النجومية التلفزيونية تسلُب رئيس “هيئة المناقصات” عقلَه

عطيّة يسعى ويعمل والعلّية غارق حتى أذنيه في مخالفاته

رئيس التفتيش المركزي جورج عطيّة ورئيس هيئة المناقصات جان العلّية، رئيس ومرؤوس.

يبدو أن الظهور الإعلامي الكثيف أطاح الرزانة والتعقّل عند رئيس هيئة المناقصات جان العلّية. ذاق طعم الأضواء فلم يعد يتحمّل الاحتجاب عنها، كأي نجم تلفزيوني.

الرجل الذي كان الوزير جبران باسيل وراء تعيينه في منصبه، ولمع اسمه في رد المناقصات غير المكتملة الشروط في قضية استئجار بواخر توليد الكهرباء، يقول المطلعون على أسباب الضجيج الإعلامي الذي يثيره بين وقت وآخر إنه بات أسيراً للظهور على الشاشات، ضعيفاً أمام الكاميرات والميكروفونات، مرتكباً بسبب هذه النزعة المفاجئة لديه ما لا يُحصى من مخالفات قانونية، نقيض صورة الانضباط والتزام القوانين التي يُفترض أن يكون قدوة فيها.

يوضح المطلعون على  خلفيات سلوك العلّية المستَغرب إنه طلب أواخر الشهر الماضي من رئيس التفتيش المركزي القاضي جورج عطيّة الإذن بالظهور على التلفزيونات كي يتحدث عن المناقصات التي بين يديه، وكان الجواب الذي تلقاه أن البلاد منقسمة في موضوع بواخر الكهرباء، والأفضل أن يقوم بعمله بصمت وفي معزل عن التدخلات كما يحصل، لأن أي كلام يصدر عنه لا بدّ أن يفسر تدخلاً في الانتخابات، وكانت على الأبواب. بعد ذلك تلاحقت طلبات الإذن كي يتحدث العلّية، من إدارات تلفزيونات، “المنار” و”الجديد” وسواهما من مؤسسات إعلامية ربطت بينه وبين عاملين فيها علاقات وطيدة، علماً أن أكثر من فرد من عائلته المباشرة يعمل في مجال الإعلام.

تجاهل العلّيّة كل ما سمع عن مساوئ الظهور الإعلامي غير المضبوط وغير المبرر وغير المحدود لمدير عام من أجل الحديث عن ملفات يعمل عليها، وأن هذا السلوك يتسبب تلقائياً بفوضى عارمة في الإدارة. وبعد طلبه المكرر هاتفياً الإذن بالتحدث إلى أحد التلفزيونات وسماعه الجواب نفسه، نشرت “الأخبار” في اليوم التالي أن العلّية ممنوع من الظهور الإعلامي “بطلب من أحد الرؤساء” بسبب موقفه من قضية استئجار البواخر. حين أنه هو من لجأ إلى “أحد الرؤساء” كي يؤمّن لنفسه، على الأرجح، مستقبلاً في عالم السياسة.

سمع العلّية بعد ذلك من جديد أن لا مصلحة للهيئة التي يترأسها في دخول الكباش السياسي الدائر في البلاد، وعليه تحكيم القانون وضميره للحكم في المسائل التي ينظر فيها، لا أكثر ولا أقل. في اليوم التالي بث تلفزيون “أل بي سي آي” تقريراً للزميل بسام أبو زيد، غير بريء المصدر على الإطلاق،فحواه أن رئيس التفتيش المركزي يضغط على العلّيّة ويمنع عن الحق الناس في الوصول إلى المعلومات. تجاهل المصدر أو تناسى، وهو العليم، أن الحق في الحصول على المعلومات تنظمه أصول قانونية، كأن يقدم المواطن أو أي معني طلباً للحصول عليها، ولا يتيح القانون إلغاء كل المعايير والضوابط، كي يظهر الموظف على الشاشات ويعرض الملفات التي يتابعها تحت لافتة ” حق الناس في الوصول إلى المعلومات”، بمايؤدي إلى ضرب القوانين التنظيمية والتسلسل الإداري.

انتقل العلّيّة بعد ذلك إلى الترويج عبر الصحف أن لا سلطة عليه لرئيس التفتيش المركزي، رغم أن القانون واضح في هذا الشأن وينص منذ سنة 1959 على أن ثلاث إدارات تتبع رئيس هيئة التفتيش، هي إدارة التفتيش، وهيئة التفتيش وهيئة المناقصات، وفي العام 1966 أصدر رئيس التفتيش المركزي عبد الرحمن الطيارة تعميماً يُلزم رئيس هيئة المناقصات طلب إذنه من أجل إجراء مناقصة أو إرجائها. وفي العام 1984 أعطي رئيس هيئة المناقصات تفويضاً بإعطاء إجازات للعاملين فيها، لكن هذا لا يعني إنه لم يعد مرتبطاً برئيس التفتيش المركزي ويحتاج إلى إذنه كي يطل على الشاشات.

