النادي الثقافي العربي.. حان وقت التنحّي

يوسف بزي | السبت 09/12/2017

القماش الأسود، الذي غطى سقف المعرض، أضفى كآبة ثقيلة على الفضاء لا يبددها صخب الزائرين ولا كثرة الإضاءة. بدت سينوغرافيا الكآبة هذه
مطابقة لحال صناعة الكتب ولأحوال المعرض ذاته.

ثم أن قلة الذوق وسوء التدبير في تغليف السقف بالأسود، من فوق، إضافة إلى رداءة “الموكيت” المتسخ وعشوائية ألوانه الكالحة، من تحت، جعل
المعرض بائخاً وبائتاً ومصاباً بالإدقاع والإهمال. ثمة بخل واستهتار فاقعان هنا، ثمة ترهل فاضح في إدارة هذه المناسبة الموسمية، التي اقترنت بتاريخ بيروت الثقافي.

وما يفاقم حال المعرض سوءاً، هو “رحلة العذاب” للوصول إليه. فبعد مشقة ازدحام الطرق البيروتية التي غالباً ما تتحول إلى كابوس مدمر للأعصاب، يجد المرء نفسه في مصيدة الدخول إلى “البيال”. طريق واحدة لا يتعدى طولها 600 متر، يصبح اجتيازها للوصول إلى موقف السيارات عبارة عن امتحان “أيوبي” في الصبر، أو بالأحرى اختبار عصيب لإرادة التحمل. هكذا، يتحول الزائر إلى كائن منهك، متعكر المزاج ومصاب بالقرف والسخط. ثم يتحول إلى كتلة غضب بعد أن يُفاجأ أن عليه دفع خمسة آلاف ليرة ليركن سيارته.. هذا إن وجد أصلاً مطرحاً متوافراً للوقوف. علماً أن المواقف كانت مجانية في السنوات السابقة.

وبعد “رحلة العذاب” هذه، هل نتخيل زائراً يعود مرة ثانية؟

رغم شكاوى السنوات السابقة، لا إدارة المعرض ولا إدارة “البيال” (شركة سوليدير الموقرة)، غيّرا من هذا الواقع المزري. بل ويشعر واحدنا أن إدارة “البيال” تضيّق عمداً على المعرض وزواره، كما لو أن الأمر يتعلق بضيف غير مرغوب به. ربما المعرض لا يتناسب مع “سنوبية” سوليدير.

ما يقارب الفضيحة هو برمجة النشاطات الثقافية المصاحبة للمعرض.. أشبه بما يسميه المصريون “السينما الترسو”. هي نشاطات آتية من ثقافة “الدرجة الثالثة”، ومعظمها ارتجالي لا علاقة له بالطليعية التي تدعيها الثقافة البيروتية. برمجة قائمة على سياسة المحاباة والمسايرة وطلاب الوجاهة وهواة النوع. برمجة أشبه بنادٍ قروي متواضع. ما من وجهة ولا عنوان ولا ثيمة. عشوائية متمادية وخيارات رديئة وانعدام المعنى.. سمات بارزة على ما يحدث تحت مسمى “نشاطات”. من يبرمج؟ لا أحد يعرف. ربما حان الوقت لمساءلة “النادي الثقافي العربي” الذي يدير المعرض وينظمه، بالتعاون مع اتحاد الناشرين اللبنانيين: على أي أساس تختارون أو تبتكرون برنامجكم الثقافي؟ مَنْ من المثقفين تستشيرون؟ من هي المؤسسات الثقافية التي تتواصلون معها كي تقرروا المناسبات والأمسيات والندوات والعروض؟

ولنعطي مثلاً على هذا الادقاع والإهمال، ثمة وفد من عشرات المثقفين العراقيين أتوا إلى بيروت خصيصاً لمناسبة المعرض. مع ذلك، لم تكلف إدارة المعرض نفسها عناء تنظيم أمر ما، لقاء أو تظاهرة أو مجرد حفل تعارف لهؤلاء مع أقرانهم من اللبنانيين.

ربما بات “النادي الثقافي العربي” غير جدير بهذا المعرض، ومصاباً بالشيخوخة والعجز والفوات.
صحيح أنه مجرد سوق كتب، وصحيح أيضاً أنه يعرض “بضاعة” تعاني أزمات متتالية، صناعةً واستهلاكاً، لكن “فن التسويق” هو عامل حاسم هنا. فحتى سوق الخضار لديه أعرافه وفيه شيء من التزويق والديكور والترتيب والعناية الجاذبة. هنا في معرض الكتاب، يسعى كل ناشر إلى ترتيب جناحه وفق قدرته وإمكاناته، لكن افتقاده لـ”دفتر الشروط” للفضاء العام، تقسيماً وترتيباً وتوزيعاً، يحوله إلى سوق عشوائي، يستدعي الخجل والحرج.
وللكلام بقية..

إقرأ المزيد على صفحات المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*