المنطق الاعوج

 


سناء الجاك

     المصدر: “النهار”
     14 آب 2017

قال النائب السابق والمنسق العام السابق لأمانة “14 آذار” فارس سعيد خلال مقابلته الاخيرة مع الإعلامي مارسيل غانم ان حركة “14 آذار” دفعت دم قادتها ثمناً لمواقفها ونضالها، ليصبح الاستطراد منطقياً في مقارنة مع الممانعة التي تزج بشباب وقاصرين ليدفعوا عنها ضريبة الدم التي تنشر نفوذ محورها على ضفاف المتوسط.

هذا الكلام يدق جرس انذار للعودة عن المنطق الاعوج السائد في الحياة السياسية اللبنانية.

الدم الذي سال ليجمع اللبنانيين مسلمين ومسحيين، كما حلم صاحب قسم “لبنان العظيم” الشهيد #جبران_تويني، موحدين حول مشروع الدولة الحرة السيدة المستقلة، هو واقع لا يحتاج براهين او ادلة.

والمنطق يقضي ان تشكل الارواح التي زهقت اغتيالاً، انتصاراً لمشروع دولة يجب ان يسعى اليها اللبنانيون بمعزل عن انتماءاتهم المذهبية والعقائدية، لأن مثل هذه الدولة تتسع للجميع.

هذا هو الواقع الذي يجب ان يواجه مخططات استكمال مصادرة لبنان، وليس الالتفاف عليه بالكلام لخلق واقع لا يقع على الأرض بل يبقى تائهاً في فضاء التأويل والاستنباط.

الكلام الاستسلامي او الفولكلوري المطرز ببعض نفحات مما صنع لحظة “14 آذار”، والسائد في هذه المرحلة، ان دل على شيء فهو يدل على رضا أصحابه بوجود دولتين متداخلتين، كل منهما تسير في طريقها، باتجاه معاكس للأخرى.

منطقياً، ليس ضرورياً الانتظار لتظهر أي من الدولتين موجودة وفعالة وقادرة على السيطرة على أرض الواقع، وايُّها صُوَرية ووهمية، تلعب في الوقت الضائع في انتظار لحظة إقليمية مناسبة تسمح لها بالعودة الى هذه الأرض بواقع مغاير للواقع الراهن.

من جهة، لدينا دولة “حزب الله” ومن لف لفها من تيار عوني وشبه أحزاب منخرطة في محور الممانعة لتعوِّم وجودها، تتصرف على أساس انها منتصرة. وانتهى الأمر. اليوم تكرس هذه الدولة انتصارها على أساس ان لبنان دخل مرحلة جديدة تقضي بأن تمحى كل الخلافات والتباينات مع النظام الأسدي المنتصر بدوره. ولا تتوقف أمام أي جريمة او انتهاك او اعتداء دمغ بالدم، ابتداءً من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن بعده كل الشخصيات الوطنية التي كانت تناهض جرائم هذا النظام وليس انتهاءً بالجريمة القذرة لميشال سماحة وشركائه في النظام الاسدي وتفجير المسجدين في طرابلس.

بالمختصر، دولة السلاح تدعونا الى القبول بواقع الأمر الذي مهدت له باغتيالات لم يقتصر حصادها على قادة “14 آذار”، بل طاولت كل الأسماء المرتبطة بالتخطيط والتنفيذ لموسم الحصاد. المضحك المبكي ان هذه الاسماء التي تضم سوريي نظام الأسد ولبنانيي الحزب الإلهي سقطت كلها في سوريا.

حيّا على التطبيع.

اما دولة الأطراف السياسيين الذين كانوا في مواجهة مشروع الممانعة وجرائمه، فهي تعتبر انها انتصرت وأزعجت حلفاء المحور الأسدي – الإيراني وتمكنت من “إسقاط” كل محاولاتهم لـ”التطبيع” مع النظام الأسدي عندما تم شطب السجال الذي استعر بشأن زيارة وزراء الى سوريا بصفتهم الرسمية خلال الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، او من خلال حوار الطرشان المتعلق بدور الجيش ومسألة التنسيق مع “حزب الله” والجيش الأسدي في معركة رأس بعلبك والقاع للقضاء على تنظيم “داعش” هناك.

