النظرة المهنية إلى مهمات المصارف المركزية

في تاريخ 22 تشرين الثاني دعاني سفير جمهورية مصر العربية نزيه النجاري الى عشاء على شرف محافظ المصرف المركزي المصري طارق حسن عامر، وكانت هنالك مجموعة من المصرفيين اللبنانيين والعرب بمناسبة انعقاد مؤتمر اتحاد المصارف العربية يوم 23/11/2017 والذي تم خلاله انتقاء حاكم المصرف المركزي المصري كأفضل حاكم لمصرف مركزي عربي عام 2017.

شرفني السفير الصديق بمجالسة المحتفى به والامين العام للجامعة العربية الاستاذ أحمد أبو الغيط والرئيس فؤاد السنيورة، والاستاذ احمد عكاشة رئيس مجلس ادارة البنك الاهلي المصري، والدكتور سمير حمود رئيس لجنة الرقابة على المصارف اضافة الى المضيف.

جرى البحث في دور المصارف المركزية بعد الازمة المالية العالمية والبرامج التي اعتمدتها المصارف المركزية ووزارات المالية في حالات معينة كما حدث في الولايات المتحدة وبريطانيا وكان هنالك توافق ما بين المتجالسين على ان مناهج عمل المصارف المركزية قد تعدل بصورة جذرية نتيجة الازمة المالية العالمية علمًا بان التغيير كان يحصل بصورة تدريجية متسارعة أو بطيئة بقدر ما تضبط او لا تضبط السلطات المالية عجز الموازنة.

اردت الاستفادة من آراء حاكم المصرف المركزي المصري وهو شاب يبدو في الأربعينات علمًا انه قارب الستين، والنظرة اليه تبين مدى ذكائه واقدامه، وهو كان عمل في السابق رئيسًا لمجلس ادارة البنك الاهلي المصري الذي هو مصرف تجاري يملكه القطاع العام، وبالتالي حاز الحاكم خبرة مصرفية تجارية، يعتبر انها ساهمت في تمكينه من معالجة تحديات البنك المركزي المصري بفعالية.

الرئيس السنيورة الذي أوضح ان خبرته شملت المصرف المركزي حينما كان رئيسًا للجنة الرقابة خلال الولاية الاولى لميشال الخوري، ومن بعد كوزير للمالية، ورئيس لمجلس الوزراء، شدد على ان السياسة المالية ان كانت متفلتة يمكن ان تضر بالسياسة النقدية، وان ثمة حاجة الى التنسيق بين السياسة المالية التي تشمل عائدات الضرائب والرسوم والانفاق على مجمل نشاطات القطاع العام، والسياسة النقدية التي هي من اختصاص المصرف المركزي.

وفي رأي الرئيس السنيورة أنه كانت ثمة حاجة ملحة منذ نهاية عام 2005 والتصدي لنتائج اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن بعد خلال عام 2006 حينما تحسن معدل النمو الى حد ما وحتى نشوب حرب تموز 2006 مع اسرائيل وتكبد لبنان خسائر بشرية ومادية كبيرة، الى وضع خطة لاصلاح الاوضاع المالية كي لا نشهد تدهورًا لسعر صرف الليرة كما واجهنا خلال فترة الثمانينات وبصورة خاصة بعد عام 1984.

خلال كانون الثاني 2007 انعقد مؤتمر باريس للمانحين لمساعدة لبنان على تلقي مساعدات دولية وعربية وكانت هنالك حماسة لاقرار المساعدات لان موقف العديد من البلدان الغربية والمؤسسات الدولية كان مساندًا للحاجات اللبنانية، خصوصاً حكومة الرئيس السنيورة آنذاك كانت وضعت برنامجًا مقنعًا لضبط شؤون المالية العامة وتخصيص الموارد لتأمين تطوير حقيقي للبنان واللبنانيين على صعيد البنية التحتية وضبط الهدر في دعم عجز كهرباء لبنان الذي كان مسؤولاً في تاريخه عن نسبة 39 في المئة من استحقاقات الدين العام. لكن برنامج الحكومة، الذي كان قد أقر عام 2006 قبل نشوب حرب تموز، وشارك في اقراره آنذاك الاستاذ محمد فنيش كوزير للطاقة وهو من فريق “حزب الله” لم يأخذ طريقه حقًا الى التنفيذ لأن المناكفات السياسية أدت الى انسحاب وزراء “حزب الله” واستقالة وزير كان قد سماه رئيس الجمهورية، واستطاعت الحكومة بشق النفس وبفضل مهارة فؤاد السنيورة الاستمرار من غير ان تتمكن من تنفيذ المشاريع التي كانت وضعت تصورها في البرنامج المقرر قبل الحرب.

