ليسا بين ما يُدرجه أبناء اليوم في معرفتهم بتاريخ لبنان. كأنهما حدثتا لزمنهما وحده، وتوقفتا هناك. وفي الفيلم لم تستطع إحدى اللواتي شاركن في تحرك مزارعي التبغ أن تتعرّف على نفسها حين عُرض لها شريط ظهرت فيه. هذه ليست أنا صارت تقول، ردا على إلحاح من حولها، مرة بعد مرة، بأنها أنتِ، بلى أنتِ.
لعلها الحرب التي اندلعت بعد ثلاث سنوات، والتي رفعت سورا عاليا فصل بين ما قبلها وما بعدها، هذا في رأي أحد من كتبوا عن الفيلم، أو لعلها، ربما، سمة تميّز لبنان تتمثّل بالانشغال الكامل بمسائل الحاضر في ظلّ عدم الحاجة إلى الماضي. لا شيء يُبنى على شيء في ما خصّ التاريخ اللبناني المشترك، لذلك لا يحتاج من لحقوا إلى الاستفادة من تجارب مَن سبقوا. هكذا تبدو التحرّكات النقابية التي حدثت في السنوات بين 2011 و2015، كأنها تفتتح وجهة لا سوابق لها ولا روّاد ولا ما يمكن التمثّل به. وقد تبيّن حمى الاستعدادات الراهنة للانتخابات النيابية كيف أن المرشحين، في سياق دعايتهم لأنفسهم، يسعون إلى جلب الناخبين عن طريق الإيحاء بأنهم سيُرجعون مناطق لبنان إلى أصحابها الأصليين. فبيروت يجب أن تعود للبيروتيين، والمتن يجب أن يحافظ على نبضه المتني، كما، وفي كل الأنحاء، يجب الحذر من فوز المرشحين الغرباء في مناطق غير مناطقهم، إلخ. لكن، وعلى أيّ حال لا أحد يمكنه إنكار ما للطوائف، وللمناطق كذلك، من تركّز في وعي اللبنانيين، سابقين ولاحقين. عن هذا الفيلم مثلا نقرأ في ما نقرأ، سؤالا متكرّرا هو: لماذا، حين كانت تنفض المظاهرة الجارية على الخط الفاصل بين الشياح وعين الرمانة، يعود المتظاهرون إلى هذه (المسلمة) لا إلى تلك (المسيحية).
وقد سعت ماري جرمانوس في فيلمها إلى أن تبدأ التاريخ النضالي، العمالي والفلاحي، من أوّله، فذكرت وردة بطرس وأيضا فاطمة شهيدة تحرّك معمل غندور التي قال أقرباؤها أنها لم تكن شيوعية وهي قتلت برصاصة طائشة. لمشاهد الفيلم، بدا ذلك التاريخ ضئيلا على أيّ حال، إذ لم تظهر في سماء النضال المطلبي إلا نجمتان ينبغي أن تنزاح من تحتهما غيوم كثيرة حتى تلمعا، ولو قليلا. وكان يمكن لمخرجة الفيلم أن تذكر نعمة درويش وحسن الحايك اللذين استشهدا في تحرك مزارعي التبغ الذي يقوم نصف الفيلم على واقعته. الأرجح أن المخرجة ستعاني أقل من ندرة الوثائق في تحرّك المزارعين، طالما أن القيادات الأساسية للحزبين الشيوعيين التي أجرت معها الحوارات (الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي) لم تكن حاضرة هناك في النبطية لتوجيه التحرك. وشاهدنا في الفيلم مقاطع فيلمية من الماضي كان قد صوّرها مخرجون مثل كريستيان غازي وبرهان علوية ومارون بغدادي ومازاو أداتشي. بالأسود والأبيض غالبا أُخذنا إلى تذكّر ذلك الزمن، نحن الذين كنا قريبين من التحرّك، بل وكانت لبعضنا مشاركة، ولو قليلة، فيه. مشاهد قديمة أُرفقت بكلام قديم جرى على ألسنة أولئك الذين أجريت حوارات معهم. كلام قديم، من السبعينيات، لم يعد يسمع الآن، بين المشتغلين في تيارات المجتمع المدني، خاصة إنشاءه وبلاغته. كأن تلك اللغة بقيت هناك هي أيضا، حيث قيلت. ذلك على الرغم من قوّتها على مَن كانوا متكلّمين بها، وهم ما زالوا يردّدون بعض كلماتها وصيغها إلى الآن. وقد يخطر لمتذكري الحياة الحزبية في ذلك الزمن أن يستعيدوا ما أتاحته الحزبية، في منظمة العمل الشيوعي مثلا، من غنى في الحياة المشتركة بين أعضائها. لأولئك الذين كانوا رفاقاً في المنظمة، أو الذين كانوا حولها، كانت الحياة المشتركة مولّدة للأفكار والأمزجة والطرائف والنكات. وهذه ما زالت متذكّرة إلى الآن، ومعاشة إلى حدّ ما. في الفيلم شاهدنا ذلك في الحوار بين ساكني البيت الجنوبي الذين كانوا حاضرين آنذاك في تحرّك السبعينيات، وناشطين. عند سماعهم، رغم تحصيلهم العلمي القليل، نحسّ بأن هناك طريقة لوصف الوقائع والتنكيت عليها بقيت لهم مكافأة عن مشاركتهم في التحرك ذاك.
ملاحظة أخيرة: إذ يحاول معلّقون على الفيلم الربط بين ما يرويه وما جرى في بلدان «الربيع العربي» شيء يبعث على الإحباط حيث، للوهلة الأولى، يدلّ ذلك إلى أن المآل سيكون واحدا في الحالين، أي أن يصير من عاشوا الانتفاضات والحروب الأخيرة يتذكّرونها على النحو ذاته، بعد أربعين سنة من الآن. وأنها ستتوقف أربعين سنة على الأقل، شأن سالفتها.
فيلم «شعور أكبر من الحب» كتبته وأخرجته ماري جرمانوس سابا، عرض أولا في 13 أبريل/نيسان الجاري، وهو اليوم الذي يصادف بدء اندلاع الحرب في لبنان.

٭ روائي لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*