المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية للمصارف في لبنان

عزّة سليمان
16092017

تسعى المصارف إلى إظهار نفسها كمدافع عن الواقع الاقتصادي العام (المدن)

شكلت الهندسة المالية حدثاً صاخباً في الوسط الاقتصادي والاجتماعي، وهي الآلية التي استخدمها المصرف المركزي لدرء المخاطر عن الإاقتصاد اللبناني، وفق تبريره.

هذه الهندسة التي أمنت أرباحاً طائلة للمصارف التجارية في وقت قياسي، ذهبت- شئنا أم أبيناـ إلى جيوب مالكي المصارف. في وقت كان لهذه المصارف وغيرها من الهيئات الاقتصادية موقف صلب ضد قانون سلسلة الرتب والرواتب وقانون تمويلها المبني على زيادة الضرائب والرسوم.

لا يُفسر موقف القطاع الاقتصادي بكونه دعماً لواقع العمال والمواطنين الذين يطالهم هذا القانون، إنما لأن هذا القانون شكل خرقاً استثنائياً، لم يحصل منذ ما يزيد على 25 عاماً، في زيادته معدل الضريبة على الفوائد والعائدات والإيرادات والحسابات والسندات. علماً أن الخدمة المصرفية تقترب في أهميتها وحيويتها من الخدمة العامة، رغم أنها بطبيعتها مقدمة من القطاع الخاص، على اعتبار أن أياً من المواطنين لا يستطيع الاستغناء عن هذه الخدمة الخارجة كلياً في شروطها وتفاصيلها عن حرية إرادته، وذلك يتم تحت إدارة المصرف المركزي الذي يعتبر مؤسسة عامة.

العلوم الحديثة للإدارة والاقتصاد وقوانين الشركات تطورت في نظرتها إلى دور المشاريع الكبرى كالشركات المصرفية، معتبرة أن الحق في الأرباح يعود ليس لمالكيها فحسب، إنما لكل البيئة المحيطة بها. وهذا ما عرف بحوكمة الشركات، سعياً لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة. جذور هذا التطور تنبع من فكرة أن هذه المشاريع إن كانت قد حققت أرباحها “المشروعة”، إنما حققتها نتيجة الواقع الذي يحيط بها، والذي يسهم ويؤثر بديمومة هذه المشاريع ويتأثر بها، من العمال والمتعاونين معها والموردين والمستفيدين من منتجها وخدمتها، وصولاً إلى البيئة الطبيعية المحيطة بها، التي أصبحت جزءاً من مسؤولية أصحاب هذه المشاريع.

ما يثير انتباهنا أن النظام المصرفي اللبناني، الذي يضاهي المصارف العالمية في تنظيمه وموقعه وإدارته، وسعياً لاحترام التوصيات الصادرة عن المؤسسات الدولية والمؤتمرات المصرفية العالمية، سعى إلى تنظيم الحوكمة في المصارف قبل أن تصبح هذه الفكرة متداولة في البيئة العلمية والمهنية في لبنان. وقد أصبحت هذه المؤسسات شريكاً للدولة والمنظمات الدولية في تحقيق التنمية المستدامة، وعلى لائحة المؤسسات المساهمة في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للعام 2030. بناءً على ذلك، واحتراماً منها لتوجهات المصرف المركزي، تتحفنا المصارف دائماً بنشاطها التنموي والاجتماعي والبيئي مستخدمة هذا النشاط كجزء من الإعلان عن السلع المالية التي تروج لها في الأسواق، مستغلة واقع المواطن اللبناني الذي يفتقد إلى أي دعم من الدولة.

ولئن كانت المصارف تسعى إلى إظهار نفسها كمدافع عن الواقع الاقتصادي العام، لا عن مصالحها، وهي المستفيدة أصلاً وحصراً من هذا الواقع وهذا النظام الاقتصادي، ولئن كانت تحاول أن تبرز دورها كشريك فاعل في تقديم خدمات مرتبطة بالتنمية المستدامة على المستويات الثلاثة البيئية والاقتصادية والاجتماعية، ولئن كانت المصارف شركات خاصة من مصلحتها المشروعة تحقيق الأرباح، فإن استفادتها من الواقع اللبناني السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلاقة المتداخلة بين المراكز السياسية وملكية المصارف يستلزم منها المشاركة طوعاً لا كرهاً في القيام بدور يجعلها فعلاً في مصافي الشركات المسؤولة اجتماعياً. ما سيزيد من أرصدتها والثقة المتبادلة بينها وبين المواطنين، وهم الزبائن غير المخيرين لهذا القطاع.

غير أن المسؤولية الاجتماعية تكمن في المبادرة بما يتخطى الواجب القانوني إلى القيام بالواجب الأخلاقي والمشاركة الطوعية في تحريك هذا الواقع الآسن، من دون أن يكون المبرر الأساسي الآني تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح في ظل الأزمة الاقتصادية. فكيف إذا كانت المصارف من أساسها تقلص من مدى الالتزامات القانونية وتزيد من الأعباء الاقتصادية على المحيط الاجتماعي، من خلال زيادة الأرباح على السلع المالية ذات الأهداف التنموية، أو من خلال تقليص ضمانات عمال المصارف والانتقاص من حقوقهم ومكتسباتهم، أو من خلال القيامة التي قامت على الضرائب المفروضة عليها، ولم تقعد بعد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*