اخبار عاجلة

النحّات العراقي علي جبّار: أتحدّى الذات والحجر لإنجاز أعمَال مُغايرة

مروان ياسين الدليمي
القدس العربي
Mar 23, 2018

 

بغداد ـ «القدس العربي» من مروان ياسين الدليمي: علي جبّار نحات عراقي مُغترب يقيم في العاصمة البريطانية لندن منذ عدة أعوام، من مواليد مدينة العمارة جنوب العراق،
غادر بلاده في مطلع تسعينيات القرن الماضي بعد أن أنهى عام 1987 دراسة النّحت لمدة خمسة أعوام في معهد الفنون الجميلة في العاصمة العراقية بغداد، ثم أكمل دراسته في كلية الفنون الجميلة عام 1990، وفي العاصمة الدنماركية كوبنهاكن واصل الدراسة في معهد الدزاین عام 2001.. ويمكن القول بأن تجربته تأتي بكل ما تحمله من نزوع نحو الحداثة في تصميم أعماله، استمراراً لجيل الأساتذة من النحاتين العراقيين الرواد أمثال جواد سليم وخالد الرحال ومحمد غني حكمت وصالح القره غولي ونداء الشيخ ومَن جاء بعدهم، وقد توَّج مسيرته هذه بسلسلة طويلة من المعارض الشخصية والجماعية.. أيضا كان من نتائج مشاركاته في العديد من المسابقات الكبيرة داخل وخارج العراق أن ينال الجوائز الأولى في أكثر من مسابقة دولية منها: جائزة الرّسم الأولى في مهرجان الواسطي الخامس ـ بغداد 1985، جائزة الرسم الثالثة في مهرجان الواسطي السادس ـ بغداد 1978، جائزة النحت الأولى في ملتقى دبي الدولي الثاني ـ الإمارات 2005، جائزة النحت الأولى في ملتقى طهران الدولي الأول 2007…
وفي مطلع عام 2018 وجدناه منشغلا في إنجاز عمل نحتي في مصر إلى جانب فنانين آخرين ينتمون إلى جنسيات مختلفة، وبمناسبة انتهاء المشاركين من إنجاز أعمالهم النحتية التقت «القدس العربي» النّحات العراقي علي جبار للحديث عن هذا المشروع .
■ كيف جاءت فكرة هذا العمل ؟
□ تمت دعوتنا من قبل مؤسسة أوستراكا ومحافظة البحر الأحمر المصرية بعد أن تم اختيار إسماء الفنانين من قبل منظّم مختص بتجارب ملتقيات النحت العالمية، وبناءً على الإنجازات السابقة والخبرة والشهرة تمت دعوتنا مع 32 نحاتا من مختلف أنحاء العالم، وكان على كل واحد منّا أن ينجز مشروعه الخاص به.
■ هل من أفكار معينة حاولت أن تطرحها من خلال التصميم الخاص بعملك النحتي؟
□ الفكرة تولدت في داخلي بعد أن جاءت الدعوة مباشرة، وكل ما كان يشغل تفكيري أن أنجز عملا مؤثرا، خاصة بعد أن عرَفتُ أسماء النحاتين الآخرين المشاركين، وفي الحقيقة أغلبهم أصدقائي، وجميعهم من الفنانين الخبراء بالنحت المباشر بالحجر، ومن اللحظة الأولى للتفكير كان في داخلي شيء ما يقودُ يدي إلى شكل جديد ومعاصر عند التخطيطات الأولية للعمل، ورغم أن لديّ نماذج صغيرة جاهزة للإنجاز في أماكن مختلفة في العالم، إلاّ أنني شعرت وكأنَّ شيئا ما يلحُّ عليّ في هذا الاتجاه، فكانت الصورة المتخيلة أن أنجز عملا دائرياً يحمل شحنة عاطفية وهو يلتف حول ذاته في خطوط رشيقة تلتم ثم تنفرج في الوقت نفسه على الفضاء بحركات عفوية ومنتظمة، فخرج الجزء الأيسر أولاً، وبدا لي وكأنه حاملة الإناء النَّذري في الحضارة العراقية القديمة، وذكّرني بنساء الجنوب العاملات في الحقول. أمّا الجزء الأيمن من الشكل فهو مُستوحى من المدنيّات الحديثة وأعمال الرّسام الفرنسي روبرت دولوني، ولكن حققتها بثلاثة أبعاد. وقد استخدمت مفاهيم تقنيات النَّحت البارز والغائر والمدوّر لصورةٍ معاصرة، واخترقت الحجر من عدة أماكن ليتنفس مع الفضاء المحيط وليصنع فضاءه الخاص، وكنت أعمل خلال فترة التنفيذ (8) ساعات في اليوم الواحد لمدة 22 يوما.
■ هل من علاقة تجمع بين القطع النحتية وطبيعة المكان الذي تتوزع عليه النُّصُب؟
□ المكان هو منطقة الغردقة لكون مبانيها منخفضة وأنيقة، وفيها روح الشرق التي تتزاوج مع المفاهيم البصرية للحضارة المصرية القديمة.
■ ما هي طبيعة المادة التي اشتغلت عليها ؟
□ استخدمنا المرمر المصري الذي اسمه جلالة وهو مرمر مختلف التركيب في مساماته، فبعض أجزائه يشبه مرمر كرارا الإيطالي الأبيض الكريمي ومرمر أفيون التركي والحجر الرملي وبعض أجزائه تحتوي ترافرتين ذا الفقاعات الصغيرة، وهو يحتمل درجات الحك الخشنة من التون الأبيض حتى يصل إلى اللون الكريمي أو البيج الدافئ.
■ بعد هذه المسيرة الطويلة في عالم النحت ماذا يعني لك هذا الإنجاز؟
□ هذا المشروع هو أحد الإنجازات المعاصرة في النحت، ويحتوي على الكثير من تكويني النفسي والاجتماعي وكذلك البيئة التي نشأت فيها وتشكلت من خلالها مشاعري وتساؤلاتي الأولى عن المكان والوجود والعاطفة والحب والأقدار، وبصراحة انا أجد أن النحت العالمي بالحجر بات يعاني من الرتابة والتكرار، ومن هنا دخلت في حالة تحد مع ذاتي لإنجاز أعمال مغايرة تماماً، بالاعتماد على مخيلة طفولية وروح قلقة، وأستطيع القول إن الأعمال التي أنجزها فنانون هنا معي في هذا المشروع ستجد أعمالا مكررة ونمطية وتقلد تجارب الأجيال التي سبقتنا زمنيا، لذلك دائما ما يكرر أمامي أصدقائي النحاتين في هذا المشروع الذين يمثلون دولا مختلفة عبارة بسيطة «نحن جميعا في الاتجاه ذاته، لكنك مختلف عنا تماماً».
■ أينَ نصيبُ العراق في ذاكرتك النحتية؟
□ العراق موجود دائما في أعمالي، سواء في الرسم أو النحت، ولن يغيب أبدا عن ذاكرتي الفنية، مثلا تلك الوقفة النصبيّة لهذا العمل الأخير الذي أنجزته هنا في الغردقة، فعندما تتأملها ستجد أني قد استوحيتها من وقفة الشخوص والأُسَر القديمة في حضارة سومر وبابل، إنها الوقفة القدرية المتأملة أو المتعبِّدة أو المواجِهة لمصيرها القدري. أستطيع القول بأن كل إنشاءات التكوين في أعمالي مستمدة من حضارات العراق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*