الموت والحياة والزمن الجميل

خالد شفيق لطفي
النهار
11122018

بينما كنت منعزلاً ما أمكن وقاية من أي عدوى، وارتياحاً لتنفيذ قول منسوب للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

“يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة أجزاء، تسعة منها في اعتزال الناس وواحدة في الصمت”.

أعادتني ثلاثة أمور بالذكريات الى زمن كنت ولا أزال اعتبره الزمن الجميل. الزمن الذي أتغنى حوله ببيت من نشيد متخرجات مدرسة البنات الأميركية في صيدا:

لو قدرن قلن يا عهد الهنا

قف ولا تجرِ بنا

ولا يجمع بين الأمور الثلاثة إلا صفة إعادتي الى الزمن الجميل، إذ فيها القبيح المصاحب للوفاة – وفاة الحبيب سليم عثمان، وفيها الجميل المصاحب لكتاب وضعته الصديقة، زوجة الصديق، محاسن مطر شبارو وفيها الرائع: الإحتفال بفيروز.

سليم عثمان كان نموذجاً للمحامي العالم والمحترم. إن كان لا يأسرك فالعلّة تكمن فيك، تماماً كشقيقه الشهيد القاضي حسن عثمان. الأول نموذج للمحامي والثاني نموذج للقاضي. يمكن أن أقول أن مصرع حسن كان الوفاة الأولى لسليم ويمكن أن أقول مع الشاعر عن كل منهما:

ان الزمان بمثله لبخيل…

أخلاق سليم عثمان كمحامٍ تصفها تماماً عبارة قالها يوماً المرحوم النقيب فيليب سعادة: أي كان يمكنه قراءة كتب القانون ولكن لا يمكن لكل شخص أن يمتلك أخلاقية المحامي كما يجب أن تكون.

تماماً كما المرحوم حسن: من السهل وصف صفاته، لكن ليس من السهل امتلاك هذه الصفات لدى قاضٍ.

رحم الله حسن وسليم وعساهما يلتقيان مجدداً في جنة الخلد.

أما كتاب محاسن فله قصة.

كنت قد اتخذت قراراً بعدم قراءة الكتب الحديثة نهائياً. سبب قراري أن معظم الكتب الحديثة التي اهتم بموضوعها، والتي قضيت أعواماً أقرأ في موضوعها وأحلّل المعلومات حوله، أصبحت تصدمني بأن من كتبها لم يدرس ما ينبري للكتابة حوله. حتى صرت أقارن بين الكتّاب وبين الذين يتطوعون للتبشير بقواعد الدين الإسلامي.

استطراداً، على طريقة الجاحظ، ذات مرة حاضر فينا شخص، حول الدين الإسلامي خلال عزاء. قاطعته وسألته كيف تجيز لنفسك إعطاء التوجيهات؟ أجابني: لقد قرأت كتاباً حول الموضوع. قلت له: أنصحك بالتوقف عن هذا، لأن جميع الفقهاء التاريخيين في الإسلام كانوا يقولون إثر كل رأي يعطونه: والله أعلم، مع العلم أنهم قضوا حياتهم في دراسة الموضوع، بينما انت الذي قرأت كتاباً واحداً تتكلم بثقة وكأن في عهدتك مفاتيح الجنة. بعض كبار علماء الإسلام رفضوا مركز قاضي القضاة خشية أن يتقيّد باقي القضاة بآرائهم فيحملون وزر ذلك.

ومرة سألت أحد هؤلاء: أنت تصلي يومياً، وهناك سورة تقرأها في معظم صلواتك، لم أعرف معنى آية منها وهي، في سورة الفلق، والآية هي: ومن شرّ غاسق إذا وقب. ما هو معناها؟ لن أذكر لكم باقي الحوار.

أما الكتب الحديثة فقد كان آخرها، بالنسبة لي، كتاب تصدره اسم مؤلفه يسبقه حرف “د” لتبشيرنا أن مؤلفه قد حاز من جامعة معينة لقب دكتور. بدأت قراءة هذا الكتاب حتى وصلت الى قول الدكتور، لا فض فوه، ان معركة ” الطرف الأغر ” هي التي انتصر فيها الاسطول البريطاني على الأسطول الإسباني. توقفت عن القراءة ورميت الكتاب جانباً. فطلب شقيقي زياد، من دون أن يعلم بذلك، أن يأخذ الكتاب من عندي وهو متجه الى بيته في لندن. في اليوم الثاني اتصل بي من لندن قائلاً : ما هذا؟ أجبته: طالما أنت في لندن، ابحث مع البلدية حتى لا نسود وجه الدكتور، إن كانوا يقبلون بأن ننقل تمثال نيلسون من ميدان الطرف الأغر، ونضع محله تمثالاً للسير فرنسيس درايك.

