«الملك في بيجامته»: رواية التاريخ والتوظيف السردي للهامشيين

 

نادية هناوي
Jun 19, 2018
القدس العربي

تتجاوز رواية التاريخ بوصفها إجناسية سردية تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة التصورات المعتادة للتاريخ وتحديداته الثيماتية، وتتعداها متعالية عليها بالكتابة السردية على اختلاف تقاناتها وأشكالها.
وإذا كانت الرواية التاريخية تتخذ السرد مسرحا لتمثيل التاريخ بوصفه حدثا ماضيا، فإن رواية التاريخ تتخذ التاريخ مسرحا تستلهم عبره الحدث التاريخي، معيدة كتابته من جديد سرديا، متعاملة معه فاعلا نصيا حيا يتجاوز حدود الماضي إلى الحاضر وما بعده، حسب معطيات التوظيف السردي والميتا سردي معا.
وهذا الانفتاح في الأزمنة والتنويعات التخييلية في الأحداث التاريخية، هو الذي يوِّلد من التاريخ تواريخ ويجعل مؤلف رواية التاريخ كاتبا في مجموعة كتّاب، يجتمع في داخله المؤرخ والروائي والفيلسوف والمتنبئ والثوري والتربوي والمصلح الأخلاقي.
ولا تستهدف رواية التاريخ القارئ بقصدية الاستهلاك والتقبل الاعتيادي، وإنما بمقصدية جعله منتجا فاعلا ومشاركا يتحداه الكاتب ويستفز فكره وقدراته.

مستقبل البشرية

وقد شبّه هايدن وايت التخييل السردي وفاعليته في كتابة التاريخ بصورة الكلب وذيله و«أن الذيل في التاريخ يحرك الكلب»، وناقش في كتابه «ما وراء التاريخ» كيف تميل المؤلفات التاريخية إلى أن تمثل عقدا أدبية يمكن تمييزها مأساويا ورومانتيكيا وهجائيا، وأن التاريخ يتقاسم، وكثير من التخييل الواقعي تقاليد لغوية معينة، فالسارد لا يتحدث بصوته الخاص أبدا، وإنما يسجل الأحداث، معطيا القراء الانطباع بأن ليس هناك حكم شخصي أو شخص يمكن تعيينه، قد شكّلا القصة التي سُردت. وأن بوجود التقاليد التي يتقاسمها التاريخ والتخييل قد لا يكون ضروريا أن نجادل حول واقعية الرواية. وكان الروائي ميلان كونديرا قد شبَّه سلوكه إزاء التاريخ بسلوك المخرج المسرحي الذي يتدبر أمر مشهد تجريدي بعدد من الأشياء التي لا غنى عنها للحدث، «فن الرواية».
وحدّد فريد سباير في كتابه «التاريخ الكبير ومستقبل البشرية» أمرين يسهمان في تقديم إعادة بناء تاريخية مقنعة إلى حد معقول هما: 1 ـ كشف حقيقة ما حدث في البيانات منذ نشأتها بما في ذلك اكتشافها بواسطة البشر. 2 ـ كشف حقيقة ما تخبرنا به هذه البيانات حول الماضي، وتساءل في ملحق كتابه أعلاه: هل من الممكن العثور على مرايا بعيدة في السماء قد تعكس الضوء المنبعث منذ زمن طويل مضى، لو أن هذه المرايا موجودة قد تتيح لنا من حيث المبدأ رؤية لماضينا الخاص؟
ولا يتوقف التعاطي مع التخييل في رواية التاريخ عند حدود معالجة وقائع ماضية وشخصيات غابرة، واستحضارها ومدها بالحياة وحسب، وإنما يقتضي أيضا براعة فكرية في أدمجة التخييل بالفلسفة، كي يطبخا على نار هادئة، كما يقول جاك لوغوف، ومن دون خوف ولا تردد. والبغية صناعة تاريخ جديد هو تاريخ الهامشيين والمعوزين والمغلوبين والمهزومين والمستضعفين والمنفيين والمحرومين والمجذومين والمجانين والصعاليك والمنبوذين، الذي سيزيحون أصنامهم، ثائرين على سلطاتهم ناقمين من جبروتهم الذي أذاقهم صنوف البلايا والرزايا والمحن والتشرد وظلف العيش والحرمان والكبت.
وثورة الهامش وانقلابه على المركز لا يوثقها التاريخ الرسمي الذي لا يُكتب إلا تحت عباءة السلطة/المركز، وإنما يكتبها تاريخ محكي يبزغ لنا سرديا من تراكمات الذاكرة الحية المودعة في اللاوعي الجمعي، وفي إطار علاقة جدلية لا تعرف حدودا لما هو متخيل وواقعي، كما لا تقر بزمن ولى وحاضر أتى ومقبل مجهول، لأن الازمان تتداخل في ما بينها، ومن ثم يتناسل محكي التاريخ الذي أبطاله هامشيون في أشكال مختلفة، فهناك تاريخ الجسد وتاريخ الأمراض وتاريخ الأزمات وتاريخ السلوك الجنسي وتاريخ الجنون وغيرها، ولكل تاريخ من هذه التواريخ تحولاته الخاصة.
ويرى جان كلود شميت أن للهامشيين في نظر المجتمع المهيمن صورة سلبية، فهم ممن ليس لهم مقر دائم اذ يوجدون في كل مكان وهم ممن ليس لهم اعتراف، وإن فحصا بسيطا لمجال الهامشية يكشف عن وجود نسيج مواز من العلاقات التي يصعب على الآخرين اقتحامها.

