«النحس الجاحظي» يلاحق أعرقَ مكتبة في عمّان

عمّان – جمال عيّاد
الحياة
02022018


يبدو أن النحس الذي حلّ بالجاحظ مؤدياً إلى إنهاء حياته عندما سقط عليه صفّ من الكتب في العام 260 هـ/ 870م، انتقلت عدواه إلى المكتبة التي سُمّيت باسم «الجاحظ» في عمّان، والتي تعدّ من أعرق المكتبات في المنطقة، حيث بدأت نواتها قبل قرن ونيف.

فقد شبّ حريق في مستودع المكتبة التي تقع وسط المدينة قريباً من كشكها الشهير، أتى على ما يزيد عن 10 آلاف كتاب، من بينها 3000 نسخة من المصحف الشريف، بحسب هشام المعايطة، أحد الورثة المطّلعين على تاريخ المكتبة، التي عُرفت بـ»خزانة الجاحظ» منذ عشرينات القرن الماضي.

وكان ممدوح المعايطة قد استأنف مشروع المكتبة في عمّان عام 1967 بعد نقلها من القدس التي سقط فيها والده خليل شهيداً عام 1948. أما المؤسس الأول للمكتبة في القدس فهو سليمان المعايطة الذي أرسى قواعدها في العهد العثماني، ورفع «خير جليس» شعاراً لها، وهو الشعار الذي توارثه أحفاده وليد وخليل وممدوح وأخيراً هشام.

هشام الذي ورث مهنة الوراقة عن أبيه ممدوح، قال إن الحريق الذي نشب بالمستودع، كان بسبب ارتطام قطّ قام بإيوائه من البرد، بمدفأة الكاز.

النحس الجاحظي، كان قد حلّ بالمكتبة مرتين سابقاً، وكانت العصابات الصهيونية هي الفاعل، الأولى في القدس عندما كان يديرها خليل المعايطة، الذي استُشهد في عام 1947، والثانية في حرب عام 1948 مع الابن ممدوح الذي بُترت إحدى قدميه على إثرها.

ومما يروى أن المقدسيين كانوا يمازحون القائمين على المكتبة محذرين من حدوث مكروه لهم، كما حدث للأديب العربي «الجاحظ».

واستمر هذا «النحس» في عام 1970، حيث سقطت قذيفة على المكتبة خلال أحداث أيلول 1970 أدت إلى نشوب حريق فيها، وكان من ضحايا تلك الحادثة جدّة هشام المعايطة. وحتى في أيام السلم، لم تسلم المكتبة من مضايقات أمانة عمّان الكبرى، التي قامت بإزالة الكشك وتسببت في نقل موقع المكتبة أكثر من مرة. لكن مكانة المكتبة وحضورها المؤثر في المشهد العام، دفعت أصدقاءها وروادها إلى الاحتجاج، مستعينين بوسائل إعلام عربية ودولية، ما أفضى إلى استقرار المكتبة في النهاية في موقعها الحالي أمام مبنى البريد القديم ومقابل مطعم هاشم وسط البلد.

وما يميز المكتبة بفروعها الأربعة، ثم فرعها القديم الذي أنشأه الجد خليل المعايطة في الكرك جنوب الأردن، هو نظام استعارة الكتب لمن لا يزال يستمتع بقراءتها، إذ يدفع الزائر مبلغاً رمزياً بدل الاستعارة، كما يتاح له تبديل كتاب يريده بكتاب من مقتنياته مع دفع دينار واحد (1.4 دولار) نظير هذه العملية.

ومن جهة ثانية، تحظى المكتبة بتميز معرفي، لاحتوائها على كتب ومخطوطات يعود بعضها إلى القرن الثالث عشر للميلاد، ومنها ما هو نادر ولا يتوافر في المتاحف والمكتبات الكبرى. فضلاً عن الكتب التي طُبعت قبل ثلاثة قرون في مجالات الأدب والتاريخ والعقيدة والتاريخ والفلك والرياضيات.

ومن مقتنيات «خزانة الجاحظ» ما هو مكتوب بخطّ اليد، حيث يتم إعارة هذه المخطوطات للطلبة والباحثين، للإفادة منها في الدراسات العليا.

وكان لسفر ممدوح المعايطة (توفي في عمّان عام 1994) إلى بيروت للعلاج أواخر الأربعينات، الأثر الكبير في تعميق خبراته وإحداث نقلة نوعية في التعرف على تقنيات الورّاقين وطبيعة وآليات عمل المطابع ودور النشر. وقد انعكس ذلك على تطوير مكتبة الجاحظ في عمّان، وأسهم في منح الثقافة المحلية بعداً نوعياً على مستوى بيع الكتب وطباعتها بعد أن ورث أبناؤه مهنة الوراقة.

وأكد قيّم المكتبة هشام المعايطة أن عائلته التي يدعوها «ورّاقي الزمن الحديث» حريصة على هذا الإرث، وترعاه بوصفه معلماً حضارياً ومعرفياً، قدمه الأجداد للأبناء بأمانة، انحيازاً لرسالة الثقافة والعلم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*