المصلحة العامة غائبة عن اهتمام السياسيين


مروان اسكندر
 23 آذار 2018 

نعيش فترة من التصريحات عن انجازات نفتش عنها ولا نجدها، والوضع اللبناني الذي أصبح حرجًا بسبب تباطؤ النمو وحاجات تأمين الحد الادنى من المياه، والكهرباء، والتعليم، والخدمات الصحية للبنانيين وللمهجرين السوريين الذين تتآكل حاجاتهم الملحة نسبة 2,7 في المئة من الدخل القومي، أي أكثر من معدل النمو المفترض أي نحو 2 في المئة – وهذا معدل ربما اقل من تزايد عدد السكان وبالتأكيد أقل من كفاية المهجرين أبسط حاجات البشر.

لماذا نحن مقصرون تجاه حاجات بلدنا، واين هي مظاهر التخلف عن كفاية حاجات المواطنين من جهة، واختصار النفقات العامة، ومعاصرة التطورات الدولية من جهة أخرى؟

يجب ان نبدأ بتفحص دور القطاع العام في مختلف تشعباته لكي ندرك مدى الهدر المقونن الذي نرزح تحت اعبائه، ولا ننظر بالفعل الى المآزق التي حفرناها بأيدينا، وسياساتنا لمجموع المواطنين.

نبدأ بعلة العلل: حجم القوى العاملة في لبنان أي اللبنانيين ما بين سن الـ18 والـ55 يساوي 1,3 مليون لبناني ولبنانية، أي نسبة 32 في المئة من مجموع اللبنانيين المقيمين في لبنان والمقدر عددهم بأربعة ملايين. وثمة نسبة مماثلة من اللبنانيين ممن تقل اعمارهم عن الـ18 سنة والمفترض ان نجدهم في المدارس الابتدائية والثانوية والجامعات، فيبقى نحو 36 في المئة من اللبنانيين يتوزعون ما بين البطالة، بنسبة 10 في المئة (حسب دراسة أجراها مركز ابحاث “حزب الله”) والمنتسبين الى العمل، سواء في مؤسسات كموظفين، أو في القطاع العام، أو اصحاب الاعمال الحرة.

ولعل لبنان البلد الوحيد في فئة البلدان المرشحة للنمو والتي تعاني تدني معدل النمو الذي يبلغ عدد موظفي القطاع العام، الموظفين المثبتين والمياومين والمتعاقدين، 330 الفاً، أي ما يساوي بالفعل نسبة 25.46 في المئة من مجموع الايدي العاملة، وهذه نسبة لا نجد لها مثيلاً في البلدان الصناعية أو البلدان النامية التي تحقق معدلات نمو تسمح باستيعاب مواطنيها في وظائف ونشاطات مجدية. يضاف الى ذلك ان عديد الجيش وقوى الامن يتجاوز الـ120 الفًا، اي نحو 10 في المئة من المواطنين، وهذه نسبة تفوق ثلاثة الى أربعة اضعاف النسبة التي نجدها لدى البلدان المتقدمة. فعلى سبيل المثال، فرنسا التي يبلغ عدد سكانها 55-56 مليون نسمة لا يزيد عدد قوى الجيش والامن العام لديها عن 500 الف، في حين ان القوى العاملة تتجاوز الـ35 مليون نسمة، وعليه توازي نسبة القوى العسكرية والامنية في حدها الاقصى أقل من واحد في المئة من عدد السكان ونحو 1.4 في المئة من عدد القوى العاملة.

اضافة الى ثقل اعداد الموظفين الامنيين والعسكريين وغيرهم على الاقتصاد، اصبح القطاع العام بموظفيه ومياوميه والمتعاقدين والمؤسسات التابعة سواء مجالس المناطق، عمال السكك الحديد (غير العاملة) والتعاونيات لمختلف الاجهزة، والشركات التابعة لمؤسسات تسيطر عليها مؤسسات الدولة مثل شركة انترا، وكازينو لبنان، وطيران الشرق الاوسط، ومصلحة كهرباء لبنان، والجامعة اللبنانية، والمجالس المختلفة التي منها ما نعجز عن تفهم دورها، مثل مجلس المرئي والمسموع الخ، تشكل نسبة من الدخل القومي تتجاوز ال50 في المئة من كامل النشاط الاقتصادي.

لقد بات معلوماً، في عصر التكنولوجيا الحديثة، أي عصر المعلوماتية، أن انظمة المعلوماتية العامة اصبحت افضل وسيلة لضبط النفقات العامة، وكبح الصفقات، وتجاوز القوانين في العقود التي منها خصوصاً ما يتعلق بالخدمات العامة، مثل توليد الكهرباء، والمياه، وضمانات الصحة للمسنين، وتأمين خدمات التنظيف، والعناية بالبيئة الخ.

أواسط الستينات ارسل رئيس سنغافورة، الرجل الذي حوّل بلده خلال ثلاثة عقود من بلد فقير بالكاد معروف على الخريطة العالمية الى بلد يعتبر ثالث اهم بلد في العالم في مجالات النشاط المالي والمصرفي، واصبح معدل دخل الفرد في سنغافورة خمسة أضعاف ما هو في لبنان.

