“النهار” تملك ملفّاً كاملاً وتقترح خريطة طريق لإنجاز المشروع… فليُجعَلْ بيت فيروز متحفاً للذاكرة

عقل العويط
النهار
11092018

نريد تحويل بيت فيروز، في زقاق البلاط، إلى متحف للذاكرة الفنية والوطنية والإنسانية. دون التنفيذ، تعقيدات كثيرة. لكن خريطتنا للطريق واضحة وعملانية ودقيقة للغاية. تعرف “النهار” تماماً، هذه التعقيدات الموضوعية. وتعرف بالتوازي، أين العرقلة، وكيف يتمّ تقاذف المسؤوليات و… الكرات، وفي أيّ ملعبٍ، وبين أيّ مكتبٍ ومكتب، ولدى أيٍّ من الموظفين والمسؤولين. فإذا كان ثمّة مَن يريد حقاً أن ينجز عملاً وطنياً يجسّد، على المستوى الثقافي – الفني – الإنساني، “المصلحة الوطنية العليا”، التي تغرق في رمال السياسة، ومتاهات المصالح والصغائر، فليس عليه سوى أن يتصل بـ”النهار” للإطلاع على الملفّ الكامل الذي أُودِع لديها أمانةً، متضمناً الوقائع والحيثيات والمراحل و… العراقيل.

سكنت فيروز – نهاد وديع حداد وعائلتها في العقارَين اللذين يحملان رقمَي 565 و567 في محلّة زقاق البلاط، بيروت. صدر في 18/12/2008 قرارٌ حمل الرقم 977 من مجلس بلدية بيروت باستملاكهما (مع العقار المجاور الرقم 501) و”إعلان المنفعة العامة” عليهما، “في إطار مشروع أرخميدس للحفاظ على المباني الأثرية”. أحيل القرار على محافظ بيروت في 15/1/2009 وتسلّمه في 21/1/2009. ثمّ أرسل المجلس البلدي إلى المحافظ كتاباً في 12/6/2009، سائلاً إياه، في ضوء “علمنا بوجود معاملة لهدم البناء القائم على هذين العقارين ما يتعارض وقرار المجلس البلدي الآنف الذكر”، “اتخاذ الإجراءات اللازمة لسحب الملفّ العائد لهذا الموضوع وعدم استكمال الخطوات الآيلة إلى هدم البناء”. أُلحِق قرار المجلس البلدي بمرسوم لمجلس الوزراء صدر في 16/10/2014 حمل الرقم 812، وقد اتُّخذ بناءً على قرار مجلس بلدية بيروت الآنف الذكر، وقرارَي وزارة الثقافة رقم 73 تاريخ 29/7/2010، ورقم 74 تاريخ 29/7/2010، “إدخال العقارات رقم 501 و565 و567 من منطقة زقاق البلاط العقارية، محافظة بيروت، في لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية”، وقضى المرسوم بـ”اعتبار الأشغال العائدة للحفاظ على الأبنية التراثية على العقارات 501 و565 و567 في منطقة زقاق البلاط العقارية في إطار مشروع أرخميدس للحفاظ على الأبنية الأثرية من المنافع العامة”. المرسوم هذا صدر في العدد 44 من الجريدة الرسمية في 23/10/2014.

مؤسسات ثقافية وتراثية وفنية وإدارية وحكومية، رسمية وخاصة، ومرجعيات وناشطون وأفراد، يعملون جاهدين منذ أعوام متلاحقة لتحويل هذا البيت إلى متحف للذاكرة الوطنية والإنسانية، وهم صنعوا من القضية ملفّ استملاك متكاملاً مودعاً لدى محافظة بيروت يحمل الرقم 2783/2018. وقد وضع هؤلاء الأطراف الأشاوس في يد “النهار” نسخةً من هذا الملف، وخريطة طريق متكاملة، من الألف إلى الياء، لتسهيل تحقيق هذا الهدف.

واضحٌ أن معوقات كثيرة وشائكة، بعضها موضوعي واقعي، وبعضها الآخر (ربما) مفتعل، تحول دون التنفيذ: التعقيدات والتشابكات الإدارية والعقارية والقانونية، والازدواجيات بين البلدية والمحافظة والداخلية والأشغال والثقافة والآثار وملاّك المبنى والورثة والدوائر العقارية. فكيف إذا أضيفت إليها عوامل الروتين والتأجيل والتسويف والمماطلة، وصولاً إلى إمرار عامل الوقت لإفقاد المرسوم فاعليته، وتضييع الفرصة الذهبية، “ضماناً” لاستحالة التنفيذ!

