المشاءة، لسمر يزبك: تأريخ تراجيدي لمجزرة الكيمائي في الغوطة

نادر القاسم
25102017
النهار

أول ما يلفت في رواية “المشّاءة” الصادرة للكاتبة السورية سمر يزبك عن “دار الآداب” في بيروت، هو عنوانها، إذ يُعتبر البوابة لأي عمل أدبي وجواز مرور وتصور للرحلة، وما قد تنطوي عليه من عوالم. البطلة مصابة بداء المشي منذ ولادتها، ولا يخفى على إنسان أن هذه الرمزية مرتبطة مباشرة بالحركة والسعي وهي ضد الجمود. فمن غير المعقول، أن يتقدم الإنسان في حياته الخاصة، والمجتمع في حياته العامة، من دون جهد مؤطر بالحركة.

لكن هذه المقاربة تذهب إلى أبعد من ذلك، وهي ترصد الحراك المجتمعي، والثورة التي قام بها السوريون، وفأجاتهم قبل أن تفاجئ غيرهم. البطلة ومنذ لحظة مشيها، تربطها أمها بمعصمها، وبعد موت الأم يأخذ هذه المهمة الأخ سعيد، وبعده صديقه الناشط الإعلامي حسن.

كأن الكاتبة تريد أن تقول لنا إن الثورة ولدت مكبلة، وهي تحاول أن تجد منفذا، كي تستوي حركة التراكم التاريخية التي ولّدتها هذه القيود، ومن أبرزها الاستبداد السياسي، وكل ما شابهه من استبداد ديني وموروثات اجتماعية تعوق اللحظة التاريخية التي بدأت ولن تتوقف. وخير ما يجسد هذه الحالة، البطلة المشّاءة.

يمكن القول كذلك إن هناك علامات فارقة، او مفاتيح تسهّل قراءة هذا العمل الذي قد يكون في طليعة الأعمال الأدبية، من حيث أنه يؤرخ أدبيا لأهم حدث في التاريخ السوري الحديث، ألا وهو مجزرة الكيميائي في الغوطة. سنلاحظ أن الرواية التي تروى على لسان البطلة، تذكّر برواية “الأمير الصغير”، حيث لهذا الأمير كواكبه المختلفة، ولبطلة الراوية كواكبها الموازية. وهناك النبوءة التي يحملها ترتيلها لآيات من القرآن الكريم من سورة يوسف في كل مرة تسبق قصف الطائرات، أو سقوط القذائف على مدن الغوطة المحاصرة. هذا الترتيل بصوتها الجميل، لا يلبث أن يتزامن مع حلول الموت وتطاير الأشلاء، حتى لتبدو مثل الغبار المنثور. حاول أخوها منعها من الترتيل، وحاولت امها قبل ذلك، لكن كان هناك في كل مرة شيء أقوى منها يدفعها إلى الترتيل. اختيار الكاتبة لسورة يوسف قد يكون هو الرابط الفني الخفي بين كواكب الأمير الصغير وكواكب البطلة التي ابدعتها في عالمها، ومن منا لا يعرف الآية الكريمة التي يخاطب فيها يوسف أباه، “إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ” (4) (سورة يوسف).

هناك توظيف فني آخر، لوحة الفنان العالمي شاغال التي تمثل فتاة ممسكة بيد شاب وهما يحلقان في السماء، وبين الحبل المقيدة البطلة به إلى النافذة الحديدية، وهي تنتظر حسن، هذا الكائن الجميل، كونه المعادل الموضوعي، والجمالي للشاب الذي في اللوحة، بما ينطوي عليه ذلك من دلالات فنية عالية.

يمكن أن نقول عن هذه الراوية إنها قصة الوجع والألم السوريين، ومرحلة من مراحل الحدث السوري الأهم في التاريخ السوري المعاصر، وهو الثورة السورية. ذلك كله بلغة رهيفة، مثل شفرة حادة تمر على مقطع من جسد، وبتقنية الجمل القصيرة، التي تشبه نبض قلب عاشق متعب، لكنه في الطرف المقابل محب للحياة، ومتشبث فيها حتى آخر فكرة من روح هائمة لا تغفل عن جمالياتها. هذا الأسلوب، الذي يشبه لطخات ريشة فنان على صدر لوحة، حركات سريعة، وايقاعا لونيا، هو ما وظفته الكاتبة كذلك من خلال رسم البطلة لحكاياتها حيث تعتبر أن الحياة ظل للألوان المختلفة، فللموت لون، وللسماء لون وللحب لون، وللموت بالكيميائي لون، وللاحتضار لون، وللفرح وللوجع لون.

اقرأ أيضاً: “بوّابات أرض العدم” المهمة الأصعب لسمر يزبك أن تكون الكاتبة شاهدة على الفجيعة السورية!

 في الصفحة قبل الأخيرة تقول الكاتبة على لسان بطلتها “حكايتي لم تنته، وحكاية حسن لا تزال في البداية”، في إشارة إلى الثورة السورية، كون الكاميرا كانت في يد حسن الناشط باعتباره ثائراً من ثوار الغوطة، وباعتبار عمله توثيقياً، في حين كان سلاحه في اليد الأخرى.

شاءت المصادفة، أن أكون مسافرا إلى كوبنهاغن في القطار، من مدينة البورغ التي أقيم فيها في الدانمارك، وأن أسمع حوارا إذاعيا على الراديو الدنماركي مع الكاتبة سمر يزبك جمعها مع الأستاذة أستاذة الأدب في جامعة كوبنهاغن، جون ضاحي، التي ترجمت روايتها “المشاءة” إلى اللغة الدانماركية، وذلك لمناسبة صدور النسخة الدانماركية، ومما قالته إن المشي طقس يومي من طقوسها، وهو يساعدها على ترتيب الأشياء والعالم، لكن على طريقتها الإبداعية الخاصة، وهذا سر من أسرار التسمية، وأبعاد هذا الأمر بطبيعة الحال أعمق لكل من يقرأ هذه الراوية.

قد تكون هذه القراءة محطة سريعة، ذلك أن الرواية تستحق قراءات ووقفات متعددة، لأنها منجز إبداعي يمثّل إضافة في الأدب السوري المعاصر إلى ما يحدث ولا يزال يحدث على درب الجلجلة السورية العظيمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*