رئيس سنغافورة الذي دفع بلده الى مراتب الدول الكبرى على صعيد الخدمات، والعلوم، والنظافة، والانتظام، أرسل  “لي كوايت لو”، ايا بعثة الى لبنان قبل اواخر الستينات لدراسة المنهج اللبناني في تنشيط الاقتصاد، وكان هذا الرجل قد انجز دراسته الجامعية في جامعة كايمبريدج البريطانية المعروفة بتميزها، وهناك قرأ كتاب “النبي” لجبران خليل جبران، وكتاباً وضعه ميشال شيحا عن فوائد الاقتصاد الحر. وقد اصبح هذا الرجل القيادي معجبًا بلبنان وسياسته واراد ان يرسل فريقًا من اجل أن يتعلّم من اللبنانيين فنون الحكم.

لحسن حظ الزعيم السنغافوري أنه لم يتوقف عند دروس نجاح لبنان، بل هو عاصر التطورات الاقتصادية والمالية الدولية وركز على فوائد اعتماد المعلوماتية الشاملة في شؤون الحياة، الاجتماعية والثقافية والخدماتية، وأصبح بلده من أرقى البلدان في استخدام برامج المعلوماتية وانتاج الاجهزة الالكترونية الحديثة.

نشكو في لبنان من تردي الهيكلية الادارية لمختلف الوزارات، ونرى تكدس المعاملات الورقية سواء في صندوق الضمان الاجتماعي، أو وزارة الشؤون الاجتماعية، أو وزارة الاشغال العامة، وفي وزارة الصحة التي حظيت بوزير على مستوى المسؤولية عاصر العقد المعلوماتي في عمله في شركة الاتصالات السعودية وحافظ على السعي الى مجاراة التطورات العالمية.

وفضلاً عما نشكو منه على صعيد المعاملات الحكومية في مختلف المجالات، هنالك أصوات متعددة ومتنوعة، منها أصوات تبالغ في الشكوى من الاجراءات الحكومية، ومنها اصوات تتذمر من العمولات التي يطلبها مواطنون كبار أو وزراء من اجل انجاز ارتباطات هي من صلب مسؤولياتهم.

اننا نرى ان الاتهامات العمومية تهدد الانتظام العام ولا تؤدي الى منفعة فعلية، الامر الذي يشجع المستقيمين على الاستمرار في غيابهم. وها هو مثل يصفع القطاع العام اتضح في مؤتمر روما الذي كان القصد منه تأمين مساعدة وافرة للجيش اللبناني وقوى الامن.

ماذا توافر؟ 400 مليون أورو من فرنسا، وقبلها 15 مليون جنيه من بريطانيا، و50 مليون أورو من السوق الاوروبية. كانت الآمال معقودة على أكثر من ذلك، واذا نظرنا الى شروط توفير المعونة ندرك أسباب تردد المانحين في توفير معونات أكبر.

المعونة الاوفر من فرنسا تأمنت على شكل فتح اعتمادات لتأمين مشتريات أسلحة للجيش وقوى الامن من هذا البلد، واعتماد وسيلة فتح الاعتمادات تفيد ان النفقة ومستواها والغرض منها، يقررها الطرف الفرنسي، وان المدفوعات تؤمن من وزارة المال الفرنسية للشركات المنتجة للاسلحة المطلوبة وبالتالي ينحصر دور اللبنانيين بتحديد نوعية الاسلحة وكمياتها المطلوبة شرط ان تكون ضمن المبلغ المحدد. ولن يكون لاي لبناني فرد منفعة من انجاز هذه العقود لان عمليات الشراء والدفع تتم بين الافرقاء الفرنسيين.

اعتماد وسيلة تحديد المشتريات وتسديد اثمانها على هذا الشكل يعبر عن تبرم المانحين بمطالب من يدعون تسهيل انجاز العقود من اللبنانيين، ولا شك في ان وزير الدفاع اللبناني يحوز سمعة طيبة تلازمه منذ ان كان محافظًا لمدينة بيروت، ولا يمكن في أي ظرف تناول اخلاقه بالقيل والقال، وهذا الامر يسري على قائد الجيش اللبناني والمجلس العسكري، وبالتالي تحفظ الفرنسيين عن وسيلة الدفع يعود الى سمعة اكتسبناها في مجالات العقود المتعلقة بالمشتريات الرئيسية. وهذه السمعة ستعيق توافر الاستثمارات في مؤتمر باريس المرتقب، خصوصاً ان الاصلاحات التي تؤكد الحكومة انجازها لم تتجاوز اختصار نفقات الموازنة بنسبة خمسة في المئة لا تكفي لاقناع الاطراف الراغبين في المساعدة للبنان بالإقدام على التزام مبالغ ضخمة أو توفير معدات ترسملية ذات تأثير على تطوير خدمات البنية التحتية والحفاظ على البيئة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*