المنطقة العربية: الطور الأقصى من الجنون؟

 

رأي القدس
Nov 25, 2017
القدس العربي

سقط مئات القتلى في الهجوم الإرهابي على مسجد الروضة في محافظة شمال سيناء وغالبيتهم، إن لم يكن كلهم، من المدنيين، الذين كانوا يقومون بأداء طقس الصلاة في جامع، وهو مكان يفترض أن له قدسيته، وحرمته، عند المسلمين، فيما تشير الدلائل إلى بصمات تنظيم «الدولة الإسلامية»، الذي يفترض أن عناصره هم مسلمون أيضاً.
الحادث يؤكد المؤكد وهو أن لا مدّعي الإسلام المتشددين، ولا النظام العسكري ـ الأمني في مصر، يحترمون البشر أو الأماكن المقدسة أو حتى الشعارات التي يرفعونها، سواء كان الإسلام، في حالة عناصر الجهادية المسلحة، أو الشعب المصري وحقوقه، مبادئ القانون، الشرائع العالمية، أو حتى الأعراف والأخلاق والتقاليد، في حالة نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي.
تكشف هذه الملاحظة عن كون الصراع الدمويّ الجاري في مصر، وبأشكال مشابهة إلى حد كبير في باقي الجغرافيا العربية، ليس أيديولوجياً، لأن الطرفين لا يأبهان بتاتاً بالأيديولوجيات وتفاصيلها.
تؤكد بحوث علمية عن «جذور الإرهاب»، تم إنجازها على مدى عشرات السنين من التوثيق والمقابلات مع سجناء إرهابيين (مثل «فهم شبكات الإرهاب» لمارك سيغمان، و«مسببات الإرهاب» لمارثا كرينشو)، فإن الإرهاب لا يمكن تلخيصه بعوامل أيديولوجية أو دينية أو باختلالات نفسية، وقد تابعت هذه الأبحاث جذور الإرهاب منذ الفوضويين الروس مروراً بالحركة المسلحة الأيرلندية، وفلسطين، الباسك والجزائر وكلّها تتفق على أن الإرهابيين كانوا أشخاصا عاديين، وأن ما دفعهم للإرهاب هو شبكة علاقاتهم العائلية وصداقاتهم وولاءاتهم لمجموعات مغلقة، عشائرية، ثقافية، وطنية، دينية أو سياسية، وأن الظروف التي تخلق الإجرام المعمم ضد الأبرياء هو شعور الأفراد من جماعة ما بخطر وجودي.
أجهزة الأمن العالمية والعربية لا تريد البتة سماع هذه الآراء، ولا ترغب في معرفة الأسباب التي تدفع بشخص أو جماعة إلى هذا الطور لأن الشرطة قتلت أخا أو أبا أو ضربت أفراد عائلة انتقاماً لحادث أو لأن طائرة هليكوبتر أفنت عائلة بأكملها.
تركز أجهزة الأمن على فكرة هزيمة الإرهابيين من دون أن تهتمّ بأثر عملياتها العسكرية والأمنية على النسيج الاجتماعي والسياسي لمن تقصفهم أو تقتلهم أو تعتقلهم، وهو ما يعني أن وسائلها للقضاء على الإرهاب تعيد تفريخ أسبابه وتوسع الحاضنة الاجتماعية له.
إلى القائمة الطويلة لهذه الجذور العميقة للإرهاب التي تتغذى على ممارسات الاستبداد والاحتلال وإرهاب الدولة فإن الأنظمة العربية تبدو صاعدة في أطوار غير مسبوقة من الجنون السياسي الذي يدهش البشريّة، فخلال الأسبوع الماضي وحده شهدنا إطلاق المملكة العربية السعودية سراح رئيس الوزراء اللبناني الذي بدا وكأن حياة جديدة قد كتبت له، فيما يعاني نظراؤه من كبار رجال الأعمال السعوديين، والأمراء من ابتزاز لمبادلة حريتهم بثرواتهم، كما شهدنا إعلان ما صار متعارفاً عليه باسم «دول الحصار» (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) قراراً «قراقوشياً» بإعلان «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين»، وهو يضم آلاف الشيوخ من كل أنحاء العالم، كياناً إرهابياً، وزعمت، في مضمون القرار، أن الاتحاد «قام بعمليات إرهابية»!
وفي مصر شهدنا في الأيام القليلة الماضية تهمة غير مسبوقة، وهي «التخابر مع تركيا»، وقبلها كان «التخابر مع قطر» ومع «حماس» (التي كان مسؤولوها في القاهرة للتباحث في شأن المصالحة الفلسطينية)، وهي اتهامات عجيبة ترتّب على النظام المصريّ، والمصريين، أعباء قانونية وسياسية وماليّة جسيمة، كما أنها توسّع قوس الملاحقات والاتهامات وتضيّق على المصريين حياتهم وشؤونهم وأرزاقهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*