المسيحيون شركاء فلا تحوّلوهم أقليّة

سركيس نعوم
النهار

1 آذار 2017

التعليقات السياسية والشعبية على إحياء “الأرثوذكسي” الذي هدّد به رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل أخيراً كثيرة. وما نُشر منها في “الموقف هذا النهار” يوم أمس غيض من فيض. والتغاضي عن الباقي سيتسبّب بأضرار كبيرة لدور مسيحيي لبنان بل “لشعوبه” كلّها، ولمشروع الدولة المدنية التي تأخذ في الاعتبار التنوّع الطائفي والمذهبي، وتفتح في الوقت نفسه باب الأمل في المساواة والحرية والعدل والاستقرار والأمن والحياة الكريمة.
من التعليقات واحد على تأكيد باسيل “أننا (أي المسيحيين) أقلية” والحقيقة الديموغرافية فيه تشير الى أن “شعبَي” الشيعة والسنّة اللبنانيين يفوقان عددياً شعب المسيحيين منفردين ومجتمعين. وفي ذلك تثبيت لأقلويتهم رغم غياب الاحصاءات العلمية أو تغييبها وتجاهلها. ومواجهة ذلك لا تكون برفض هذه الحقيقة بل بالتمسك بدور الشريك الذي مارسه المسيحيون الى جانب المسلمين على تنوّع مذاهبهم في الدولة والنظام. والشراكة هي التي حالت عملياً دون تحوّلهم أقلية. وتقلص بعض صلاحياتهم (رئيس الجمهورية مثلاً) يعود الى عدم مبادرة المسيحيين قبل حروب الـ1975 – 1990 الى تعديل الحصص في الشراكة بحيث تصبح متساوية رغم مطالبة المسلمين بذلك. كما يعود الى اصرار المسلمين على التعديل تحت طائلة الاستعانة بالعروبة (قضية فلسطين) والاسلام لفرضه. وعندما انتهت الحروب باتفاق الطائف حصل التعديل وبقيت الشراكة في المواطنية وفي الدولة والنظام. علماً أن عوامل إقليمية عدّة جعلتها أحياناً كثيرة شكلية ليس عند المسيحيين فقط بل أيضاً عند المسلمين. وبدلاً من التركيز على هذا الأمر الحيوي يسعى قادة المسيحيين أو قسم مهم منهم الى التحوّل أقلية بمحاولتهم قيادة حملة محلية – إقليمية – دولية لاستعادة الأقليّات المسيحية حقوقها في الشرق المسلم. علماً أن “الأشقاء” المسيحيين في هذا الشرق كانوا أقليّة فعلاً ولم يكونوا الا لفترات محدودة جداً وقصيرة شركاء في بلدانهم. وتفاوتت معاملتهم بين الشدة والقمع والتفهّم والحماية تبعاً للتطورات في المنطقة والعالم. وقد ثبّت ذلك مصير المسيحيين العراقيين والسوريين وما يتعرّض له المسيحيون المصريون رغم محاولة الدولة حمايتهم. فهل يريد مسيحيو لبنان أن يتخلوا عن الشراكة والمواطنية التامّة لمصلحة تحوّلهم قادة للمسيحيين العرب، وربما لاحقاً للهجرة الطوعية ثم التهجير الطوعي وبعده القسري؟ وما يفعله بعض قادتهم منذ سنوات هو تحويلهم أقلية وسيؤدي حتماً الى تخليهم عن الشراكة التامّة.
وفي هذا المجال لا بد من الإشارة الى أمور عدة، أوّلها أن استفزاز المسلمين السنّة بمطالب مستحيلة مثل “الارثوذكسي” باعتبار أن المستفزّ حليف للطرف الشيعي الأقوى في البلاد، هو في الوقت نفسه استفزاز للشيعة رغم الصراع المحتدم بينهما الذي أيقظه اندلاع “الربيع العربي”. وثانيهما أن توزّع المسيحيين على طرفي الصراع هذا سيخسرهم معاً. ذلك أن الرابح أياً يكن سيكون صاحب الكلمة الأولى في البلاد.
وثالثهما أن نظرة العالم الفاعل وفي مقدمهم الغربي الى مسيحيي الشرق ليست نظرة الى شركاء للمسلمين في أوطانهم. إذ كل ما يهمّه هو بقاؤهم على قيد الحياة وحريتهم في ممارسة ديانتهم ومذاهبهم المتنوّعة وتوفير الأمن والأمان لهم والعمل، ويُخشى أن يكون ذلك رأي الفاتيكان أيضاً. أما مسيحييو لبنان فإن العالم نفسه يفضّل ربما بقاءهم شركاء في المواطنية للمسلمين، وهو ينصحهم بالسعي الدؤوب للمحافظة عليها. لكنه في النهاية لا يستطيع أن يمنع نهايتها التعيسة وليس مستعداً لدفع تكاليف ذلك. ورابعها أن المسلمين بكل مذاهبهم قبلوا المناصفة بين مسيحيي لبنان ومسلميه في مجلسي النواب والوزراء ووظائف الفئة الأولى… رغم أنهم معاً قد يتجاوزون ثلثي عدد شعبه. وهم يؤكدون يومياً تمسكّهم بذلك. إلا أنهم قد يغيّرون موقفهم عندما يلاحظون إصرار جهات مسيحية فاعلة على اختيار النصف المسيحي من دون “تدخّل” مسلم، إذ يعتبرون أن من حقّهم كغالبية وازنة جداً أن يشاركوا في انتخاب مسيحيين. وخامسها أن على المسيحيين أن يعرفوا في وضعهم الحالي أن الحاجة إليهم من الفريق المسلم القوي أياً يكن مذهبه، وفي مرحلة الصراع المذهبي المحتدم، هي التي تدفعه الى تحقيق أهداف حلفائه المسيحيين ولكن شكلياً، باعتبار أن السلطة الفعلية لن تكون لهم. وأنهم إذا “تغنّجوا وتبغددوا” كثيراً فسيدفعون الثمن. إذ لا شيء يمنع وحدة طرفي الصراع المذهبي في مرحلة ما لمواجهة ما يعتبرونه استغلالاً للحاجة إليهم.
هل من تعليقات سياسية وشعبية أيضاً وأيضاً؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*