المجاراة والاستلاب: كيف رسم مؤرخو الإسلام شخصيتي علي وعمر كـ”ندّين” في مقام

حمزه نامه
رصيف22
05092018

Homepage

مرّت عملية نشأة وتشكيل المذاهب العقائدية في الإسلام بأطوار مختلفة ومتعدّدة، ومن تلك الأطوار تلك التي عمد فيها المؤرّخون المذهبيون إلى اصطناع واختلاق تاريخ مواز أو مخيّلة جمعيّة، هدفها رفع شأن رموزهم المذهبية وإظهار تفوّقهم على أقرانهم من رموز المذاهب النظيرة.

في هذا المقال نناقش التقنيات التي جرت عن طريقها إعادة تشكيل ملامح شخصيتي عليّ بن أبي طالب وعمر بن الخطاب في الكتابات التاريخية، على اعتبارهما من الرموز الأهم في المذهبين الشيعيّ والسنيّ على الترتيب.

لماذا عليّ؟ ولماذا عمر؟

إن رجعنا إلى مدونات المذهبين الشيعيّ والسنيّ، سنجد أنّ هنالك حضورًا دائمًا لاسمين مميّزين، وهما على الترتيب عليّ بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، حيث شغلا مكانة مهمّة في الثقافة الجمعية الشيعيّة والسنيّة، وصار كلّ منهما رمزًا لأحد المذهبين، وهو الأمر الذي نتج عنه بالتبعية محاولة لاختلاق سيرة مثالية لكلّ منهما، حيث تم النظر إليهما على كونهما نماذج معياريّة تمثل الإنسان الناجح الواجب اتباعه والاقتداء به.

بالنسبة لعليّ بن أبي طالب، فأهميته للمذهب الشيعيّ لا يمكن إنكارها، فهو الإمام الأول وباب مدينة العلم، وهو الحدّ الفاصل ما بين الإيمان والنفاق، وسفينة النجاة التي حضّ الرسول أتباعه على ركوبها قبل أن يدركهم الغرق في بحور الظلمات والجهل والكفر.

بتلك النظرة المذهبية المثالية، البعيدة كلّ البعد عن الموضوعية والحياد، اختطّ المؤرخون الشيعة والسنّة سير أبطالها ورموزها، فعالجوا ما بها من نقائص وسدّوا ما فيها من ثغرات، ودخلوا مع بعضهم البعض في منافسة حامية الوطيس، في سبيل

“المُجاراة” لإطلاق صفة الشجاعة على شخصية عمر

 التأكيد على نموذج الإنسان الكامل، متناسين فطرة الله في الخلق، تلك التي تقرّ وتؤكد على العجز والنقص البشري.

كانت المُجاراة، واحدة من بين أهمّ التقنيات التي لجأت إليها السردية السنيّة لصبغ شخصية عمر بن الخطاب، بصفات الشجاعة والفروسية.

والمجاراة هنا، هي اللجوء إلى إطلاق أوصاف مبالَغ فيها على شخصيّة تاريخيّة، بغرض ترقيتها ورفعها إلى مرتبة شخصية تاريخيّة أخرى معاصرة لها، بحيث يبدو الأمر في النهاية وكأنّ الشخصيتين في مقام واحد، وفي مرتبة واحدة، فيما يخص تلك الصفة تحديدًا، بحيث يتساوى الاثنان، ولا يكون تفوّق أحدهما في تلك الصفة، سببًا في تفضيله بشكل عام ومطلق عند عقد مقارنة فيما بينهما.

ولمّا كانت صفتا الشجاعة والفروسية، أهمّ الصفات التي اختصّ بهما عليّ بن أبي طالب، فتعدّدت فيها مناقبه ومآثره، فقد لجأت السردية السنيّة لرسم ملامح مبالَغ فيها لشجاعة عمر وفروسيته، بحيث يظهر الخليفتان وكأنّهما صنوان كتفًا لكتف.

