الهريسة النّبكيّة: نزوح السّكر إلى لبنان

فرح الحاج دياب
النهار
26052018

ماذا لو كانت الدّول تقصف بعضها بالحلوى بدل الصّواريخ؟ وماذا لو كانت الصّواريخ مصنوعة من السّكر والطّحين والخميرة بدل الرّصاص والبارود؟ وماذا لو يسيل القطر في الحروب بدل الدماء؟

يبدو أنّ الحرب الكونيّة في سوريا لم تشرّد السّوريين وحدهم إلى لبنان، بل شرّدت حلوياتهم معهم، فشدّت الهريسة النبكية رحالها من مدينة “النبك” الواقعة في محافظة ريف دمشق، ونزحت باعثة رائحتها العابقة بالياسمين الشامي فوق كل المناطق اللبنانيّة، لاسيما تلك الحدوديّة بين البلدين.

معدّل السّكر إرتفع في ساحة شتورا البقاعية حيث يجتمع سائقو الأجرة عند الموقف، ينتظرون الحافلات القادمة من بعلبك أو بيروت ليتلقّفوا الرّكاب بلهجتهم السّورية “يالله عالشّام… بـ 15 ألف عالشّام”. هكذا تمتزج رائحة أدخنة الحافلات والسّيارات برائحة الزّبدة المنبعثة من محل “حلويات ياسمين الشّام” الذي يقدّم الهريسة النبكية وحلاوة الجبن دون غيرهما، “هاد المحل رزقتو ع الله وعالشوفيرية”، هذا ما يؤكده أحد العاملين هناك بلهجته السّورية مضيفا “الإقبال على شراء الحلويات إزداد إلى الضعف بحلول شهر رمضان الكريم”.

 على مقربة من المكان المزدحم، يقف محل “ملك الهريسة النبكية وحلاوة الجبن” في وجه محل الـحلويات الشهير. يلقي الأوّل تحيّة مثقلة بالدّمشقيّة النبكيّة، فيرد الأخير “بأحلى منها”، تحيّة لبنانية مشبعة “بالكنافة” السّاخنة والجبنة السائحة، هكذا يتقاسم الجاران اللبناني والسوري الشّارع نفسه بمحبة، رغم أنّه من غير المعروف إن كانا يتقاسمان الزبائن بمحبّة أم لا.

أكثر من عشرة محال حلويات تصطف على جانبي الطّريق من شتورا نحو مدينة سعدنايل البقاعية، تحرص معظمها على الحفاظ على هويّتها السّورية. يبدو محل”حلويات أبو اللبن” مكتظاً باللبنانيين الذين تحوّلت الحلويات السّورية إلى جزء من موائدهم. السّيدة الثلاثينيّة رانية جدّوع والتي تهوى الهريسة رغم أنها لا تعرف سبب تسميتها بـ “النبكيّة” تؤكّد “ربّما إنتقال المطبخ السّوري إلى لبنان هو النتيجة الوحيدة الجّيدة للحرب… يلعن أبو الحرب”.

كل العاملين في محال الحلويات هم من السّوريين، من المدير إلى الشيف إلى العامل إلى المحاسب، وحدهم الزبائن من الجنسية اللبنانية، هذا ما يؤكّده الشاب محمد العدس الذي لا يسمح لأي زبون أن يخرج دون أن يتذوّق “ضيافة” المحل، “قلّما يشتري السّوريون من عندنا”، وحين تسأله “إن كانوا لا يشترون من محالكم، فمن أين يشترون إذاً”؟ يجيب بإبتسامة ساخرة “بس يكون معهم يشتروا خبز، بيجو يشتروا حلويات”.

لعل إسم المحل الأكبر “عالبال يا شام” يختصر قصص العاملين فيه، الذين تخطر الشام على بالهم في كل حين، فيتحدّثون بشغف عن حلويات وطنهم، العدس الذي نزح من حمص، يتحدّث عن الحلاوة الحمصية، أمّا الشاب عثمان عرابي الذي نزح من دمشق، فيحدّثك عن الهريسة النّبكيّة، “إنّها مصنوعة من مزيج سحري من السميد، والسكر، والحليب، وجوز الهند، والزبدة أو السمن، إنّها لا تشبه أي نوع آخر من الحلوى، بل هي ألذ الحلويات التي تخبز في كافة المناسبات، وتشبه الهريسة السوريّة البسبوسة المصريّة لكنّهما تختلفان في طريقة التزيّين”.

سعر كيلو الهريسة المزيّن بالفستق الحلبي المطحون، لا يتعدى الثمانية آلاف ليرة لبنانية في بعض المحال، بينما يصل إلى عشرين ألف في محال أخرى، حيث سعر قطعة “الكاتو” الواحدة ثلاثة آلاف ليرة”، أي أنّ الأسعار فيها تتخطى أسعار المحال اللبنانية الأشهر والأفضل.

هذه الحلوى تدعى “ليالي الشّام”، وهذه “قرمشتية”، وهذه “ملوكيّة”، وهذه تسمى “مشبّكة” وهذه “سمسميّة”، وهذه “النابلسيّة”، ييتسم الشّاب عُدي النازح من درعا مضيفاً “النابلسية تشبه الكنافة اللبنانية، ولكنّكم تأكلونها بخبزة همبرغر”!

في منطق الحلويات، ربّما الفرق الوحيد بين الشّعب اللبناني وذاك السّوري أن الأول يأكل الكنافة بـ “خبزة” بينما الآخر يأكلها من دون “خبزة”، المهم أن يظل الشّعبان قادرين على شراء الخبز، أمّا إذا إستمر الوضع الإقتصادي بالتدهور، ولم يعد بإستطاعتهما شراءه، ربّما سيضطران حينها إلى أكل البسكويت.. أو الحلوى!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*