وهكذا واعتباراً من هذا الكتاب قررت أن أقرأ فقط كتب التراث، باعتبار أن لا أحد من واضعي كتب التراث يحمل لقب “دكتور”، وفي كتب التراث يحق التجليط، فلا يصدمك حصوله. بدأت بألف ليلة وليلة، وقبل أن أنجز قراءته، التقيت بأخي عماد شبارو وزوجته محاسن فأهدتني كتابها، ووعدتها بقراءته شذوذاً عن قراري بعدم قراءة الكتب الحديثة.

وكما حصل معي يوم قراءة كتاب أخي الحبيب المرحوم السيد هاني فحص “ماضٍ لا يمضي”، حزنت كثيراً عندما انتهيت من قراءة كتاب محاسن، كما حزنت لانتهاء قراءة كتاب المرحوم السيد هاني. وفي الحالتين كان حزني لأني أرغب بالمزيد.

هذا النوع من الكتب لم يعد موجوداً: اللغة يفهمها أي كان وليست وقفاً على قلّة يدعي كل منهم أنه يفهمها إلا أنهم يختلفون في تفسيرها. موضوع الكتاب يخلط الوقائع التاريخية بالرواية، بحيث أظن أن الرواية لم تكن لعائلة غريبة عن محاسن. الفترة التاريخية مجهولة من الجيل الجديد، والعلاقة بين اسطنبول ودمشق وبيروت ويافا مجهولة أيضاً. كنت أودّ لو تم التوسع في المسألة التاريخية لجهة نهاية العصر العثماني وبداية الإنتداب الفرنسي وثورات سوريا بوجه الإنتداب.

في الكتاب بعض أخطاء اللغة وخطأ في لعبة البرجيز، إذ أن الودع المطبوب بكامله ليس بنجاً بل يجب أن تكون واحدة بين الستة مفتوحة ليكون بنجاً.

إلا أنه وكما قال الشاعر: كفى المرء فخراً أن تعدّ معايبه.

أما فيروز فقد أعادتني الى العام 1949-1950، كنت في السابعة من عمري، وكان خالي حسيب البزري معلم الرياضة والموسيقى في كلية المقاصد في صيدا. وقد تم تنظيم مهرجان لكلية المقاصد سار فيه طلاب المدرسة في المدينة بكاملها، وتوجهوا في النتيجة ليقوموا بعرض جميل ضمن الملعب البلدي. كان يوماً مشهوداً في صيدا ولبنان. ولقد ساعد خالي كثيراً في التنظيم الأخوان فليفل، بكل زخم في هذا المجال، ونشأت بينه وبينهما صداقة وطيدة. واذكر مرة دعاهما الى غذاء في بستان، وكانت قد فشلت محاولة أولى لاغتيال رياص الصلح، فأبلغنا أحد الأخوين أنه رأى في نومه بأن اغتيال رياض الصلح قد تمّ، فنهض مرعوباً من هذا الكابوس ليفاجأ بأن الأمر لا يتعدى حلماً. فوضع أغنية أنشدها لنا، أذكر منها: “سلامة قلبك يا رياض … سلامة روحك يا رياض … بالعرب سواك يا رياض”. المهم أننا كنا مرة مع خالي في رحلة جبلية ومرّ بنا الخال، في طريق العودة، الى إذاعة لبنان لزيارة الاخوين فليفل. خلال هذه الزيارة قال أحدهما مخاطباً خالي: لدينا فتاة في كورس الإذاعة صوتها مدهش، سأسمعك غناءها. وطلب الآنسة نهاد حداد.

فالمكتشف الأول لفيروز كان الأخوين فليفل. لن أذكر عن فيروز شيئاً، لأني لن أزيد على ما قيل عنها. لكن أودّ في هذا المجال أن أورد ما نقلته شقيقتي مها عن لسان الشهيد غسان كنفاني: “هذه المخلوقة يمكنها أن تغني نشرة أخبار فتطربك “.

أخيراً عودة للاعتزال والصمت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*