المصير المجهول لرحلة الطيران المدني في لبنان

الدكتورة نادين عيتاني – خبيرة في الطيران المدني والتخطيط
المصدر: “النهار”17092018


الطيران المدني.

رحلة ملف الطيران في لبنان محفوفة بالأخطار، ليس فقط بسبب العطل الذي طرأ أخيراً على أنظمة التوجيه والاتصال في مطار بيروت، وأدى إلى حجز آلاف المسافرين وإلغاء العديد من الرحلات، وتأخير العديد الآخر منها، بل لأنّ قطاع الطيران المدني في لبنان، وتحديداً في شقّيه التنظيمي والتشغيلي، مقلق فعلاً، نظراً إلى المصالح السياسية الهائلة التي تتحكم في مفاصله، ونظراً إلى تأخير تطبيق القوانين المنظمة لإدارة القطاع وعدم الاحتكام إلى معايير الإدارة الرشيدة.

القانون 481/2002 ادارة قطاع الطيران المدني

أقرّ مجلس النواب تاريخ 12/2/2002 القانون 481 الذي يُنشئ مؤسسة عامة تدعى “الهيئة العامة للطيران المدني” تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الاداري والمالي وتخضع لرقابة ديوان المحاسبة. تهدف الهيئة إلى النهوض بقطاع الطيران المدني، إذ تمتلك مهام التنظيم والرقابة والاشراف على ادارة جميع القطاعات المتعلقة بالطيران المدني واستثمارها، بما في ذلك خدمات النقل الجوي والملاحة الجوية وسلامة الطيران المدني والمطارات المدنية على اسس فنية واقتصادية سليمة. للهيئة مجلس ادارة تقريري مؤلف من خمسة اعضاء (بمن فيهم الرئيس) يُعيَّنون بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الاشغال العامة والنقل.

منذ العام 2002 تحوّل ملفّ تعيين مجلس إدارة الهيئة الى ملفّ خلافي، وخصوصاً أن التعيينات تتطلب توازناً طائفياً. فمركز رئيس مجلس الإدارة والأعضاء الأربعة ومفوض الحكومة هي مناصب ستتوزع على 6 مذاهب: السنة والشيعة والدروز والموارنة والروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس. كما ربطت الحكومات المتعاقبة تعيين مجلس إدارة الهيئة بالتعيينات في قطاعات أخرى كالاتصالات والكهرباء والقضاء كي يتم الاتفاق على الحصص في سلّة واحدة. على رغم ان بعض التعيينات تمت في القطاعات االمذكورة، إلا ان الخلاف على تعيين الرئيس والأعضاء في مجلس ادارة هيئة الطيران، تفاقم عبر السنوات الـ 16 الاخيرة وبقي قانون 481 ملازماً الأدراج.

نفاذ القوانين وارتباطها بسلامة الطيران وأمن المطارات

في أيار 2014 اشتعل السجال بين وزير الأشغال العامة آنذاك، والبعثة الأوروبية في لبنان، بعد “تشكيك الوزير” في دوافع البعثة التي طلبت الإسراع في تطبيق القانون 481/2002 وتصريحاته بأن القانون المذكور غير مرتبط بمعايير سلامة الطيران في لبنان. رفضت البعثة الاوروبية كلام الوزير وردّت بوجوب تقديم السلطات اللبنانية ضمانات في شأن آليات الإشراف على سلامة الطيران في لبنان تحت طائلة فرض حظر كامل على عمل شركات الطيران اللبنانية ضمن المجال الجوي للاتحاد الأوروبي، بحجة عدم الامتثال للأنظمة الدولية لسلامة الطيران.

تنص المادة 6 من القانون 481 التي تحدد نطاق عمل الهيئة العامة للطيران، على انه من صلب مهام الهيئة المزمع انشاؤها تطبيق القوانين واعداد مشاريع قوانين جديدة واصدار الانظمة المتعلقة “بسلامة الطيران المدني” ومراقبة تنفيذها. كما ان الهيئة تتولى اقتراح السياسة العامة “لأمن الطيران المدني”، ومهمتها اتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ البرنامج الوطني لأمن الطيران، بالتنسيق مع الجهات المختصة، وفقا لما تنص عليه الاتفاقات والمعاهدات الدولية. علماً ان هناك اربعة اجهزة امنية مختلفة في المطار، بالاضافة إلى وحدة الجمارك، وكل منها مرتبطة إدارياً بوزارات متعددة، مما يجعل العمل والتنسيق في ما بينها معقداً ورتيباً، في غياب برنامج وطني لأمن الطيران، الذي يشمل ادارة الامن وتجهيزاته والتدقيق والتدريب الامني والتفتيش والتحقيق.

