المفجوعون على القدس أين صواريخهم؟

        غسان حجّار
        النهار15052018

تعني مدينة القدس الكثير لنا. فهي مهد المسيحية وفيها كنيسة القيامة التي شهدت الحدث الابرز في تاريخ المسيحية، اذ يقول بولس الرسول “لو لم يقم المسيح لكان ايماننا باطلا”.

وتعني المدينة المقدسة ايضا المسلمين، تلك التي أسرى اليها النبي العربي منتقلا من المسجد الحرام في مكّة إلى المسجد الأقصى في مدينة القدس، والذي ينتصب شاهدا على الاسلام.

وهي تعني اليهود ايضا بتاريخ هيكل سليمان الذي هدم وردم، ولا تزال الحفريات جارية لتحديد مكانه الاصلي، وان رغب الاسرائيليون دوما في الادعاء ان المسجد الاقصى قام على انقاضه.

لهذه الاسباب وغيرها تحولت القدس قبلة الانظار وقبلة لحج المؤمنين من كل الديانات، ومركزا سياحيا لغيرهم، ومعلما تاريخيا اثريا للبحث والدراسة.

لكن الذي يجري حاليا من تغيير لهويتها ليس جديدا، بل هو حدث متوقع الا من الذين صموا آذانهم طويلا عن سماع ما يحكى، وغضوا نظرهم عن تبديلات كثيرة وكبيرة حصلت مع الزمن. وقد عملت اسرائيل على مدى سنين طويلة لحرف الانظار والاهتمام عن القيمة الدينية للقدس، والتركيز على التاريخ والآثار. ويروي احد مسؤولي الكنائس كيف ان الادلاء السياحيين الاسرائيليين كانوا يركزون في احياء المدينة القديمة على محال شراء التذكارات وعلى الاستراحات للاكل وعلى الحمّامات العامة بدل الاشارة الى اماكن ترتبط باحداث وردت في الانجيل. كما يجهد هؤلاء ايضا عند الكلام عن الرموز الدينية، للتركيز على آيات وردت في العهد القديم، وتحديدا في التوراة، لتثبيت دعائم الفكر اليهودي.

ثم ان اسرائيل عملت منذ اعوام، مع بطريرك القدس للروم الارثوذكس، وهو يوناني لا علاقة له ولا ارتباط بأهل الارض، على شراء عقارات البطريركية او نيلها بالاستثمار الطويل لنحو 99 سنة لانشاء فنادق ومحال واماكن للسهر في جوار الامكنة المقدسة للاقلال من شأنها.

اليوم يخرج الرئيس الاميركي الى العلن ليؤكد انتماء القدس الى اسرائيل ويسقط حق الفلسطينيين في مدينتهم. والواقع انه يثبت واقعا قائما. فالقدس لم تعد عاصمة فلسطين منذ زمن بعيد، وفلسطين الدولة والكيان ليست موجودة فعليا. السلطة الفلسطينية جنين لم يكتمل. وربما لن يكون قابلا للعيش. واذا كان بعض “المقاومين” يراهنون على الوقت، مهما طال، لتحرير القدس واعادتها الى اهلها، والى محيطها، فان اسرائيل ايضا راهنت على الوقت، لاضعاف الالتزام بالقضية الفلسطينية، وإلهاء العرب في صراعاتهم الداخلية، والحروب في ما بينهم. وقد نجحت.

وتحولت فلسطين مادة للبكاء والنحيب، او لاستشارة العواطف، لكن ايا من اولئك الذين يتبارون في استخدام فلسطين مادة خطابية لم يطلق صاروخا على اسرائيل. الحروب السورية قائمة على قدم وساق، والنظام يقتل معارضيه، والانتحاريون يقتلون مواطنيهم، الصواريخ الايرانية تستهدف السعودية، والارهابيون في مصر يقتلون شرطيين وسياحا ويفجرون كنائس، الحروب العبثية في اليمن تقتل الابرياء، تركيا تزايد في حب فلسطين، والجامعة العربية لا حول لها ولا قوة. مع كل هذا يتفجع المسلمون والعرب على القدس فيما هم يتفرجون او حتى يتسابقون على كسب ودّ الاسرائيليين ولو بالواسطة.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb

Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*