المجلس الدستوري: كيف وُلِدتْ فجأةً هذه “الاستقلالية”؟

جهاد الزين
النهار
26092017

شعر أن ما سمّي صدمة المجلس الدستوري بإبطال قانون الضرائب الجديد هو حكاية ستبدأ ليس من أولها وإنما من نهايتها التي لم تظهر بعد.

لديَّ بين أعضاء هذا المجلس صديقان شخصيان كبيران منذ زمن طويل أعرف القيمة المميزة لأولهما كأكاديمي وهو أنطوان مسرة والثاني كقاضٍ كبير ومثقف هو طارق زيادة وأعرف من بعيد عن شخصيات محترمة داخله لكني سأكون في هذه المقالة معنياً بأسئلة سياسية حول المجلس تتعلق بموقعه من النظام السياسي في البلد وليس باعتبارات أخرى.

لذلك “بُنْيَةُ” مقالتي اليوم تقوم على الأسئلة:

1- ليس معروفا عن هذا النظام السياسي الذي تديره مرجعيات حزبية طائفية قوية داخل طوائفها أنه يسمح باستقلالية أي مؤسسة من مؤسسات الدولة اختارت هذه المرجعيات أعضاءها. سياسيا الاستقلالية يُبحث عنها في المجلس الدستوري الفرنسي والمحكمة العليا الأميركية وربما مجدداً في القضاء الجنائي البرازيلي وطبعاً القضاء الجنائي الإيطالي وليس في لبنان أو تركيا أردوغان أو إيران… على سبيل المثال. فالسؤال الأول هو: من أين وُلِدت فجأة هذه الاستقلالية للمجلس الدستوري اللبناني وهو الذي لم يستطع أن يلبي الفكر والحركة الإصلاحيين بموافقته على قوانين التمديد للمجلس النيابي منذ العام 2013 وحرمنا فرصا متوالية للتغيير، مجرد التغيير داخل الطبقة السياسية وليس خارجها في عدد من الطوائف (ما عدا الثبات المطلق في الطائفية السياسية الشيعية القابضة على الطائفة دون منازع تنظيميّاً وماليا وجماهيريا وأمنيا ودولتياً وإقليميا في الجيل الراهن)؟

2- بودّي أن أعرف ما هي كل الاعتبارات السياسية التي أمنت انضمام النواب الخمسة غير الكتائبيين إلى النواب الخمسة الكتائبيين وهم، غير الكتائب، دوري شمعون، فؤاد السعد، سليم كرم، خالد الضاهر، بطرس حرب وإثنان منهم من كتلتين مختلفتين داخل الحكومة وثلاثة أحدهم “منشق” بارز أو مكلّف بالانشقاق عن كتلة كبيرة؟ كيف حصل ذلك وبأية حسابات دقيقة؟ ربما هذا السؤال هو الأول لا الثاني بمعزل عن “شكليته”.

3- مسألة صدور قرار الإبطال بالإجماع مسألة لافتة: كيف يتأمن الإجماع في نظام سياسي يقوم، حتى في مجال التفاهمات، على عدم التوافق الكامل بسبب التوازنات السياسية – الطائفيّة؟

4- تم تداول عدد من التقديرات لحجم إيرادات الضرائب المقدرة سنويا على القطاع المصرفي على قاعدة اعتراض اللوبي المصرفي على ضريبة الأرباح النهائية بحجة وجود ضريبة أخرى على توظيفات المصارف مما يعني بنظر المصارف ازدواجية ضريبية.

التقدير الذي يبدو لي هو الأكثر دقة لهذه الضريبة (الأرباح) هو الذي يورده الاقتصادي غازي وزني وهو مئتان وخمسون مليون دولار قياسا على رقم ملياري دولار كأرباح إجمالية – لا التوظيفات – عام 2016. (لا علاقة هنا للاعتراض بما سمّي “الهندسة المالية” الأولى التي هي عملية مختلفة ومنتهية أرباحا وضرائب).

إذن رفض المصارف لقانون الضريبة رفض فعلي (المادة 17) وهذا معطى مهم في فهم ما يجري سياسياً ويؤيد الاقتصادي توفيق كسبار هذا الرأي.

5- ايضا في القانون الغرامات على الأملاك البحرية ستكون لمرة واحدة كتسوية مخالفات كما ستكون مرفقة بضرائب سنوية؟ ضرائب فعلية أم هزيلة؟ لنعرف هل الطبقة السياسية تواطأت مع املاك المخالفات البحرية أم “انقضّت” عليها أخيرا؟

يتضمن القانون (المادة 11) رسوم تسوية نهائية على المخالفات تتراوح التقديرات حولها بين 850 مليون دولار وبين أكثر من مليار دولار إضافةً إلى ضرائب سنوية يقدرها غازي وزني بماية وخمسين مليون دولار.

6- علينا دون شك أن نضيف أهمية اعتراض نقابات المهن الحرة على ازدواجية الضريبة على القانون (المادة 17) على مستويين: الأول تأثيره في جزء مهم من الطبقة السياسية والثاني ربما مساهمته في تحريض أعضاء المجلس الدستوري الذين يأتون شخصيا من بيئات المهن الحرة أو يتأثرون بها.

7- هل ستنقص الضرائب على المصارف أم ستنقص؟ على الأملاك البحرية؟ على المهن الحرة؟

لا أرى على خارطة المصالح الاقتصادية الكبيرة المذكورة هنا سوى مطلب نقابات المهن الحرة متصلاً بهموم الطبقة الوسطى لأنه لا بد من ملاحظة أن هذه الفئة هي بمعظمها من الطبقة الوسطى.

بداية الحكاية ستكون في نهايتها الآتية لنعرف القطبة السياسية المخفية في هذا الموضوع: هل سيؤدّي قرار المجلس الدستوري الى تغيير سريع في قانون الضريبة باتجاه تستفيد منه المصالح المعترضة عبر الضغط بتأجيل سلسلة الرواتب الجديدة؟

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*