المصارف عند عون اليوم: لماذا الاصرار على معاقبتنا؟

سلوى بعلبكي
30072017
النهار

هل تذهب جمعية المصارف الى حدّ الطعن بالاجراءات الضريبية التي تطاول القطاع المصرفي؟. الجواب عن هذا السؤال رهن حصيلة المشاورات واللقاءات التي قررت أن تجريها مع المسؤولين والمعنيين التي تستهلها صباح الإثنين مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لشرح المخاطر التي ستصيب القطاع، في حال أقر مشروع القانون الوارد في المرسوم الرقم 10415 المتعلّق بتمويل سلسلة الرتب والرواتب وخصوصاً حيال الازدواج الضريبي.

وفي الموازاة، بدأت المهن الحرة تحركها فاعتكف القضاة قيل أكثر من 10 أيام، وانضم اليهم المحامون بدءاً من يوم الجمعة الماضي، ويبدو أنهم لن يتراجعوا عن اعتكافهم قبل الوصول الى التراجع عن الضرر اللاحق بهم في ما يتعلق بالازدواج الضريبي، وفق ما قال نقيب المحامين أنطونيو الهاشم لـ “النهار”.

يتفق بعض الخبراء على أن إقرار سلسلة الرتب والرواتب قبل إقرار الموازنة ومعرفة حجم الإيرادات والنفقات خطأ فادح ينمّ عن الإستمرار في التخبّط المالي بدون تخطيط ودراية، ما يحرم الحكومة والسلطات المعنيّة من القدرة على التحسّب لمسار الأمور والتحكّم به، خصوصاً وأن نقاشات اللجان النيابية والهيئة العامة لمجلس النواب أظهرت، في ما يخصّ إجمالي عدد العاملين في القطاع العام وكلفة السلسلة، أن الرقم لا يزال وجهة نظر ومجرّد تقديرات بدلاً من أن يكون معطى حقيقياً وواقعياً يمكن الركون اليه والبناء على أساسه.

وقد أجمع هؤلاء على أن تمويل السلسلة كان ممكناً من خلال خطة اقتصادية إصلاحية تهدف الى تعزيز جباية الضرائب والرسوم، والحدّ من التهرّب الضريبي، وإيقاف الهدر المستشري في الانفاق العام، ومكافحة الرشوة والفساد في الصفقات العامة، ومعالجة فائض الموظفين في بعض الإدارات، وإعادة النظر في بنية الوظيفة العامة ودورها وحجمها وأدائها بدلاً من استسهال تحميل مختلف الفئات الشعبية أعباء ضريبية جديدة وإضافية من شأنها أن تلغي مفاعيل التقدمات المالية للسلسلة.

فمشروع القانون الوارد في المرسوم الرقم 10415 المتعلّق بتمويل سلسلة الرتب والرواتب ألحق ضرراً جسيماً ومساساً كبيراً بمصالح وحقوق فئات عدة من المواطنين، كالقضاة وأصحاب المهن الحرة والهيئات الإقتصادية والمؤسسات المصرفية، وهو ينطوي على مخالفات واضحة وفاضحة لأحكام الدستور. وأخطر ما نص عليه هذا القانون، هو ما جاء في المادة 17 منه لجهة فرض ازدواجية التكليف الضريبي. وفي هذا الصدد، يمكن التوقف عند عدد من المفارقات والمخالفات، منها إن الحكومة التي تسعى الى توقيع اتفاقات منع الإزدواج الضريبي مع دول أخرى، تقوم هي نفسها بفرض ازدواجية التكليف الضريبي على فئات واسعة من المواطنين، وهذا يخالف مبدأ المساواة أمام الضريبة المنصوص عنه في الدستور اللبناني. كما ان مشروع القانون، بفرضه على أصحاب المهن الحرة (كالأطباء والمحامين والمهندسين…) تكليفاً ضريبياً مزدوجاً على دخلهم المهني من جهة، وعلى حساباتهم المصرفية التي أجبرهم المشروع بالتصريح عنها من جهة ثانية، إنما ينطوي على حرمان فئة كبيرة من المواطنين من حق التمتّع بالسريّة المصرفية التي يحميها القانون ويكفلها لجميع اللبنانيّين، بلا استنساب أو تمييز. وهذا ما أكده الهاشم الذي شرح لـ “النهار” أن المادة 17 من القانون المتعلق بالسلسلة أصاب مباشرة المهن الحرة اذ ألزمت اصحاب المهن الخاضعين لنظام الربح المقطوع تضمين تصاريحهم المهنية الأرباح المتأتية من الايرادات المالية المقتطعة ضريبتها أساساً من المصرف ومن ثم تطبيق الضريبة المضافة التصاعدية عليها. هذا التدبير وفق ما يقول يرتب ازدواجية تحصيل ضريبي لا بل ثلاثية التحصيل الضريبي، وهو ما يخالف مبدأ المساواة والضريبة منصوص عنها في الدستور. فالأموال المودعة في المصرف من خلال حساب التوفير مثلاً والتي تنتج منها اموال ايرادات الفائدة التي كانت الدولة تقتطع منها 5% واصبحت بموجب القانون 7%.

