المسألة ليست القانون ولا النائب

 


سمير عطاالله
النهار
07022018

روى الاستاذ ايلي فرنسيس التالي: “بعد وفاة الرئيس تقي الدين الصلح بحوالى اسبوعين جاءني ابن شقيقه الاستاذ منح الصلح: اتيت إليك ليس كصديق لعمي تقي الدين، وإنما كمحام لنا، كي استشيرك ما العمل في مثل هذه الحالات؟ اجبته أن الخطوة الأولى هي تسجيل الوفاة، ومنها ننطلق الى حصر الإرث، فهل كانت لدى تقي بك املاك؟ قال منح، لا. قلت، على الاطلاق؟ قال، على الاطلاق. قلتُ، هل كانت لديه سيارة؟ قال لا. أي شيء؟ لا. قلت إذن نكتفي بتسجيل الوفاة”.

لم يكن سراً ان تقي الدين الصلح لا يملك الكثير، خصوصاً على صديق له، أما أنه لم يكن يملك شيئاً، أي شيء، فليس ممكناً ألاّ يفاجأ. وبعد أعوام، عندما توفي البك المفكر منح، لم يطرح أحد السؤال. الإرث الوحيد كان السمعة والتراث الفكري.

لم يحمل قانون الانتخابات تقي الدين أو منح إلى البرلمان، لعدم توافر الشروط. ربما كانت “المجالس” الفكرية لمنح أعلى صوتاً وأبعد مدى، لكن الفكر وحده في لبنان ليس صفة كافية. ويدور النقاش دوماً حول القانون وتوزيعاته وتنويعاته، في حين ان المسألة هي في حامله، هي المقترع الذي لا يمكن ان يفسح في المجال لأي خطوة تغييرية حقيقية. وعلى سبيل المثال، فإن اليسار اجتاح السياسة عملياً خلال الحرب، لكنه لم يحرز في البرلمان إلا مقاعد محدودة. وكان حجم غسان تويني السياسي والوطني بلا حدود، لكن الذي قرر فوزه أو خسارته مخاتير القضاء.

القانون، قديماً وحديثاً، هو قانون المُنتخب، لا الناخب. ولا يمكن أن تحسن فيه مساحيق التسميات ما دام الجوهر اياه: جماعات طائفية لا ترى وجودها إلا في الطائفة وحدها وكل ما خارجها عربي. وفي مرحلة ما، بدا ان اللاطائفيين سوف يبدأون بالظهور كقوة محتملة، خصوصاً في زمن حكومة تقي بك، لكن 1975 ما لبثت ان اطلت كمقدمة لنهاية الاندلس الجديد وحروب ملوك الطوائف والمذاهب، في المنطقة برمتها. وتوفي صاحب الطربوش الاكثر طليعية، في باريس غير قادر على العودة لأنه لا يمثل سوى “المقتولين”، كما وصف نفسه.

حَفَرت الحرب خنادق طائفية، وأقامت لها متاريس. ومن ثم أعلنت الطوائف جمهورياتها أيضاً في الجوار الكبير: الجمهورية الاسلامية في ايران، وحزب والعدالة والتنمية في تركيا . والدولتان تسعيان الى نحت “مناطقهما” الآمنة الآن في سوريا وفي العراق، بصرف النظر عن طبيعة النظام المركزي. وفي المرحلة الحالية تلتقي انقرة وطهران تحت مظلة روسية واحدة، تحمل بدورها شعار الكنيسة، ويحضر رئيسها القداس في حميميم، مودعاً لينين و “افيون الشعوب” الى الأبد. عصر الطوائف في كل مكان. حتى دونالد ترامب يضع الدستور خلف ظهره مندداً بالآخرين، ومن ثم يُستَكمل الغاء العلمانية باعلان القدس عاصمة لاسرائيل، المقدمة الواضحة لإعلان الدولة اليهودية.

كانت حكومة تقي بك في العام 1973، أي يوم كانت تجربة البعث العلماني في سوريا والعراق في ذروتها. دولتان علمانيتان في ظل دستور وضعه ميشال عفلق ورفاقه. وكان قد اشار إليه مرة المشير عبدالله السلال بقوله “من أين جاءنا هذا الميشيل”؟، غير مدرك، رحمه الله، أن فارس الخوري سبقه بثلاثة عقود الى اعالي السلطة، زمن كان ممكناً ايضاً أن يعود المسلمون الى مكرم عبيد في امور الفقه أو صحة التلاوة. ولشد ما كان موقع مكرم عبيد في العرب يطمئن المسيحيين ويحفزهم على تقليده في العروبة ان سمى غسان تويني ابنه الثاني مكرم، بعدما سمى بكره جبران على اسم والده.

تتطلب اللاطائفية – في أي مكان في الدنيا، وفي أي عصر – متانة في البناء وصلابة في البقاء. استرضاء للموجة الغامرة تزعم صدام حسين المد الطائفي واشهر اسلام ميشال عفلق عند وفاته بعد ربع قرن من الحكم باسم البعث.

