المشاحنات مع قطر تعود إلى عام 1996

 

عام 1995 استولى على الحكم في قطر ولي العهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي كان وزير الدفاع واطاح والده الذي كان مسافراً، واعطى اسباباً واهية للانقلاب، وكان الشيخ حمد يطمح الى دور أوسع لقطر بعد تفاهمه مع الاميركيين، وبداية مفاوضات مع الاسرائيليين.

انعقد مؤتمر قمة خليجي لدول مجلس التعاون في سلطنة عمان اواخر عام 1995 بعد أشهر من انقلاب الشيخ حمد على والده في قطر صيف ذلك العام.

في خلال القمة الخليجية، حصل خلاف على تسمية الامين العام لمجلس التعاون الخليجي. فقطر رفضت القبول بالسفير جميل الحجيلان السعودي أميناً عاماً لمجلس التعاون على رُغمَ سمعته الطيبة وخبرته الواسعة، وخصوصاً خلال المدة الطويلة التي أمضاها في العمل الديبلوماسي في فرنسا، واصبح في خلالها عميد السلك الديبلوماسي. وكان أمير قطر الجديد، الشيخ حمد بن خليفة، قد طالب بتعيين قطري من آل العطية (اقربائه) في هذا المنصب. وبعد استقرار الرأي على تكليف جميل حجيلان هذه المهمة، هددت قطر بالانسحاب من مجلس التعاون الخليجي وقررت مبدئياً تعليق مشاركتها في أعمال المجلس وموازنته.

الامير الجديد حمد بن خليفة ونصيرُه حمد بن جاسم الذي اصبح رئيس وزرائه وبالتعاون والتفاهم مع الشيخة موزا بنت المسند الزوجة الثانية للأمير المتمتعة بطموح جياش وذكاء فطري قرروا استنباط سياسة ترسخ حكم الامير، وتؤدي في الوقت ذاته الى اعطاء قطر صورة البلد الحضاري الطامح الى لعب دور اقليمي ودوليّ.

البداية كانت في السعي الى ترسيخ العلاقة الاميركية – القطرية، وهم كانوا يسعون الى كبح مطامح السعودية من جهة، والاحتماء من ايران من جهة أخرى نتيجة لتوثيق العلاقات مع الاميركيين سواء منها الامنية أو الاقتصادية والسياسية.

الهدف الاول كان سهلًا. فالاتفاق على قاعدة العديد اُعطي الأميركيين المدماك الاول، ومن ثم سافر حمد بن جاسم الى الولايات المتحدة ليؤكد للأميركيين انهم سيحظون بغالبية عقود تسييل الغاز وتصديره، وقد ارتبطوا بالاقتراض لتنفيذ هذه المشاريع من المصارف الاميركية. وقبل نهاية 1998 كانت شركة “اكسون” قد دمجت شركة “موبيل” بحيث اصبحت الشركة الجديدة أكبر شركة نفطية في العالم. والشركات الاميركية تسيطر على 80 في المئة من انتاج الغاز المسيل في قطر. والاميركيون كانوا في حاجة الى قاعدة العديد، لان وجودهم في السعودية عام 1990 وبداية 1991 بموافقة من الملك فهد نص على التزامهم اخراج أي قوات أميركية من السعودية، وعدم استعمال أي قواعد حربية فيها. فالوجود الاميركي استفز المواطنين السعوديين.

وكان المساعد الاول للشيخ حمد بن جاسم في مفاوضاته مع الاميركيين الدكتور فؤاد عجمي وشقيقه محمد وخصوصاً بالنسبة الى مشاريع الغاز المُسيَّل. والدكتور عجمي، الاستاذ الجامعي في واشنطن، توفي قبل سنتين.

الهدف الثاني المتمثل في اعطاء قطر صورة الدولة المؤثِّرة اقليميًا ودوليًّا دفع الفريق الثلاثي الى اقرار انشاء قناة “الجزيرة” كي تكون الذراع الاعلامية الدوليّة. وقد تبنَّى الفريق الثلاثي خبرة محطَّة الـ”سي إن إن” الاخبارية التي اكتسبت شهرة عالمية من تغطيتها الاخبارية لأخبار حرب الخليج الاولى التي دحرت في خلالها القَّوات الاميركية والبريطانية بمساعدة قوات عربية من سوريا والمغرب ومصر، الجيش العراقي في الكويت، ومن ثم، وخصوصاً القَّوات الاميركية والبريطانية في العراق.