الاستاذ عكاشة رئيس مجلس ادارة البنك الاهلي المصري أوضح لي ان سياسات المصرف المركزي في ضبط تذبذب سعر صرف الجنيه والعناية بالاحتياط من العملات الاجنبية أتاح لمصر تحرير التحويلات بالدولار والعملات الاجنبية لحاجات الاستيراد الضرورية كما تحويل المبالغ التي يطلب تحويلها المودعون دون ضوابط على حجم التحويلات والغرض من انجازها وهو قال ان هذه الانجازات تحققت في رعاية الحاكم وبتوجهاته مع فريق عمله، ويعتبر الاستاذ عكاشة ان سعر صرف الجنيه حاليًا (نحو 17.5 جنيهاً للدولار) بالغ الانخفاض وسعره الحقيقي يجب ان يكون على مستوى 14-14.5 جنيهاً للدولار، وان هذا السعر سيتحقق قريبًا.

استمعنا الى كلمة السفير النجار، وكانت مقتضبة عن انجازات الحاكم وعرفنا ان السفير كان قد ذهب الى القاهرة لحضور اجتماع الرئيسين السيسي والحريري، وبالتأكيد هو لم يفصح عما جرى فهو ديبلوماسي رفيع المستوى يتقن الروسية والفرنسية والانجليزية.

حاكم المصرف المركزي عبر عن التحديات التي واجهت وتواجه جمهورية مصر، خصوصاً ان المعونات العربية لم تتوافر على المستوى المرجو وكذلك المعونات الاميركية انخفضت، لكنه شرح طبيعة اجراءات تنظيمية وتفاعل المصرف المركزي المصري مع الهيئات الدولية ومجموعة العشرين. وأكد ان بلاده تحقق تقدمًا على رغم صعوبات الاقتصاد العالمي، وامكانات مواجهة أزمة مالية عالمية في المستقبل غير البعيد اذا بقيت اجراءات التحقق والرقابة غير مطبقة تماماً. وشدد على ضرورة ادراك دولنا ان دورها الدولي في الشأن المالي بسيط على رغم الصناديق السيادية.

الأمين العام للجامعة العربية أحمد ابو الغيط انسان وقور قليل الكلام أنيق الهندام والحديث اكتفى بالتحسر على خسارة البلدان العربية بسبب التقاتل الداخلي والعصبيات الدينية ما يساوي 640 مليار دولار من الاضرار في العراق وسوريا واليمن وليبيا، وبعد يومين من كلامه كانت مصر تشهد مجرزة أودت بحياة 305 مصريين ومصريات كانوا يمارسون طقوس العبادة في جامع بشمال سيناء.

أتيح لي ان الفت الانتباه الى ان لبنان يعاني تشكيكاً في قدراته المالية على الايفاء، وتمادي الانفلاش الانفاقي الذي يضغط على السياسة النقدية التي كانت ولا يزال قادرة على احتواء الضغوط. لكن الوضع اللبناني يعاني عجز توليد الكهرباء وتوزيعها منذ أواخر التسعينات، وقد وضع البنك الدولي دراسة تبين ان عجز الكهرباء كان يفرض التحول الى استبدال المازوت بالغاز، وتطوير شبكة التوزيع، وضبط السرقات والتهرب من تسديد المستحقات وتحسين عمليات الجباية واصدار الفواتير وعرض نتائج الخطوات التصحيحية بوضوح لكي تكون ثمة فائدة من التحسين المرجو، وبينت توصيات البنك الدولي عام 2007 ان 40 في المئة من عجز الموازنة يعود الى عجز الكهرباء.

لقد اصبحت هذه النسبة حاليًا على مستوى 50 في المئة ومبالغ العجز ارتفعت الى حد بعيد واذا لم تضبط سيكون من المستحيل على لبنان الاستمرار في سياساته الانفاقية التي لا مبالغ منها تخصص لتحسينات البيئة، والبنية التحتية، والتعليم، والصحة الخ.

تمويل عجز الكهرباء منذ عام 2006 وحتى تاريخه (نهاية حزيران 2017) مع الفوائد المتأتية عن الدين بلغ 29.66 مليار دولار أي 30 في المئة من الدين العام، وليست هنالك بوارق حلحلة لهذا الموضوع.

ولعل الخلاصة التي تبدت من العشاء لدى سفير مصر ان كبار المسؤولين في مصر هم على مستوى نفتقده حقًا في لبنان، وقليلون من اللبنانيين يدركون البعد الثقافي المتأصل في مصر حينما يحصرون نظرتهم بمستويات المعيشة البسيطة في هذا البلد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*