كان يفترض ان يكون لبنان التجربة المدنية – وليس العلمانية – الكبرى. ومن خلالها تعتاد الدول المتعددة في الشرق صيغة التنوع. والصيغ العالية ممارسة لا نص، ورجال لا بنود. مناخ تعتاده دون جهد ودون عمد. قرأت الاسبوع الماضي مذكرات الزميلة مهى ياسمين نعمة، التي عرفناها في “النهار” قبل أربعين عاماً.

منحتني مهى نعمة شهادة كبرى: لو لم أقرأ كتابها وأرى صوره، لما عرفت في حياتي أنها مسيحية. لكن الصور الاجتماعية فيه تبين ذلك. قبل ان تمزق الحرب الضمائر وتفجر الغرائز، كان المهم الوحيد ما أنت، وليس من انت. وكان الأهل يحرصون على اعطاء ابنائهم اسماء “حيادية” تجنباً للنشوء في جو غير سليم. خصوصاً المسيحيون، لأنهم كانوا يريدون الخروج من جو الشعور بعقدة الاقلية. أعطينا الآن قانون النسبية، ولكن تحت شعارات طائفية حادة. ومن دون أي تردد، شرح لنا المفسرون ان المسألة مسألة مقاعد إضافية تكرّس توزيع السلطة وعطاءات الحقائب. ومنذ الآن نبلَّغ بكل مباشرة واستلشاق، ان دور المال محفوظ لأصحاب المال، سواء كان حلالاً أو زلالاً. ونحن في جزين كان يمثل دور المال عندنا رجال مثل يوسف سالم ونقولا سالم وراشد الخوري وبيار فرعون. أي رجال أمثال في خلقهم لبنان المرجو، وليس سجل النفوس.

سواء لا يزال للنزاهة مكان في المعارك الانتخابية أم أنها لم تعد ضرورية، فهي في نفوس الطيبين والمستورين روح الحياة، ولو هزموا. وكل لبناني يعرف ان لا مكان على لائحة للبسطاء. وكل لبناني يعرف مدى ىسلطة المال على السياسة، وسوف يقترع للوائح النظيفة والملوثة على السواء، لكنه لن يعطي مقاعد إلا لمن كانوا في مستوى الدولة والوطن.

وقف المصريون طوال 14 دقيقة يصفقون لسعد زغلول (1). أطول فترة مدوّنة في التاريخ. وبعده سارت مصر في جنازة مصطفى النحاس باشا. ثم سار 5 ملايين بشري في جنازة عبد الناصر. الثلاثة ماتوا فقراء. الثلاثة كانوا يمثلون شيئاً واحداً في الضمير الجمعي المصري: النزاهة. غاب انور السادات بلا خروج شعبي، لأنه كان نموذج ما سمي “الانفتاح”. اي الشركة مع رأس المال المشبوه. وقامت الثورة على حسني مبارك بسبب الفساد ودلع جمال مبارك، ولأن سوزان مبارك توقفت عن التمييز بين العائلة ومصر.

الناس واحدة في كل دولة وفي كل جماهير تفور وجماهير تغور. ثمة رجلان لم تقترع لهما زحلة، دار السلام: سعيد عقل وفؤاد الترك. وفي قلب طرابلس خسر جان عبيد “وزير خارجية العرب” امام وسام سعادة. هل يضمن “القانون” ان الفائز هو حقاً “نائب الأمة” وليس عضو اللائحة؟ ماذا ترك القانون الجديد لكبار المستقلين مثل زياد بارود، الذين كانوا دائماً العلامة الفارقة في المستوى السياسي؟ نخشى ألا يعطيه أكثر مما اعطى القانون السابق فؤاد بطرس أو سليم الحص.

يطحن القانون الجديد حق المستقلين في الأساس، أي عند الترشيح. وتطحنهم ثقافة اللوائح والكواسح. وللفوز غالباً ثمنه الشرعي والشعبي، لكن له أحياناً ايضاً ثمن السوق وفجور الرشوة المالية وانعدام أي حق من الحقوق الوطنية البديهية. وفي فجور الرشوة يتساوى الفريقان، الوكيل والكفيل، فمن لا يهمه لمن يعطي اسمه وكفالته، لن يهمه لمن يعطي منطقته وبلده.

لسنا في انتظار الانتخابات إلا قليلاً. يكفي فوز عدد من ذوي الامانة والكرامة كي يقال إن الحياة البرلمانية تمرض، لكنها لا تموت. ولها حراسها في أي حال. ومهما قسونا على انفسنا في النقد، تظل عمارة ساحة النجمة، تاريخاً وحاضراً، من أهم الصروح البرلمانية في العالم العربي.

هل يعود الناخب اللبناني من تراجعه الطويل؟ يعود لينتقي بضميره وعقله المرأة أو الرجل الذي يكون نائب الأمة، لا نائب الدائرة أو المحافظة؟ الناخب، لا النائب، تلك كانت وتلك لاتزال هي المسألة.

(1) عبد الرحمن فهمي، “المصري اليوم”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*