اخبار عاجلة

المصارحة واجب لمن يرغب في الإصلاح

 

بات الوضع الاقتصادي يدعو الى العمل الجاد لتحسين فرص النمو واستعادة الثقة بمستقبل البلد وعناصر التشجيع على الاستثمار في لبنان، ولهذا السبب بالذات علينا تفحص العثرات وامكانات اصلاحها بسرعة انما دون تسرع، وان لم نفعل ذلك ستتزايد التكهنات المقلقة، خصوصاً ان التعليق الاقتصادي في لبنان ربما يتيح الاستناد الى تحليلات عدد من الاقتصاديين لا يتجاوز العشرة على أي حال.

اولاً يجب الغاء الانطباع ان مديونية لبنان هي الثالثة قياسًا بالدخل القومي في لبنان، وموقع مديونيتنا حسب المقارنات الدولية يلي اليابان (حيث نسبة الدين العام 240 في المئة من الدخل القومي) واليونان (حيث المديونية تبلغ نسبة 230 في المئة من الدخل القومي). والنسبة لدينا مفترض انها 150 في المئة ونعتبر هذا التقدير خاطئًا لاسباب نعرضها.

لا يشير اللبنانيون الى وضع اليابان لان معدلات الدخل مرتفعة فيها وانتاجها متنوع وقدراتها الاقتصادية في الاستثمار ملحوظة وتمكنها التكنولوجي متقدم، وغالبية دينها لمواطنيها.

في المقابل، اليونان، على رغم توفير 330 مليار أورو من التسهيلات وغالبها من المصرف المركزي الاوروبي، وبعد سنتين من التقشف، توصلت الى تحقيق وفر على الحساب الجاري للموازنة، لكنها لا تزال تحتاج ال خمسين مليار أورو لتيسير أمورها سنة 2019.

تساؤلات اللبنانيين عما اذا كان البلد يسير على خطى اليونان مغلوطة وغير صحيحة. فدين اليونان، وغالبه أجنبي، يساوي حاليًا 400 مليار أورو أو 450 مليار دولار، بينما دين لبنان 83 مليار دولار غالبها يعود الى المصارف، والمستثمرين اللبنانيين. وعدد سكان لبنان مع المهجرين يوازي ستة ملايين لا يزيد عن 60 في المئة من عدد سكان اليونان، ولو كان وضعنا كوضع اليونان، لكان يفترض ان يبلغ حجم الدين العام 240 مليار دولار…فرجاء الابتعاد عن التشبيه باليونان.

ثانيًا، إن حجم الدخل القومي في لبنان، على رغم التفاؤل السائد، أعلى من الرقم المتعارف عليه أي 55 مليار دولار. فهنالك الاقتصاد الذي لا تدخل ارقامه على حساب الدخل القومي والذي يتحقق من طريق عمل مئات آلاف العمال من غير اللبنانيين في الاعمال الشاقة، أو المسلية، أو التهريب والتهرب من الضرائب.

وحسب تقديرات البنك الدولي يساوي الاقتصاد الموازي نسبة 30 في المئة من الدخل القومي وتالياً يزيد الدخل القومي على 72 مليار دولار، ونسبة الدين العام الى الدخل القومي لا تزيد عن 115 في المئة لا 150 في المئة. يضاف الى ذلك ان لدى القطاع العام ودائع مجموعها سبعة مليارات دولار يجب اختصارها من حسابات الدين العام مقابل الدخل القومي.

نسارع الى التشديد على ان انخفاض النسبة ومحاصرة القدرة على المضاربة بالعملات لا يعنيان ان على أعضاء مجلس النواب أن يرتاحوا، بل بالعكس عليهم أن يعالجوا أسباب العجز باقتلاع جذور العجز والتمادي في اغفال مستوجبات ضبط الانفاق وهذا متاح لمن يود بالفعل ان يستعيد لبنان دوره، وان يبعد شبح الخوف من المستقبل عن غالبية أبنائه.