ولا يعني هذا بأيّ حال اتهام عمر بالجبن، بل التأكيد على أنّ ملامح تشكيل سيرته قد شهدت مبالغات واضحة، بغرض تصويره وكأنّه ندٌّ وصنو لعليّ في الشجاعة، رغم أنّ الروايات الأكثر دقة وموضوعية لا تشهد بذلك على الإطلاق.

تقنية المُجاراة، عملت – ومنذ اللحظة الأولى لإعلان إسلامه – على إظهار عمر كفارس قويّ شجاع وهمام، اعتاد على المخاطرة والولوج في أتون المعارك والحروب، ويظهر هذا فيما ورد في سيرة ابن هشام، من أنّ عمر بعد إسلامه مباشرة، قد تعمّد أن يصل خبر إسلامه إلى قريش كلّها، وأنّه دخل مع الكفار في معركة عنيفة، ضربهم فيها كما ضربوه، حتى أصاب الطرفان فيها الإعياء والإرهاق.

ولكن تلك الرواية تناقض ما ورد في صحيح البخاري، الذي جاء فيه أنّ عمر قد أسلم سرّا، ومكث في بيته خائفًا من أن يخرج في قريش بعد أن ذاع خبر إسلامه في مكة، وبقي كذلك حتى أمنه العاص بن وائل السهمي، الذي أعلن عن حمايته له، فخرج عندئذ إلى الناس.

أقوال جاهزة

شاركغردلمّا كانت صفتا الشجاعة والفروسية، أهمّ الصفات التي اختصّ بهما عليّ، فتعدّدت فيها مناقبه ومآثره، لجأ السرد لرسم ملامح مبالَغ فيها لشجاعة عمر وفروسيته

شاركغردعمل بعض المؤرّخين الشيعة على إنكار المُنجز الحضاري والعمرانيّ والسياسيّ للخليفة الثاني، فأنكروا قيامه بمعظم المحاسن الكبرى التي لحقت بالدولة الإسلامية في عهده.

ومن الروايات المشهورة الضعيفة عن شجاعة عمر، ما قيل بأنّه قد هاجر جهرًا، وأنّه قُبيل خروجه من مكة، قد تحدّى مشركي قريش، وقال لهم: “من أراد أن يُثكِل أمّه أو يُرمّل زوجته أو ييتّم ولده، فليلقني وراء هذا الوادي”.

تلك الرواية، التي رويت عن طريق عليّ بن أبي طالب، طبقت شهرتها الآفاق، وذكرها بعض من كبار العلماء في مصنّفاتهم وكتبهم، مثلما فعل ابن عساكر في تاريخ دمشق، وابن الأثير في أسد الغابة.

ولكن رغم ذلك فإنّ معظم علماء الحديث يكذّبون تلك الرواية، ويأخذون برواية أخرى وردت في سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد، وقد جاء بها أنّ عمر قد اتفق على الهجرة سرّا مع اثنين من الصحابة، ولكن لما قبضت قريش على أحدهما، اضطر عمر وصاحبه عيّاش بن أبي ربيعة أن يتركا مكة سرّا على عجل خشية افتضاح خطتهما.

أما عن شجاعة عمر في غزوات الرسول، فإنّ مجموع الأدلة التاريخية التي وصلتنا تُشير إلى أنّ الخليفة الثاني كان جنديًا عاديًا في صفوف المسلمين، هذا إن لم يكن من أقلّ المقاتلين تميّزًا وفاعلية.

ففي غزوة أحُد، ذكر الواقدي في مغازيه والطبري في تفسيره، خبر فرار الخليفة الثاني من المعركة بعد أن أشيع القول بوفاة الرسول، وقد روي عن عمر نفسه أنّه وصف فراره بقوله “فلقد رأيتني أنزو كأنّني أرْوَى”، أما في غزوة الخندق، فقد ترك عمر القتال ومكث مع بعض المسلمين في أحد البساتين، كما روى ابن حبان في صحيحه.

