الواجب المشترك

ليست الجودة “كمالية” ترف للتعليم العالي، بل يجب أن تكون “علّة وجوده”، ذلك أن درب النجاح في عالم زالت منه الحدود، بسيط جداً:

إنه، بكل بساطة، “التميّز”!

هي “الحقيقة” وعاها الآباء المؤسسون لحركة التعليم العالي في لبنان، الذي كان ولا يزال رائداً في هذا المجال في محيطه الجغرافي، فاستمر على تقدمه، الى ان فعلت السياسة فعلها، فنشأت “جامعات فطرية” راحت تأكل من رصيد “التميّز” اللبناني، ما حتّم طرح السؤال مجدداً عن “الجودة” في قطاع التعليم العالي.

في الواقع يشتمل مفهوم الجودة على وظائف وخدمات عدة في قطاعنا، بكل مكوّناتها وتفاصيلها: من البرامج الأكاديمية، إلى البحوث، الى نوعية الخدمات المتوافرة للطلاب كما للاساتذة، وهذا يعني وجوب التنبّه الى كل ما له علاقة بهذه الوظائف ووضع قواعد عملها وسياساتها الداخلية وقوانين تطبيقها والإشراف عليها، لضمان معايير الجودة الواجب توافرها في كل منها، من ضمن سلم قيم يفترض أن يعمّ القطاع الطالبي والقطاع الاداري، ناهيك طبعاً بالجهاز التعليمي.

قد يقول البعض إن مفهوم الجودة له طبيعة نسبية بسبب تعدّد الآراء والمفاهيم في ما يجب توفيره كقاعدة صالحة للجودة في التعليم العالي، الا ان ذلك كله لا ينفي وجوب إرساء الأساس الصالح والمتين للهيكل الذي عليه تقوم الجودة، وهو يتضمّن:

1. وجوب التوازي بين النوعية والتميّز

2. العمل على تأمين العلاقة بين النوعية وتعددية البرامج الأكاديمية، بالرغم من كثرتها.

3. وجوب المحافظة على النوعية بما يكفل تأمين حاجات الطالب.

4. وجوب تأمين الكفاية المادية.

5. التبدّل المستدام في إقامة التوازن بين النوعية والحاجة الى التغير أو التطور ضمن الرنامج الواحد، أو ضمن إطار أو أطر متعددة.

إن هذه الآراء المتفاوتة حيال الجودة إنما هي الانعكاس الطبيعي لتفاوت طبيعة المعنيين بهذا القطاع، فهناك أساتذة وطلاب وموظفون وإدارة في الداخل، كما هناك هيئات حكومية ووكالات تمويل ووكالات منح اعتماد وسواها في الخارج، ولكل من هؤلاء سلَّم قيم للتوعية يجب أن تساق كلها من أجل صوغ معايير موحّدة للجودة.

في العالم، اعتمدت مقاربات مختلفة لضمان الجودة في التعليم العالي، بعضها استند الى رقابة الهيئات الحكومية، أو وثائق التفويض المهنية، أو مدققين داخليين أو من الخارج، أو إلى هيئات تفتيش تسعى الى الحفاظ على المعايير والدفع بالاداء قدماً. لبنان لم يشذ عن هذه القاعدة، مبدئياً، فأنشئت لجان عدة في وزارة التربية والتعليم العالي للتدقيق بالنوعية والتأكّد من أن الجامعات لديها النظم والهيكليات الكفيلة لدعم المهمة التعليمية… الا ان لبنان لم يذهب أبعد في إرساء قاعدة أمان لضمان جودة التعليم العالي تتماشى والخبرات العلمية التي تراكمت بفعل الممارسة، فلم تتجاوب الحكومة مثلاً مع طلب قطاع التعليم العالي بإقرار مشروع قانون وضع عام 2010 لإقامة جهاز لضمان الجودة، كما لم تعتمد معايير وطنية عامة للجودة تتلاءم مع تلك المعتمدة دولياً، علماً أن قطاع التعليم العالي سعى ولا يزال جاهداً من أجل الوصول الى هذا الهدف.