الخطوة الاولى كبح العجز، أي حقيقة تركيز ارقام موازنة، لا يرتفع فيها حجم العجز كما هو في موازنة هذه السنة. وكان أعضاء لجنة المال والموازنة، والتي يرأسها محام ناجح، وربما هو كذلك في شأنه المالي الخاص، لكنه اخفق مع زملائه في احراز أي تقدم على صعيد العجز. ويبدو أن لبنان التزم خفض العجز بما يساوي 250 مليون دولار عن حسابات 2017، وان ارقام هذه السنة ترفع العجز بما لا يقل عن مليار دولار، فكيف لنا ان ندعي ان انجاز الموازنة بحد ذاته يمثل واحداً من انجازين وحيدين يدعيهما العهد ويرى أنهما يوفّران للسلطات الدولية التي شاركت في مؤتمر “سيدر” البرهان على ان لبنان يسير على طريق تحسين الاداء ومكافحة الفساد. والانجاز الثاني الذي نجاهر بتحقيقه هو اجراء الانتخابات النيابية.

لقد قرأنا تقرير لجنة مراقبة سير الانتخابات التي أبدت ملاحظات عديدة وعميقة على سوء سيرها ويكفي ان يكون دمج عملية الصوت التفضيلي بالتمثيل النسبي قد أفرغ التمثيل النسبي من الفوائد المتوخاة، وشهدنا انتخاب نواب بمائتي صوت او ما يقرب من هذا العدد. وتأكيدًا لكون الانتخابات عملية فاشلة، نشير الى ان نسبة المقترعين لم تتجاوز الـ50 في المئة ممن يحق لهم التصويت.

ثالثًا، شاهد اللبنانيون تحول نزاع سياسي بطله سياسي هامشي يحظى بدعم من تسلطوا على الدولة اللبنانية طوال ثلاثة عقود وهو يوزع الاتهامات وينذر بالعواقب من يتجرأ على اتهامه بتعريض الامن القومي للخطر عبر تصريحات معيبة هو اعتذر عنها حينما سربها احدهم تولى تصوير الشخص المعني، يستهين فيها بالاحياء وبالذين اغتيلوا بسبب حبهم للبنان وعملهم لتحصين مستقبله.

هنا لا بد ان نذكر ان من البراهين الساطعة على اهمال أي تحسين اداري، ابقاء مجلس المرئي والمسموع مستمرًا في استنزاف موارد الدولة، فهذا المجلس الذي شكلته السلطة السورية لم يصدر عنه أي تعميم يمنع الاساءة الى سمعة الناس وهم لم يفصحوا عن احتجاج، ولم يطوروا سياسة واضحة للاعلام والحدود المفترض ألا يتجاوزها، والسؤال لماذا هذا المجلس، ولماذا الكثير من المجالس التي لا تعمل، أو هي تعمل دون رقابة ودون تحقيق نتائج ملحوظة.

اذا اردنا فعلاً تجاوز الحالة الراهنة، لا بد من تحقيق الخطوات الآتية:

– تأمين حل جذري لقضية الكهرباء التي هي سبب عدم انضباط شؤون تسييرها واخضاعها لرقابة تقنية ومحاسبية متطورة كانت السبب الرئيسي في ارتفاع حجم الدين العام بنسبة 43 في المئة خلال السنين العشر المنصرمة.

– وزارة الطاقة والمياه لم تنجح في انجاز مشروع تطويري واحد وهنالك توجه نحو ابقاء ادارتها في ايدي من فشلوا في تحسين ادائها، وليكن معلومًا ان الاخفاق في معالجة الكهرباء وعجزها خلال سنة سيكون بمثابه اعلان عجز الادارة العامة عن تحقيق الاصلاح، وأن مساعدات مؤتمر “سيدر” لن تتوافر، ومن الافضل عدم توافرها اذا ضبطنا عجز الكهرباء واستعدنا امدادات المياه المنتظمة وقيدنا الانفاق العام دون حساب. لا يكفي ان نعلم ان خدمات الكهرباء والمياه والسياحة في بنغلادش أفضل مما هي في لبنان، وان اسعار الشقق في بيروت انخفضت بنسبة 25 في المئة لأسباب منها أن خدمات الكهرباء والمياه والسير على مستوى سيئ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*