ميدات التخييل

وهذا النسيج الموازي هو الذي يضمن للهامشيين أن يكونوا أداة حية للثورة والتكفير عن ذنوب الآخرين، ومثلما أن التاريخ المتخيل هو إرهاب للمـــــؤرخ، فكذلك يكون تاريخ الهامش إرهابا لتاريخ النخبة. وهذا ما تحرص رواية التاريخ على تمثيــــله جاعلــــة من الثابت الهامشي متغيــــرا تاريخيا ينتصر لأولئك الذين تعرضوا للظلم الاجتماعي وكابدوا ويلات الاستبداد حتى مورست بحقهم شتى صنوف الرضوخ والاستعباد.
وفي رواية التاريخ وبسبب إغراءات الفلسفة واتساع مديات التخييل، فألا وجود لحقيقة مطلقة يمكن إثبات صحتها، والسبب أن التاريخ خرج من الدهليز إلى ما فوق السطوح، على حد وصف ميشيل فوفيل، الذي دعا إلى دراسة البنى الاجتماعية سطحا وقاعا. والهدف عنده ليس الحركة الاجتماعية، وإنما القيمة الاجتماعية انطلاقا من كون التاريخ الحق هو تاريخ الشعوب.
هذا التفكيك المقولب لبنية التاريخ الرسمي، هو الذي ينتج التاريخ المحكي الذي لا يوازيه وحسب، بل يهيمن عليه من خلال أبطاله الهامشيين. وهو ما نجده ماثلا في رواية التاريخ «الملك في بيجامته» للروائي العراقي خضير الزيدي، الصادرة عن دار الرافدين في بيروت 2018 التي تستلهم حدثها التاريخي من واقعة اقتحام قصر الرحاب يوم الرابع عشر من يوليو/تموز عام 1958 الذي به انتهى عهد الملكية في العراق وابتدأ عهد الجمهورية.
والحدث التاريخي في الرواية مشكوك في أمره تتعدد روايته، وتتنوع تفاصيله وتتذبذب مصداقيته، وتحوم الظنون حوله، وهذا ما يجعل السارد الذاتي خالد الشيخ يستعين بالمخيلة غربالا ترشح عبره حكاية الحدث، وفق نظرية تاريخية يتبناها، مشيدا عليها معماره السردي.
ولأن النظريات التي تفلسف التاريخ كثيرة، فإن نظرية التمثيل والأداء المسرحي هي التي بها سيستعيد الحدث التاريخي بطريقة التبني والمحاكاة، ولا يخفى أن القسوة ستكون سمة هذا الأداء، ولهذا السبب ورد ذكر أنطونيو أرتو، أكثر من مرة في الرواية، فهل سيتمكن التحبيك السردي من إثبات صحة هذه النظرية، وإن التاريخ يستعيد نفسه؟ إن توظيف التاريخ في خدمة التحبيك السردي هو الذي سيثبت العكس، بمعنى أن الحدث التاريخي لن يستعيد نفسه، وإنما يعاد إنتاجه من خلال التخييل ليغدو التاريخ غير نفسه.