المصارف مستاءة

مع أن القطاع المصرفي اللبناني هو أكثر القطاعات شفافية حيال التصريح عن بياناته المالية وأرباحه وتسجيل موظفيه في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتسديد المتوجبات المالية عنهم لصالح الصندوق، ومع أن الضرائب التي فُرضت على أرباح المصارف من عمليات الهندسة المالية التي تمّت خلال العام الماضي تغطّي وحدها ثلثي تكاليف سلسلة الرتب والرواتب، وفق ما تؤكد مصادر مصرفية، فإن مشروع القانون وفق جمعية مصارف لبنان ينطوي على ما يشبه الإصرار على معاقبة هذا القطاع الرائد والطليعي في خدمة الاقتصاد الوطني بشقَّيه العام والخاص. فلم يكتف بزيادة الضريبة على فوائد المودعين من 5 الى 7% في الوقت الذي تتباطأ وتيرة التدفقات المالية الوافدة من الخارج، ولا سيما من الانتشار اللبناني العامل في الخليج، وبزيادة الضريبة على أرباح المصارف من 15 الى 17%، وهما تدبيران لم تعترض عليهما المصارف لتفهّمها ضرورات إقرار السلسلة وحرصها على المساهمة في تحمّل بعض تكاليفها، بل ذهب مشروع القانون بعيداً في تكبيد المصارف ضرائب يمكن أن تصل في بعض الحالات الى نسب عالية جداً من مداخيل المؤسسات المصرفية.

وثمّة تقديرات بأن الإزدواج الضريبي قد يتسبّب بخسارة 300 مليون دولار من أصل نحو 2 ملياري دولار تشكّل إجمالي الرباح السنوية لقطاع المصرفي. كما أن من شأن إزدواجية التكليف الضريبي وفق المصادر عينها، أن تضعف العائد على الأموال الخاصة في القطاع المصرفي، والذي لا يتعدّى 11-12% في لبنان، أي أنه أصلاً معدل متدن مقارنة ببلدان أخرى. الى ذلك، فإن إلغاء التحفيز الذي كان قائماً على أنصبة أرباح الأسهم المدرجة في بورصة بيروت برفع الضريبة على هذه الأنصبة من 5 الى 10%، يتعارض مع كل المقولات والطروحات الرسمية الداعية الى تطوير أسواق الرساميل في لبنان وتقوية الرسملة البورصية، وهي من الأهداف الأساسية الكامنة أصلاً وراء إنشاء “هيئة الأسواق المالية”. فمن شأن زيادة هذه الضريبة أن تلجم المساعي المفترضة والمطلوبة لتطوير بورصة بيروت وتفعيل ادائها وتعزيز دورها في تنشيط الاقتصاد الوطني.

فهل الفرصة لا تزال سانحة للرجوع عن الخطأ الذي ارتكب بمشروع القانون الوارد في المرسوم 10415 في حقّ قطاعات واسعة وأساسيّة وحيوية في البنية الإجتماعية – الاقتصادية للدولة؟. هذه الفرصة وفق المصادر تتمثّل “في امتناع رئيس الجمهورية عن توقيع مشروع القانون وردّه الى مجلس النواب لمزيد من الدرس ولتصويب المسار. فلا يجوز أن يتحمّل العهد منذ بداياته وزر التسرّع بل التهوّر الذي شاب إقرار مثل هذا المشروع، الذي سيكون في حال إقراره، محل طعن أو اعتراض لدى المرجعيات الدستورية المختصّة ومولّد أزمات تفوق سلبيّاتها الإيجابيّات التي توخّاها واضعو القانون أو المستفيدون المفترضون منه”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*