ولعلّ ما أورده الحاكم النيسابوري في المستدرَك، في أحداث غزوة خيبر، من أنّ السرية التي بعثها الرسول بقيادة عمر لفتح الحصن، قد فشلت في مهمتها، وأنّ رجالها قد رجعوا مع عمر “يجبنونه ويجبنهم”، يعدّ شاهدًا قويًا على زيف الصورة المبالَغ فيها لشجاعة الخليفة الثاني.
ومما يتماشى مع هذا السياق، أنّ عمر ورغم قربه الشديد من الرسول، كان من بين جموع المسلمين التي فرّت يوم حُنين، وذلك حسبما ورد في صحيحي البخاري ومسلم.

تقنية “الاستلاب” لإطلاق صفة الحكمة على عليّ بن أبي طالب

إذا كان المدوّنون السنّة قد استخدموا تقنية المجاراة لرفع منزلة بطلهم عمر بن الخطاب، فإنّ نظراءهم من الشيعة قد استعانوا بتقنية بديلة، وهي التي من الممكن أن نطلق عليها “تقنية الاستلاب”.

تقنية الاستلاب، تعمل على الحطّ من منزلة شخص معين، عن طريق تهميش أدواره التاريخية، وتفريغها شيئًا فشيئًا من المضمون والقيمة، وردّ الآثار والنتائج الحضاريّة التي قامت بها تلك الشخصية، لشخصية أخرى معاصرة لها.

ومن خلال هذه التقنية، عمل المؤرّخون الشيعة على إنكار المُنجز الحضاري والعمرانيّ والسياسيّ للخليفة الثاني، فأنكروا قيامه بمعظم المحاسن الكبرى التي لحقت بالدولة الإسلامية في عهده.

بل وعملوا على ردّ جميع تلك المحاسن لشخص عليّ بن أبي طالب، من خلال التأكيد على تفوّقه المطلق وحكمته التي لا حدود لها، ومشورته الدائمة للخليفة الثاني في أصعب اللحظات وأكثرها خطورة، فيما يبدو وكأنّه يتعدى حدود المشورة المعتادة، لتصير أوامر نافذة يصدرها عليّ إلى الخليفة الثاني المتحيّر في أمره دائمًا، والذي يكاد في كلّ مرة أن يقترف الأخطاء بحسب ما تصوّره الروايات الشيعيّة.

وفي المُقام هذا لا نشكّك في حكمة علي بن أبي طالب وعلمه، بل تبيان ملامح الزيف الروائيّ الذي أحدثه السرد الشيعيّ، بحيث أنكر ما لا يمكن إنكاره من منجزات مادية هائلة وقعت في عهد عمر.

من ذلك ما ذكره ابن شهر أشوب في كتابه “مناقب آل أبي طالب” أنّ عليّ بن أبي طالب قد نصح عمر بعد استخلافه وقال له: “ثلاث إن حفظتهنّ وعملتَ بهنّ كفيتك ما سواهنّ وإن تركتهنّ فلا ينفعك شيء سواهنّ، قال وما هنّ؟ فقال: الحدود على القريب والبعيد، والحكم بكتاب الله في الرضا والسخط، والقسم بالعدل بين الأحمر والأسود، فقال له عمر: أبلغتَ وأوجزت”، وهو على ما يبدو خطة ونهج عمل وضعها عليّ لعمر.

استشارة للأمور العسكرية والأعمال المالية والتنظيميّة والإدارية

أما على صعيد الاستشارة العسكرية، فقد أوردت المصادر الشيعيّة ما يُفيد بأنّ عليّ كان قد اعترض وبشدة على فكرة أن يقوم عمر بقيادة جيش المسلمين بنفسه ضدّ الفرس، فكان مما قاله له:

“فكن قطبًا واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب، فإنّك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها”.

كما أنّ عليّ قد قال للخليفة عندما أراد أن يقود الجيش ضدّ الروم: “فابعث إليهم رجلًا مجرّبًا واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهره الله فذاك ما تحبّ، وإن تكن الأخرى، كنتَ ردعًا للناس ومثابة للمسلمين”، وذلك بحسب ما يذكر ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة.

أما المجال الثاني الذي تُظهِر الروايات الشيعيّة فيه أنّ عليّ قد قدّم فيه نصائح مهمّة لعمر، فهو مجال الأعمال المالية والتنظيميّة والإدارية للدولة الإسلامية.