الحدث التاريخي

وتتوزع شخصيات الرواية بين طبقتين، الأولى عليا يمثلها الملك فيصل الثاني وخاله عبد الإله وزوجته، ورئيس حكومته نوري السعيد، والاميرات الثلاث. والثانية الطبقة الدنيا التي يمثلها الهامشيون الذين مكانهم قاع المجتمع، وهم جميل قره تبي والبستاني عباس الزنكي وقدوري أفندي وبائع الشعر بنات ورواد مقهى المعتزلة والسيد المنذري والعوانس والكاتب المغمور. وسيكون لعباس زنكي أو العباسي دور في اتمام مهمة الانقلاب على الملك وإسقاطه، لكن المفارقة أن عباسا يُقبض عليه بتهمة الخيانة العظمى، ويحاكم من السلطة الجديدة بالإعدام شنقا ومعه جميل قره تبي، في إشارة إلى أن الهوامش هم فواعل التاريخ الرسمي وأبطاله الحقيقيون، الذين صادر المركز أحلامهم وغيب فاعليتهم حاكما عليهم بالخيانة، وهذا التحصيل يعبر عنه الكاتب بطريقة ساخرة «كانت مؤخرة الزنكي مكشوفة عندما كان يحلم بالوصول إلى القمة، وعندما تكون مكشوفة فقد يفسد ما يتحقق من الحلم».
ويعمد الروائي في سبيل كتابة تاريخ الهوامش إلى البحث عن المغيب والسري، مما أخفاه التاريخ الرسمي، وهو يوثق لحادثة قصر الرحاب، وهذا التاريخ تاريخ جديد يفضح المركز ويعري نخبويته، منتقما لكرامة الهامش ثائرا على من امتهن إنسانيته.
وتوظف الرواية مختلف التكنيكات السردية من تقارير إخبارية ورسائل وأسلوب عرض مسرحي ومخطوطة روائية عنوانها «الملك في رحابه» كان مؤلفها عماد الأغا، مات بالوباء الذي أصاب بغداد، تاركا الفصل الأخيرغير منجز، في ترميز إيحائي إلى أن النهايات يتممها مؤرخو التاريخ بطريقة سردية دراماتيكية «كل الملوك والرؤساء يقتلون ويسحلون بتخطيط مدروس بعيدا عن المصادفة».
وهذا يتطلب من القارئ دورا إنتاجيا يربط خيوط الأحداث ويوصلها بالشخصيات، كما يستوجب من السارد التفكيك بحثا عن حقيقة الحدث التاريخي، جاعلا إياه حيا نابضا، وهذا ما يقوم بأدائه المحررالأدبي خالد الشيخ، الذي توكل إليه مهمة السرد، فيبدأ من النهاية حيث محاكمة جميل قره تبي بتهمة الخيانة لينطلق بعدها مسترجعا الأحداث بطرائق السرد المعروفة.
وباستعمال الميتاسرد توكل للسارد الذاتي مهمة خارج السردية فيكون هو الذات المؤلفة التي تتغلغل في تضاعيف السرد، كاشفة للقارئ خفايا المسرود.
والطريقة السردية التي بها يصنع الحدث التاريخي تقوم على وجود قصة إطارية هي حدث اقتحام قصر الرحاب، وفيه ثلاث قصص ضمنية، القصة الأولى تنتمي إلى الحاضر، هي عبارة عن عرض مسرحي يتدرب عليه طلبة معهد الفنون الجميلة، محاولين استعادة اللحظة التاريخية لاقتحام قصر الرحاب، وهنا يتعذر عليهم معرفة الحقيقة، في كون الملك قد نزل وقت الاقتحام بكامل قيافته؟ أم نزل ببيجامة النوم؟ وفي هذا ترميز إلى أن التاريخ الرسمي لم يكن أمينا وهو ينقل تفاصيل الحدث ويسجله لحظة بلحظة.