الغاية من انشاء قناة “الجزيرة” كانت بوضوح اكتساب تأييد الفئات الشعبية، ومهاجمة السعودية وبلدان الخليج والتنديد بالمناهج غير الديموقراطية في البلدان المعنية، علماً بان نسق الحكم في قطر لم يكن بالتأكيد يتعرّض لأيِّ انتقادات. فالأمير هو مالك القناة والكفيل بتمويلها وقد نجحت “الجزيرة” في استقطاب المشاهدين على نطاق واسع بحيث اصبحت موازنتها عام 2005-2006 على مستوى 650 مليون دولار اي ما يضاهي شبكات التلفزة العالمية ويزيد. وقطر، على رُغمَ مركزية الحكم فيها، وبتحريض من قيادي اسلامي هو الشيخ يوسف القرضاوي، اعتمدت تنشيط منبر للديموقراطية يعقد في شهر ايار، ويدعى اليه برلمانيون غربيون، وكتاب معروفون!

منذ تاريخ تأسيسها، خصَّصت قناة “الجزيرة” أوقاتًا كبيرة لمُناقشات افترض انها تُعطي صورة عن تردي الواقع، وما هو مطلوب تحقيقه، وبصورة خاصة أفسحت لـ”الاخوان المسلمين” في مجال واسع لاحتلال الشاشة في أوقات المشاهدة لاهالي المنطقة. وكان الامير مطمئنًا الى أنَّ الاميركيين لن يعترضوا على البرامج الاسلامية، لأنَّ علاقاتهم بـ”الاخوان المسلمين” تعود الى اوائل الخمسينات. فوزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك، جون فوستر دالاس، المتعصب دينيًا والمقتنع بان مناهضة الشيوعية الملحدة تستوجب تجييش الرأي العام طائفيًا، رأى في حركة “الاخوان المسلمين” التي انطلقت في مصر قوةً مساندةً لأهداف الولايات المتحدة في وجه الشيوعية.

وقد أفسحت “الجزيرة” في قناتها لمشاركين في المناقشة وتقديم الآراء لخبراء اسرائيليين وصحافيين من اسرائيل أو مناصرين لها، وهذه المنهجية اتفق عليها مع الاميركيين الذين وجدوا لدى قطر الرغبة في ارضائهم. والاسرائيليون افتتحوا في قطر ممثلية تجارية هدفت الى توسيع التعاون التجاري والتعاون في مجال تسييل الغاز وتصديره. لكنَّ هذا المكتب التمثيلي اُغلقَ عام 2008 كتعبير من قطر عن احتجاجها على مهاجمة اسرائيل غزة، كما ان مشروع الغاز مع “انرون” كان قد اخفق، واسرائيل اكتشفت موارد غاز تجعلها غير ذات حاجة الى الغاز القطري وذلك منذ عام 2010. وأعيد فتح الممثلية التجارية لاسرائيل في الدوحة وهي تحتل طبقة كاملة في أحد افخم الفنادق.

امتدادات الـ”قطر فاونديشن”  وطموحاتها كانت اداة اعطاء صورة حضارية عن قطر تضاف الى النشاط الاعلامي لـ”الجزيرة”، توسَّعت لتشمل المتاحف، والفرق الرياضية، والبرامج الاعلامية، وما سميَ برنامج “وايز”  – اي برنامج الحكمة – الذي تمتدُّ خدماته الى عقد مؤتمرات تستقطب علماء جامعيين من مختلف بقاع العالم للتباحث في استحداث البرامج التعليمية ومحاولة نشرها في البلدان النامية.

كلَّ ذلكِ وعلى رُغمَ تعدُّد المدارس ومن ثم الجامعات في قطر، لا تزال مستويات الادراك العلمي في مجالات الرياضيات واللغات متدنية بعد انقضاء سنوات على دفع هذا الزخم. فنتائج الطُّلاب في المدارس الابتدائية والثانوية لا توازي نسبة 28-30 في المئة من التحصيل المتحقَّق في البلدان الصناعية، وفي أحسن حال توازي معدل 40 في المئة من التحصيل المحقَّق في بلد حديث الانطلاق نسبيًا وفقير بموارده، هو الاردن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*