لم يهضم منعه من الإطلالات التلفزيونية، فأرسل العلّية بياناً إلى “الوكالة الوطنية للإعلام” الرسمية يعلن فيه إرجاء مناقصة لعدم اتساع المكان الذي تعمل فيه هيئة المناقصات، مع أن المساحة التي تضم مكاتبها نحو 400 متر مربع منذ 20 عاماً وهو يعمل فيها منذ 5 سنوات، وكان القاضي عطية أضاف إليها غرفة بعد تأهيلها ويخرج موظفين أساسيين من مكاتبهم عندما يلزم الأمر كي تستخدمها هيئة المناقصات. فالمكان ضيق على الجميع ورئيس التفتيش كلف مفتشاً عاماً إدارياً ومفتشاً عاماً البحث عن مكان لاستئجاره وأجرى اتصالات واجتماعات  وقصد مسؤولين في الدولة وعرض المسألة بإلحاح لحلها، علماً أنها تستلزم قراراً من مجلس الوزراء والأمر ليس بيده. والحل يجب أن يكون سريعاً لأن 400 مفتش جديد سوف ينضمون إلى التفتيش والبحث جارٍ على قدم وساق من أجل تأمين مكاتب لهم، والإدارة كلها مضغوطة ومكاتبها مكتظة في ذلك المبنى في شارع الكونكورد.

والأغرب أن رئيس هيئة المناقصات وزع  على الصحف ووسائل الإعلام البيان الذي سحبته “الوكالة الوطنية” بعدما تبين أنه غير مأذون به، وأقدم على توجيه كتاب إلى وزير الإعلام  ملحم رياشي بلهجة التهديد، يطلب فيه إعادة نشر الخبر، مع أن لا حق لمدير عام في مخاطبة وزير خارج التسلسل الإداري. ثم سرّب الكتاب إلى وسائل الإعلام في سلسلة لا تنتهي من المخالفات. وعندما ظهر على محطة “الجديد” روى أنه يتعرض لضغوط بسبب نظره في قضية البواخر ، ولم يأتِ على ذكر ضيق المكان الذي تعمل فيه هيئة المناقصات. وفي غمرة شغفه بالظهور الإعلامي تجاهل العلّية أن كل التعليمات والتعاميم من رؤساء التفتيش المركزي إلى الإدارات ومنها إدارة المناقصات محفوظة ولا يمكن اختراع قوانين ونصوص خاصة كي يعتبر أنه لا يتبع التفتيش المركزي. وهو تلقى كتاب تحذير من المضي في محاولة تضليل الرأي العام  وتجاوز القوانين تحت طائلة الملاحقة القانونية في حقه. وبعد ذلك لم يترك سياسياً أو نائباً لم يتصل به كي يتوسط له من أجل رفع التدبير الإداري عنه، إلا أن الأجوبة التي سمعها لم تشجعه، فماذا لو لم يعد كل مدير عام يرد على الوزير الذي يتبع له المدير؟ تخرب الإدارة والبلاد. ورئيس التفتيش المركزي لا يقبل توسطاً بين رئيس ومرؤوس ولو لم يكن رئيسه لما بعث إليه العلّية 22 طلباً على التوالي كي يأذن له بالظهور في مقابلات إعلامية.

هذا كله وجه الظاهرة. عمقها أن العلّيّة كان وعد نفسه على الأرجح بأن يصبح رئيساً للتفتيش المركزي. والحق أن القاضي جورج عطيّة استطاع إعادة هيئة التفتيش إلى الحياة بعد انقطاع عن عقد اجتماعاتها دام أكثر من ثلاث سنوات، وكان اجتماعها الأول في 11 آذار الماضي بعدما اكتملت بتعيين مفتش عام مالي، كذلك أصر على تعيين مفتشين عامين من جهاز التفتيش نفسه ونجح في إيصال أفضل الكفاءات إلى الهيئة. لغيره أن يختلق كل يوم الأخبار البلا طعمة بدل أن ينصرف إلى عمله، أن لا يشتغل إلا على ملف مناقصات بواخر الكهرباء، فيما مناقصات وزارات أخرى تسير بسرعة البرق. يستطيع أن يضيّع وقته في الخبريّات والأخبار ولكن على الإطلاق لا يمكن محو جوابه من محضر جلسة تحت قبة البرلمان للبحث في قضية بواخر الكهرباء، يروي أحد النواب الذين حضروها لـ”الصوت” أن رئيس التفتيش المركزي سأل خلالها رئيس هيئة المناقصات: ” هل اتصلت بك ولو مرة واحدة بخصوص قضية البواخر؟”. أجاب العلّية: “لا . أبداً”.

كاتب صحافي وناشر “الصوت”

إقرأ المزيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*