في غياب الإطار الوطني أو الرقابة العامة، اختارت بعض مؤسسات التعليم العالي المواءمة بين بعض طرق الادارة الداخلية وتلك الخارجية لإحقاق محاسبة ومراقبة ذاتية لضمان الجودة التعليمية والدفع بها، علماً ان أبرز الأساليب الخارجية تعتمد في شكل عام على وكالات منح الاعتماد وأهمها تلك الأميركية، و”الجامعة اللبنانية الأميركية” فخورة بأنها تحظى باعتماد واحدة من أهم تلك الوكالات في العالم: ” ال “إن اي آي إس سي .

إن إدخال مفهوم ومبدأ ضمان الجودة إلى قطاع التعليم العالي، من خلال عمليات تقييم ذاتي خاضعة لتدقيق ومراقبة خارجية من هيئات محلية أو وكالات عالمية، وتطال البرامج الاكاديمية والطلاب والجهاز التعليمي والبناء ونظم التشغيل والادارة، بشفافية وباعتماد مبدأ المقاربة، سيزيد من الدفع باتجاه تبادل المعرفة وتطوير أفضل الأساليب في عمليات الأبحاث والدراسات.

إن اعتماد قاعدة بيانات للتعليم العالي مرفقة بمؤشر نظام أو رقابة هو حاجة ماسة لتفعيل القطاع ومراقبة الجودة في كل المراحل وعلى كل المستويات. من شأن هذه القاعدة أن تساعد في توعية الرأي العام أو الحكومة بمؤسساتها، على تطور كما على واقع التعليم العالي ورصد مفاعيل أي قرار أو سياسة أو استراتيجيا أو خطة جرى اعتمادها على مستوى قطاع التعليم العالي أو على مستوى جامعة بذاتها، كما يسمح بإجراء مقارنات بين المؤسسات، بما يعينها على تسويق تطورها وأدائها وكفايتها.

ولا يغفل عن بالنا أن الجامعات جزء من المجتمع وتعمل في رسالتها التربوية من أجل تطويره. هنا أهمية توفير عامل الجودة في زيادة فرص التعليم أمام الشباب من خلال المساعدات المالية والمنح الجامعية والتقديمات، مما يسمح لكل الطلاب بتجاوز الفوارق الاجتماع – اقتصادية او الاختلافات الثقافية أو الجغرافية او الدينية، لتكون الجامعة فعلاً بوتقة تطوير وطني، تعيد صياغة شخصيات النشء من خلال نشاطات وبرامج أكاديمية رائعة، تسمح لهم بتأمين حياتهم المهنية وتشكل للوطن مورداً لمستقبل يكون مضموناً.

“الجامعة اللبنانية الاميركية” رائدة في هذا المضمار، ففي خلال السنوات الخمس الاخيرة تضاعفت مساعداتها المالية خمس مرات، فسهلتْ للكثر الاندماج فيها، وصار متخرّجوها يجدون الوظيفة بمعدّل 72% في غضون أقل من سنة بعد تخرجهم… وهذا بحد ذاته مؤشّر جودة.

ويبقى أولاً وأخيراً حيّز الإبداع والابتكار، وهو في صميم اهتمام جامعتنا. وفي هذا السياق وضعنا توصيات استراتيجية لمجلس الأمناء لتحقيق قفزة كبيرة نحو المستقبل، عمادها تعزيز الرأسمال الفكري للطلاب، من خلال استقدام 100 أستاذ متفوق إضافي الى جهازنا التعليمي، والعمل على مواكبة الثورة الصناعية الرابعة بما تتضمنه من علوم الروبوت والنانو تكنولوحي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا البيولوجية، وهذا يستوجب إبداعاً في مضمون البرنامج الاكاديمي وتفاعلاً أوسع في شأنه مع الطلاب، ما يحوّل قاعات الدراسة الى قاعات تفاعلية لا الى صفوف دراسية فقط.

ضمان الجودة في لبنان يختصره عمل مشترك، هو واجب، بين الحكومة وأصحاب الشأن أي الجامعات نفسها، من خلال رقابة صارمة خارجية وسلم قيم حازم للنقد الذاتي من الداخل… هكذا تزول “الفطريات” ويبقى المؤهلون.

قديماً قيل: البقاء للأقوى.

اليوم يجب أن نقول: الاستدامة للأجدر!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*