اخبار عاجلة

المومس غير الفاضلة واللص غير الظريف

 


حسن داوود
Aug 16, 2018
القدس العربي

ها هو ستيفان زفايغ يعود ثانية٭، بل إنه ما زال يواصل الحضور بين المثقفين العرب، مخالفا ما عرفناه من كون الاحتفال بالكاتب يقتصر عادة على جيل واحد من القراء. ستيفان زفايغ ما زال مستمرا في الحضور منذ ترجمة يحيى حقي لروايته «لاعب الشطرنج» إلى العربية. فهذه الرواية، على سبيل المثال، عادت إلى الصدور بالعربية، بترجمة جديدة لسحر ستالة صدرت العام الماضي (2017) في تونس. وطبعا شهدت العقود التي تلت «لاعب الشطرنج» ترجمات، وإعادة ترجمات، لأكثر كتبه. ولم تمر أي من هذه المناسبات المستمرة بدون احتفال. كتابه «عالم الأمس» الذي ظهر من سنوات قليلة أعاد تقديم زفايغ إلى جيل ثقافي جديد، ناقلا تفاصيل تلك الجنة الأوروبية في زمن ما بين الحربين العالميتين.

ودائما، بخلاف الكتّاب الذين اكتملت شهرتهم مثل تولستوي ودوستويفسكي وبلزاك ورومان رولان (وقد أفرد زفايغ كتابا عنهم) كان كاتبنا كأنه، مرّة بعد مرّة، يُكتشف من جديد. هكذا يبدو كل إصدار جديد له، بالعربية، أن ناشره يدلّنا إلى ما لم نكن نعرفه. آخر ما صدر كان كتاب «الليلة المذهلة» جامعا ثلاث قصص متفاوتة عدد الصفحات، لكنها تشترك في قلبها رأسا على عقب لكل سياق في العلاقات بين البشر، حسب ما تنقله الثقافات التي اعتادت أن ترى أن الشر يحصل بعد أن يسلك البشر الطريق المفضية إلى الشر، وكذلك الحال مع الخير.

في قصة «الليلة المذهلة» يبدو أن القانون الذي اتفق البشر على تصديقه خاب، أو تضعضع، أو أسقط من أصله. لم يكن يتوقع ذلك الرجل البورجوازي (حسب توصيف زفايغ له) أن يعيده ذلك التصرّف الشاذ الذي قام به للاهتداء إلى ما يجعل الحياة قابلة لأن تُعاش، قبل ذلك كان قد فقد أي إحساس بالفرح أو الحزن، وأي فضول تجاه البشر، بل أي انتباه إلى ما يحمله تغيّر أحوال الطبيعة من مشاعر. في النزهات التي يقوم بها في العصاري لا يجد سببا للالتفات إلى المارة، كما لا يدفعه مشهد من أي نوع إلى التوقّف لملاحظته، ولو لثوان معدودات. كما أنه، فوق ذلك كله، لا يسترسل متابعا فكرة خطرت له، إذ لا فائدة من ذلك كما يرى. فقط حين أراد أن يشذّ عن سمت الرجل البورجوازي المحترم، وجد نفسه واقعا في لعبة أحب أن تستكمل. كان ذاك حين أعجبته امرأة بين حشد المراهنين على الخيول المتسابقة، فحاول معاكستها، فصدّته، ثم تدخل زوجها القصير البدين للمنافحة عنها. في أثناء ذلك سقطت ورقة الرهان من يد الزوج، فداسها صاحبنا ليخفيها تحت قدمه. هذه سرقة، أنا أسرق.. صار يقول في نفسه، وإن مستسيغا ذلك، بادئا من هناك اكتشاف أنه لم يكن من معنى لحياته من قبل. كانت هذه الحادثة بداية طريقه الجديدة، خصوصا بعد أن ربحت ورقة ذلك الزوج، مرة ، ثم مرة أخرى، بما سيؤدّي برجُلِنا إلى التراوح بين الإحساس بالإثارة والشعور بالخزي. وعلى الفور قرّر الكاتب زفايغ الذهاب به إلى عالم آخر لم يكن قد وطأه من قبل، عالم الفقراء الجامع بين المتسولين واللصوص والمحتفلين بالعيد في الساحة نفسها.

ستيفان زفايغ ليس الكاتب الذي يصوّر العالم الآخر، غير البورجوازي، بريئا وخاليا من الفساد والكراهية، ذاك أن ميزته ككاتب، وهي ميزته المفاجئة دائما، هي في رؤيته الخير والشر مجتمعين، متناقضين ومتصارعين، في النفس الواحدة. تلك المومس التي رآها وأشفق عليها هناك، في تلك الساحة، والتي استدرجته إلى مكان مظلم بين الأشجار، ليست «المومس الفاضلة» حسب ما كانت ترى مدرسة سبقت في الرواية. كما أنها ليست المرأة الشريرة الفاسدة. هي الاثنتان معا، وهي أشياء أخرى أيضا. كما أن شعور بطلنا حيالها ليس الرغبة ولا النفور من رثاثتها ونحول جسمها حتى المرض، إنه شعور مختلط لا يستقر لحظة على حال.

تجاه أيّ شيء يقيم زفايغ ذلك الحوار مع نفسه، متخطيا كل التحديدات السابقة التي تجعل من البشر أنماطا منتهية الرسم، منذ ابتداء ظهورهم في الروايات، بل في الحياة أيضا. ثم إنه لا يكتفي بإظهار ذلك الانقسام في التكوين الأصلي للبشر، بل إنه لا يتوقّف عن تفتيت طرفي ذلك الانقسام، بل أطرافه التي، سطرا بعد سطر، ستظل تتفرّع وتتزايد حتى يصعب أن تصل العلاقة بين شخصياته إلى مآلات واضحة.

هكذا هو حال بطلنا البورجوازي مع مومسته، وهكذا هو حال الشقيقتين التوأمتين والجميلتين اللتين نزع عنهما كل ما قد تمثله الفايري تايل فراحت إحداهما تشن بلا هوادة حربا على الأخرى في «التوأم»، القصة الثالثة في الكتاب. وفي «حكاية شفقية»، القصة الثالثة، يستخرج الشاب المراهق فتاته من وهمه، واقعا في غرامها حتى المرض، ظانا أنها هــــي التي كانت، كلما حلّ الليل، ترتمي عليه وتحوّله، في ليلتـين تكرّرتا أو ثلاث ليال، إلى رجل بعد أن كان قبل ذلك طفلا.

٭ رواية «الليلة المذهلة» لستيفان زفايغ صدرت عن المركز الثقافي العربي في الدار البيضاء بترجمة من محمد بنعبود في 221 صفحة ـ 2018.

٭ روائي لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*