النظام السوري بوصفه محمية روسية

 

رأي القدس
Feb 27, 2018

مرة أخرى يثبت مجلس الأمن الدولي عجزه الفاضح حيال القرارات التي يصدرها وتبقى حبراً على ورق، حتى عندما تتخذ بالإجماع وبعد تقديم تنازلات تفرغ النصوص من آليات تطبيقها على الأرض. والمثال الأحدث هو القرار 2401، حول وقف إطلاق النار في سوريا لمدة لا تقل عن شهر، والذي صوت عليه المجلس بالإجماع بعد مفاوضات شاقة مع روسيا الاتحادية.
تحالف النظام السوري وروسيا وإيران تابع استهداف الغوطة الشرقية وكأن شيئاً لم يكن، متذرعاً بالفقرة الثانية من القرار، والتي تنصّ على أنّ «وقف الأعمال العدائية لا ينطبق على العمليات العسكرية ضد «تنظيم الدولة» (داعش) و«القاعدة»، و«النصرة»، وجميع الجماعات الأخرى، والمشاريع والكيانات المرتبطة بـ «القاعدة» أو «داعش»، وغيرها من الجماعات الإرهابية، كما حددها المجلس». ولا أحد سوى أطراف هذا التحالف يملك سلطة التفريق بين 400 ألف مدني محاصرين في الغوطة الشرقية، وعشرات من مقاتلي «داعش» و«النصرة» و«القاعدة»، وبالتالي فلا أحد يستطيع اتهام طيران التحالف الثلاثي بخرق وقف إطلاق النار.
وبعد ساعات قليلة أعقبت التصويت على القرار 2401، أشارت تقارير ناشطين على الأرض في الغوطة الشرقية، ومنظمات طبية وإنسانية، إلى مقتل العشرات من المدنيين، بسبب مئات الطلعات الجوية، التي ألقت مئات الصواريخ والقذائف والبراميل المتفجرة. إلى هذا، لم يشف استئناف أعمال القصف الوحشي غليل النظام السوري، فلجأ إلى قصف منطقة الشيفونية بغاز الكلور السام. من جانبه استأنف الطيران الحربي الروسي مهامه القتالية فقصف بلدة دوما، مما أسفر عن مقتل 16 مدنياً بينهم عشرة أفراد من عائلة واحدة.
ويلفت الانتباه أن موسكو وطهران لم تعد تتمسك حتى بالشكليات الدبلوماسية في التعامل مع الصفة «السيادية» للنظام السوري، فبات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هو الذي ينفي استخدام غاز الكلور ويصنف التقارير التي أشارت إليه في باب «الاستفزاز»، كما أعلن رئيس هيئة الأركان الإيراني محمد باقري أن وقف إطلاق النار في الغوطة الشرقية لا يشمل «جبهة النصرة»، وإن الحرب عليها لا تزال مستمرة.
في المقابل يتابع مسؤولون أوروبيون، من أمثال المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون، مناشدة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كي يضغط على النظام السوري للالتزام بوقف إطلاق النار، وكأن الأسلحة الروسية الأحدث والأشد فتكاً التي تُجرب على المدنيين السوريين ليست بإمرة الكرملين. وليس أدل على سخرية موسكو من مجلس الأمن الدولي سوى الأمر الرئاسي الذي صدر أمس عن بوتين وقضى بتطبيق «هدنة إنسانية» بين الساعة 9 والساعة 14 يومياً، وكأن القرار 2401 لا ينص بدوره على الوصول الآمن لقوافل الأمم المتحدة وشركائها التنفيذيين الإنسانيين، بما في ذلك الإمدادات الطبية والجراحية، إلى جميع المناطق والسكان.
وفي زمن مضى، ولكنه لم ينقض بعد، كانت دولة الاحتلال الإسرائيلي هي المدللة في مجلس الأمن الدولي بسبب تعنت الولايات المتحدة في الدفاع عن ربيبتها. لكن العالم يشهد اليوم تمتع النظام السوري بمزايا مماثلة، ليس لأي مقارنة بين علاقات واشنطن وتل أبيب بالطبع، ولكن لأن هذا النظام حوّل سوريا إلى محمية روسية، فاقتضى أن تتولى موسكو شؤون الحماية في الداخل السوري كما في أروقة الأمم المتحدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*