المجاعة العالمية بدأت

 

(عن الانترنت)

30 آذار 2017
النهار

الأمم المتحدة تعلن أننا نشهد الآن الأزمة الغذائية الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.

لطالما أدركنا أن ذلك سيحدث. كتبت في وقت سابق هذا الشهر عن المشكلات الاقتصادية الحادة التي تتخبط فيها أميركا الجنوبية، لكنني غفلت حتى هذه اللحظة عن الحديث عن المجاعات المروّعة التي تنتشر في مختلف أنحاء أفريقيا. ثمة حاجة ماسّة الآن إلى المواد الغذائية في جنوب السودان، والصومال، وشمال شرق نيجيريا، وإريتريا، وكينيا. ويتأثّر اليمن، مع العلم بأنه لا يقع في القارة الأفريقية، بعدد كبير من العوامل نفسها التي تشلّ الدول في مختلف أنحاء شرق أفريقيا. تقول الأمم المتحدة إن أكثر من عشرين مليون شخص قد يموتون بسبب الجوع والأمراض إذا لم تُبذَل أي جهود في هذا المجال. هذا ما أقصده عندما أتكلم عن الانهيار الاقتصادي، وقد بدأنا نشهد على تفشّي ظروف وأوضاع مقلقة في مختلف أصقاع العالم. يعتقد كثرٌ أنه من المستحيل على الأرجح أن نشهد مثل هذا النوع من الأزمات الغذائية في العالم الغربي، لكن لسوء الحظ، ما كل ما يتمناه المرء لا يدركه.
تأسست الأمم المتحدة عام 1945، وقد أعلنتْ للتو أن ما نواجهه هذا العام هو “الأزمة الإنسانية الأكبر منذ إنشاء المنظمة”. نورد في ما يأتي بعض ما جاء في مقال نشره موقع “سي إن إن” تحت عنوان “الأمم المتحدة: 20 مليوناً يواجهون خطر الجوع في الأزمة العالمية الأكبر منذ عام 1945″…
قال وكيل أمين عام الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، ستيفن أوبراين: “نقف عند محطة محورية في التاريخ. نواجه منذ مطلع العام الأزمة الإنسانية الأكبر منذ إنشاء الأمم المتحدة”. أضاف: “حالياً، يعاني أكثر من عشرين مليون شخص في أربعة بلدان من الجوع والمجاعة. في غياب جهود عالمية جماعية ومتضافرة، سيموت الأشخاص جوعاً. وسوف تصاب أعداد أكبر بكثير بالأمراض التي ستودي بها إلى الوفاة”.
لا مبالغة على الإطلاق في القول بأن المعاناة الإنسانية في أجزاء كثيرة من أفريقيا تبلغ مستويات هائلة في المرحلة الراهنة. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من ستة ملايين شخص هم في حاجة ماسة إلى المساعدات الغذائية في الصومال…
فيما يخيّم شبح المجاعة الكارثية أكثر فأكثر على الصومال، يتحوّل احتمال حدوث دمار كامل ووقوع خسائر فادحة في الأرواح، واقعاً وشيكاً من جديد. يشهد الوضع الإنساني في الصومال مزيداً من التدهور يوماً بعد يوم، حيث يحتاج 6.2 ملايين شخص إلى مساعدات طارئة. يُضطر السكان في مختلف أنحاء البلاد إلى السير مئات الأميال بحثاً عن الطعام والماء والمأوى – مع الإشارة إلى أن التداعيات الأكبر تطال النساء والأطفال. يعاني أكثر من ثلاثمئة ألف طفل دون سن الخامسة من سوء تغذية شديد، في حين أن أكثر من مئتَي ألف طفل معرَّضون لخطر سوء التغذية الحاد.
في جنوب السودان، نصف السكان تقريباً هم بحاجة ماسة إلى المساعدة، وبلغت الأوضاع هناك مبلغاً شديداً من السوء إلى درجة أن الناس مستعدون لأكل العشب إذا تمكنوا من العثور عليه…
في جنوب السودان، يُعتقَد أن أكثر من مليون طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، وقد أعلنت منظمة اليونيسيف أنه إذا لم يحصلوا على مساعدات طارئة، سوف يلقى عدد كبير منهم حتفه. قالت إحدى الأمهات في جنوب السودان لقناة “آي تي في” التلفزيونية: “ليس لدينا طعام، نأكل أي شيء يمكننا العثور عليه. إذا وجدنا عشباً، نأكله. هذه هي أحوالنا في الوقت الراهن”.