كأن القائم هذه الأيام يقوم على استيراد مفهوم الانتصار وتصديره. فـ”حزب الله” حوّل انتصاره اللفظي في جرود عرسال الى ورقة جديدة ترفع منسوب سيطرة مرجعيته الإيرانية التي تقع على لبنان كياناً وشعباً ومؤسسات.

اما انتصار الأطراف السياسيين الآخرين، كما يستعرضها ضيوف البرامج الحوارية في هذا الحزب او ذاك التيار، فيذكرنا بما يشبه “إيكاول دي فان” الذي يجمع أطفالاً هواة عديمي الخبرة لا يملكون الا الإصرار على إعلان مرجعياتهم فائزة وقوية في معارك دونكيشوتية لا تغير في الواقع المحسوس والملموس فاصلة او تفصيلاً في اتجاه “تقريش” انتصارات دولة السلاح والخط الإقليمي الى إيران، في احكام القبضة على القرار السياسي والعسكري والأمني في لبنان.

اما الدولة التي تكتفي بـ”مواقف نارية” من دون فعل ربما لرفع العتب، فلن يؤثر شطبها السجال الذي وقع أصلاً ولم يغير في الوقائع شيئاً لأن الوزراء سيذهبون الى النظام الاسدي… وبصفتهم الرسمية.

أيضاً لا تهم المسارعة الى مواكبة مخطط التطبيع المستمر مع هذا النظام بمؤتمرات صحافية من كعب الدست.

لأن الوزراء سيذهبون.

على خط آخر، فريق الممانعة لا يضيع وقته. ينكش الملفات او يخترعها ويلفقها ويفلشها على طاولة الاعلام. ليس مهماً متى يستفيد منها. المهم انه يبقيها في التداول.

السبب ان دولة السلاح غير الشرعي لديها مشروعها الذي لا يتوقف عند مراعاة أحد، لذا على اركان دولة “المواقف النارية” انتظار المزيد من الضربات تحت الزنار. والحبل على الجرار.

لذا نشهد شيطنة كل من لم يتنازل فعلاً عن المشروع الحقيقي للعودة الى الدولة، وكأن المطلوب ان يتم تحضير كل “خصم لدود”، يفترض مهادنته حالياً، ليصار الى عزله عن أي امتداد سياسي وشعبي يمنحه قوته وحيثيته، حتى يسهل إما تطويعه أكثر وإما تهميشه بحيث يسهل، عندما يقرر محور الممانعة، الغاؤه.

من هنا، ولمواجهة الواقع التدميري لهاتين الدوليتين السائرتين، كل منهما في اتجاهها المعاكس للأخرى، يصبح العمل خارج هاتين الدولتين لزوم ما يلزم لاستعادة كلام المنطق وصوت المنط بغية العودة الى الدولة الواحدة الحرة وذات السيادة، وليس الانصات الى الأصوات التي تحسب ان عليها ان تقول ما يحفظ لها خط الرجعة لتكون قد أدت واجباتها حيال جمهور مطلوب منه ان يعيدها الى السلطة. وكفى المؤمنين شر القتال.

ربما لم يعد كافيا مراقبة ما يحصل وتسجيل التداعيات التي نشهدها وسنشهد المزيد منها، لأن المنطق الاعوج السائد سيترك دولة “المواقف النارية” لرفع العتب عاجزة عن الأفعال على قارعة الكيان المسلوب، لتكمل دولة السلاح وفائض القوة محاولة تنفيذ مشروعها ومصادرة لبنان بالكامل، ليس لأنها لا تقهر، ولكن لأن هناك من سمح لها بذلك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*