أما القصة المضمنة الثانية فهي تنحو منحى ما بعد سردي يجعل السارد خالد الشيخ يؤدي مهمة ثانية إلى جانب مهمته الأولى كسارد ذاتي، وهذه المهمة الجديدة هي كتابة الفصل الأخير للمخطوطة.
والقصة المضمنة الثالثة هي قصة تدور في إطار الحدث الماضي، بطلها جميل قره تبي الموظف في دائرة البريد التابعة لحكم الملك فيصل الثاني، الذي يعيش بعيدا عن السياسة وحبائلها منتشيا بحياة القاع والملاهي والراقصات، لكنه يسهم ومن دون وعي منه في إتمام عملية الانقلاب، لكنه كعباس زنكي سيحاكم من قبل السلطة الانقلابية نفسها ويتهم بالتجسس، وينتهي أمره بالإعدام شنقا، ولا يشفع له قول الحقيقة، وبإعادة إنتاج التاريخ يكون محكي التاريخ صادما، وهو ما عبر عنه الفصل الذي حمل عنوان مشهد الصعقة، الذي فكك المسكوت في التاريخ وفضح زيف التاريخ الرسمي المزوق، وأقام بدله تاريخ التشويه الذي طال المصلوبين والمحروقين والمعدومين ومقطعي الوصال، حتى صارت لهذا التاريخ رائحة كريهة.
وما موت الروائي المغمور وتركه مخطوطة «الملك في رحابه» شاهدا على التاريخ، إلا تعبير عن حقيقة أن لا منسي في التاريخ، وأن الحقائق ستظهر للعيان مهما أخفيت وتشوهت معالمها. «الملك في بيجامته» ومقصدية مجابهة التاريخ بتاريخ جديد ذي نهاية مفتوحة، توكيد فني على أن السرد هو الذي سيكشف المشوه ويعري المزيف، وكأن مزلق اللحظة التاريخية يصححه السرد المتخيل بمحكي تاريخي، فيه الذاكرة حية غير معطوبة شفوية كانت أم صورية، وفيها اختبأت الحقيقة التي أضمرتها مرويات التاريخ الرسمي ولم تدونها.
وتعكس نهاية الحدث الممسرح بمشهد دراماتيكي، النهاية السوداء للتاريخ الرسمي الناتج عن ضياع الحقيقة، ولذلك يُبقي السارد أمر عباس زنكي مغيبا، فقد شوهد عام 2003 بينما الوثائق تقول إنه مات عام 1971 وتشير نهاية الحدث المفتوحة باستمرارية رقصة الولد الكوني الجنونية والجملة المضارعة التي ختمت الرواية «ما زال الرمي متواصلا حتى هذه اللحظة»، الى أن الحركة التاريخية ستستمر كاشفة بطولة الهامشيين في الانتقام والثأر.
ولعل أنثوية الحركة ورائحتها الكريهة الناجمة عن التشويه والإخفاء تجعل الاحتمال بأن تكون الشخصية المتخفية باسم (ذو الرائحة الكريهة) امرأة ممكنا، فهي أولى الهوامش التي صادر التاريخ الرسمي فاعليتها، ناهيك عن ربط السارد قدرته السردية بحاسة الشم للأجساد الأنثوية وهو ما أعاد الكاتب إثباته نصيا في الغلاف الخلفي كتوكيد على فاعلية المؤنث في رواية التاريخ.

خضير فليح الزيدي: «الملك في بيجامته» دار الرافدين للطباعة والنشر، بغداد 2018، 279 صفحة.

٭ كاتبة وأكاديمية عراقية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*