في اليمن، يحتاج أكثر من سبعة ملايين شخص إلى المعونات الغذائية، وتحذّر السلطات من أنه في حال لم تُبذَل أي جهود في هذا الإطار، قد يموت “ملايين الأطفال” جوعاً…
يقول مارك كاي، المتحدث باسم منظمة “أنقذوا الأطفال” في اليمن: “الأعداد هائلة وتفوق التصور”، مضيفاً: “لا نكف عن الحديث عن أن البلاد تقف على شفا المجاعة، لكن بالنسبة إلي، تسلّط هذه الأرقام الضوء على أننا بلغنا نقطة اللاعودة. إذا لم تتم المبادرة إلى التحرك الآن، سوف يموت ملايين الأطفال جوعاً، مع أننا جميعاً مدرِكون لهذا الوضع منذ فترة. سوف يشكّل ذلك وصمة عار على جبين المجتمع الدولي في السنوات المقبلة”.
لم تُدرَج إريتريا في حالة التأهب التي أعلنتها الأمم المتحدة أخيراً، لكن كان يجب إدراجها. فقد ضربت موجة جفاف شديد الجزء الأكبر من البلاد، ويعاني نحو نصف الأطفال من النقص في النمو… إلا أننا لا نفهم لماذا لم يتم إدراجها في المناشدة التي أطلقتها الأمم المتحدة. لقد أكّدت منظمة اليونيسيف ما نعرفه من أصدقائنا وعائلاتنا داخل البلاد.
فقد أوردت المنظمة في تقرير صادر في كانون الثاني الماضي أن موجة الجفاف “إل نينيو” ضربت نصف البلاد. ويتفشّى سوء التغذية الحاد. وقد جاء في تقرير اليونيسيف: “تخطّت معدلات سوء التغذية مستويات الطوارئ، مع توقُّع أن يُصاب 22700 طفل دون سن الخامسة بسوء تغذية حاد خلال عام 2017… يعاني نصف الأطفال في إريتريا من نقص النمو، ونتيحة لذلك، يصبحون أكثر هشاشة إزاء سوء التغذية وتفشّي الأوبئة”.
لقد تلقّينا تحذيرات بأن المجاعة ستضرب أماكن مختلفة في هذه الأزمنة. لكن هنا في العالم الغربي، نميل إلى الانجرار وراء شعور زائف بالأمان تدفعنا إليه الحياة المريحة التي نعيشها، من دون أن ندرك أن مستوى المعيشة المضخّم جداً الذي نتمتع به يغذّيه جبل الديون الأكبر في تاريخ الكرة الأرضية.
في كينيا، أُعلِنت حال الطوارئ على مستوى البلاد بسبب الجفاف والمجاعة. أتوجّه بالسؤال إلى الأهل بينكم، ماذا تفعلون إذا كان أولادكم يبكون طلباً للطعام لكنكم لا تملكون شيئاً لتقدّموه إليهم؟ الواقعة الآتية التي نرويها من كينيا ينفطر لها القلب…
إيمانويل أيابار طفلٌ في الثالثة من العمر ولم يعد يقوى على المشي. يُصيب الضمور قدمَيه اللتين تتدلّيان عند خصر والدته عندما تحمله وتتنقّل به. يبدو حزيناً وفاقداً للطاقة والحيوية، ولا ينفك لسانه يتحرك فيتدلى تارةً من فمه ويتراجع طوراً. قالت والدته فيرونيكا، 28 عاماً: “لا نملك كمية كافية من الطعام. نأكل مرة واحدة فقط في اليوم”. يعاني الطفل من سوء تغذية حاد، ويواجه خطر الموت جوعاً. وزنه نحو 6,8 كيلوغرامات، أي نصف الوزن النموذجي لصبي في عمره.
لا أدري ماذا عساي أقول بعد كل ما تقدّم. نحن منهمكون جداً بأنفسنا وبشؤوننا في العالم الغربي إلى درجة أننا لا ندرك حتى أن هناك أطفالاً يموتون جوعاً في المقلب الآخر من الكرة الأرضية. عسى أن يتحرّك مَن يعيشون بيننا في البلدان الغربية “الثرية” ويبادروا إلى مساعدة المعوزين، وعسى أن تساعدنا هذه الأزمة أيضاً على الإدراك بأنه يجدر بنا الاستعداد لليوم الذي سنواجه فيه أزمنة عصيبة في بلداننا أيضاً.

رجل أعمال أميركي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*