أي أن تداعيات عدم تطبيق قانون 481، لا تنحصر في سلامة الطيران فحسب، بل تتخطاها لتطاول أيضاً أمن الطيران والمطارات.

تسويق الشراكة بين القطاعين العام والخاص كمنقذ لمطار بيروت

في ايلول 2017 صادق مجلس النواب على اقتراح القانون 48/2017 الذي يرمي إلى تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتشمل عقود الشراكة تنفيذ مشاريع مختلفة من ضمنها المطارات. بموجب مواد قانون الشراكة، إنتقلت إلى القطاع الخاص العديد من الوظائف التي تقوم بها الدولة بدءاً بالتمويل والادارة مروراً بالتصميم والتشييد والتطوير والتجهيز والصيانة والتشغيل.

في غياب الهيئة الناظمة للطيران، تفقد الدولة القدرة على الاشراف والرقابة على المستثمرين في المطارات خصوصاً وفي قطاع النقل الجوي عموماً. اذ ان هيئة الطيران المدني هي الجهاز الرسمي المسؤول عن اصدار تراخيص التشغيل وتصديق اسعار الخدمات والتعرفات وفرض الغرامات وتعليق التراخيص أو سحبها عند مخالفة المشغّل لشروط العقد. فعند وقوع مشاكل وأعطال تشغيلية وتدهور للخدمات، يصبح تحديد المسؤولية وتعقّبها بين اطراف الشراكة، عملية شبه مستحيلة. وخصوصاً لأن شركات المشاريع، بحسب المادة 9 من قانون الشراكة، معفاة من موجب تعيين مفوض حكومي للمراقبة، كما انها لا تخضع لرقابة ديوان المحاسبة. مما يتيح أمام الشركات والمستثمرين التفلّت من أيّ رقابة مسبقة ولاحقة على إدارة المطارات والمرافق والأموال العامة المتعلقة بها، وتشغيلها.

كون الجهة الرقابية التنظيمية والاقتصادية غائبة، وكون هامش ربحيّة القطاع الخاصّ أكبر من هامش ربحيّة الدولة، ترتفع الاسعار ويتدهور مستوى الخدمات، ويكون بذلك المواطن هو المتضرر الأكبر.

يزيد الامور تعقيدًا، أن الاتفاقات التي تعقد مع الصناديق الدولية لتمويل مشاريع تطوير المطارات وتأهيلها، تشترط بصورة أساسية إيجاد بنية مستقلة للمطارات تتمتع بقواعد العمل التجاري وعناصره ومستلزماته. كما تشترط وجود جهاز يتمتع بالاستقلال المالي والإداري لتجهيز واستثمار مطار بيروت الدولي. هذا الاطار المؤسساتي غير موجود حالياً لأنه من مهمات الحكومة خلال مهلة سنة من تاريخ وضع هذا قانون 481 موضع التنفيذ، تأسيس شركة مساهمة تسمّى “مؤسسة مطار بيروت الدولي” تخضع لأحكام الشركة المغفلة في قانون التجارة. عدم وجود هذه الهيكلية يضعف قدرة لبنان على جذب استثمارات صناديق التمويل الدولية.

على سبيل الخاتمة

لقد اهملت الحكومات المتعاقبة نفاذ القوانين المتعلقة بالتنظيم والرقابة على قطاع الطيران. ولم ينجح وزراء النقل على إختلاف انتماءاتهم السياسية، في ترفيع المصلحة العامة على حساب المصالح الفئوية، وعجز النواب المتوالون، رؤساء لجنة الاشغال العامة والنقل النيابية عن النهوض بالقطاع، وفقدوا القدرة على الامتثال إلى قوة التشريع وإلى رسم سياسات تنموية تتكامل مع رؤية لبنان الاقتصادية والسياحية وتزيد قدرته التنافسية على صعيد النقل الجوي محليا واقليمياً. عدم إنفاذ قانون 481 لانشاء هيئة طيران مستقلة، يُخسّر لبنان تصنيفه دولياً من حيث التنظيم الحديث لقطاع الطيران المدني الذي يستوجب الفصل بين شؤون التنظيم والإشراف والرقابة من جهة، وشؤون الاستثمار والتشغيل من جهة ثانية. في إنتظار الاتفاق السياسي حول تعيينات الهيئة الناظمة للقطاع، سيبقى مصير رحلة الطيران المدني في لبنان مجهولاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*