من الأخير، نرى ما يأتي: التوجه فوراً إلى مَن يسهر على “المصلحة الوطنية العليا” (رئيس الجمهورية أولاً، باعتباره رئيس البلاد ورمز كرامتها وسيادتها الوطنية وحامي الدستور)، سائلاً إيّاه أن يرى في تحويل هذا المبنى إلى متحفٍ، “مصلحةً وطنيةً علياً”، تمهيداً لتسهيل إدراجه على لائحة التراث العالمي.

من الأخير: نقترح على الرئيس، جعل هذا المبنى ملكاً حصرياً كاملاً لـ”الأمة اللبنانية”، للدولة، للجمهورية، للشعب اللبناني، للثقافة الوطنية، للإرث القيمي والمعنوي، بل ملكاً للتراث العالمي، وللإنسانية جمعاء.

من الأخير: نُسِرّ في وجدان الرئيس، من فمنا إلى أذنَي روحه، أن من الملحّ تحرير هذه المسألة من استغراقاتها في متاهات الحقوق والقوانين والمسؤوليات والروتين الإداري والقانوني والعقاري.

من الأخير: تسهيلاً لهذه المهمة، يستدعي رئيس الجمهورية كلاًّ من وزير الثقافة ومديريته للتراث والآثار، وزير الأشغال، وزير الداخلية، محافظ العاصمة ومجلس بلدية بيروت، على أن يحضر الاجتماع مستشاروه الثقافيون، ووزيره للعدل، من أجل أن يضع هذا الأخير فذلكة قانونية متكاملة، لتحرير هذا البيت، في ضوء الملفات والقراررات والمراسيم والمعطيات المتوافرة جميعها بلا استثناء، ليصار إلى إجراء المقتضى.

من الأخير: هكذا يكفّ الرئيسُ الأيديَ كلها، أيدي البلدية والمحافظة والوزارات والدوائر القانونية والعقارية والمالية عن الاهتمام بهذه المسألة، لئلا تظل المسألة تراوح مكانها، كما هي الحال منذ سنوات. وهكذا يضع (الرئيس) يده المادية والمعنوية نهائياً على هذه المسألة، ويحرّرها من كل الإجراءات المرعية، بإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه، “للاستيلاء” وطنياً على هذا المبنى.

لماذا؟ لأن فيروز وُلدت هنا ومرّ صوتها الأول من هنا. لأن صوتها سكن هذا البيت، في أحد الأيام، وخاطب بابه، حجارته، شبابيكه، أرضه، سقفه، مزاجه، ولمس جوهره، وانسرب في روحه، وترك فيه ما لا يضيع وما لا يندثر من معنى الوجود والعقل والسرّ والحلم والخيال والقلب والشعر والحرية.

نريد برهاناً واحداً أيها الرئيس، على أننا نستحقّ شيئاً مختلفاً عما نُعطاه يومياً من فقر ومرض وذلّ ومهانة وقهر وعذاب ويأس وألم ووجع وموت.

نريد هذا الشيء المختلف – هذا البرهان الرمزي المنسحق والمتواضع.

نريد هذا البيت، لأن فيه ضوءاً غير قابلٍ للانطفاء.

نريد هذا البيت بالذات، لأنه قد لا يكون لنا بيت سواه، وجدانياً ثقافياً فنياً مدنياً علمانياً إنسانوياً جامعاً، نلتقي فيه تحت سقف لبنان.

الحلّ بسيط: مهما كانت “شربكات” هذا البناء معقدة ومتداخلة. قيمته المادية وترميماته لن تكون باهظة، و”فوق المستطاع”، لأنها أقلّ بكثير، بل أقلّ بما لا يقاس (بالسنوات الضوئية) من المال المراق إهداراً، في الإدارة اللبنانية، خارج بحر “المصلحة الوطنية العليا”.

نريد هذا البيت بالذات، برهاناً على الأمل، على الحبّ، على الشعر، على الحلم، على الخير، على السلام. وعلى الحرية.

نريده برهاناً مفرداً للسهر على لبنان. وللسهر على “المصلحة الوطنية العليا”.

إنه بيتنا للإنسانية جمعاء.

السبب الموجب: صوت نهاد حداد – فيروز وُلد هنا ومرّ من هنا.

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*