فقد ورد أنّ عليّ هو الذي نصح عمر بن الخطاب بعدم تقسيم أراضي السواد في العراق بعد فتحها، وأنّه قد برّر ذلك بقوله: “إن قسّمتها اليوم لم يكن لمن يجئ بعدنا شيء، ولكن تقرّها في أيديهم، يعملونها فتكون لنا ولمن بعدنا، فقال: وفّقك الله هذا الرأي”، بحسب ما يذكر اليعقوبي في تاريخه.

وكذلك ما ورد من أنّ عليّ قد أشار على الخليفة بتوزيع الأموال التي تأتيه في الفقراء والمحتاجين وعلى عامة المسلمين، وألا يحبسها عنده. كما أنّ الروايات الشيعيّة، ومنها ما ورد في تاريخ اليعقوبي، تعزو لعليّ الفضل في وضع التقويم الهجري، وذلك عندما وقع الخليفة في مشكلة عدم معرفة تواريخ كتابة الرسائل التي تأتيه من عمّاله في الولايات المختلفة.

مناصحة عليّ بن أبي طالب للخليفة الثاني في الفقه والعلم الديني

أما المجال الثالث الذي شهد مشورة ومناصحة عليّ بن أبي طالب للخليفة الثاني، فهو مجال الفقه والعلم الديني، وقد ظهر أثر ذلك في الكثير من الروايات، ومنها أنّ عمر قد جيء إليه برجل قد سرق فقطع يده، ثم جيء بالرجل بعد ذلك وقد سرق مرة أخرى، فقطع رجله.

فلما أوتي بالرجل للخليفة للمرة الثالثة وقد سرق، وهمّ الخليفة أن يقطعه، تدخّل عليّ بن أبي طالب فعارض عمر، وقال له: “لا تفعل، فقد قطعت يده ورجله، ولكن احبسه”، حسبما يذكر ابن شهر أشوب.

وهناك موقف آخر يظهر فيه اعتراض عليّ بن أبي طالب على الأحكام القضائية التي أصدرها عمر، ذلك أنّ خمسة رجال زنوا فأصدر عمر عليهم حكمًا بالرجم، فخالفه عليّ وأصدر حكمًا مختلفًا لكلّ واحد من الخمسة، فلمّا تعجب الخليفة من ذلك، شرح عليّ حكمه: “فأما الأول فكان ذمّيًا زنا بمسلمة فخرج عن ذمته، وأما الثاني فرجل مُحصن زنا فرجمناه، وأما الثالث فغير محصن فضربناه الحدّ، وأما الرابع فعبد زنا فضربناه نصف الحدّ، وأما الخامس فمغلوب على عقله مجنون فعزّرناه”.

ومن الروايات الأخرى، التي يوردها ابن شهر أشوب، أنّ الخليفة الثاني كان قد أصدر حكما برجم امرأة زنت فحملت سِفاحًا، فعارضه عليّ ووضّح له أنّه لا يحق له أن ينفّذ مثل هذا الحدّ في تلك الحالة، بسبب أنّ ابن المرأة برئ ولا سبيل للخليفة عليه.

وأشار عليه بأن يترك المرأة حتى تلد وتضع ولدها، ثم يقوم بعدها بتنفيذ الحدّ عليها، فقال عمر عندها قولته المشهورة “لولا عليّ لهلك عمر”، وهو القول الذي اهتم به الرواة الشيعة واستشهدوا به دائماً في معرض إثباتهم لأحقية عليّ في الخلافة، وأفضليته على الخليفة الثاني.

سرديات التاريخ موضوع معقد وشائك، ولكنّ ما يبدو واضحاً من دراسة صورة الخليفتين كما قدمتها المقالة، أنها حقل واسع للإبداع والخيال، ومجال لمقاربة الإرث السياسي والمذهبي بما يعطي سمات وأخلاقيات معينة سطلة وظيفية خدمت المجتمع الإسلامي عبر القرون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*