الماضي أفضل أم الحاضر؟

24072017
الحياة

غالبا ما يأخذنا الحنين إلى الماضي، أياً يكن، قريبًا أو بعيدًا، فنتحسر على ما نسميه «الزمن الجميل» الذي مضى إلى غير رجعة ونرثي حاضرنا الذي فقد الكثير من وهج الأيام التي انصرمت. إننا نحنّ إلى الماضي من غير أن نبرّر هذا الحنين، أو نسعى إلى فهمه والشك فيه. بعضهم يتحدث عن سحر الستينات التي لن تستعاد البتة، وبعضهم عن مظاهر حياة في كل ما تعني الحياة، انطوت كالذكريات. كل شيء كان أجمل نقول، من دون تردد. حتى الحب. حتى اللباس. حتى السهر. حتى الحزن…

كل هذه «اليوتوبيا» الماضوية بحكاياتها وأساطيرها الجميلة ينقضها كتاب عنوانه «لا لم يكن ما قبل أفضل» ويضعها موضع الشك والمساءلة ليخلص إلى القول إن الحاضر أفضل من الماضي ولا بد من التفاؤل مستقبلاً. صاحب الكتاب الذي صدرت ترجمته الفرنسية أخيراً (دار بلون) مؤرخ اقتصادي وأكاديمي سويدي يدعى جوهان نوربرغ، وكتابه الذي أثار سجالاً حين صدوره باللغة السويدية يثير سجالاً في كل لغة يترجم إليها. بعضهم ينحاز بحماسة إلى مقولاته والتصورات التي يحملها انطلاقاً من وقائع وأرقام، وبعضهم ينتقد نزعته التفاؤلية بحجة ما آل إليه الحاضر الراهن، من مآسٍ و»كوراث». المفكر الفرنسي لوك فيري وصف الكتاب بـ «الرائع» وأدرجه في مرتبة الكتب «المفيدة». المفكر روجيه بول دروا امتدحه قائلاً: «هذا كتاب ذو منفعة عامة. والحلم أن تروّج قراءته في المدارس والجامعات وأن يطلبه الجميع في المكاتب والمصانع والمدن والقرى». أما المفكر أريك زيمّور فانتقده وكاد يسخر من أطروحاته ومن
مديحه شبه المجاني للحداثة العولمية، آخذاً عليه تجاهله حقائق تاريخية راسخة.

يستحق هذا الكتاب- الظاهرة أن يترجم إلى العربية. نحن العرب قد نكون معنيين برؤية صاحبه التفاؤلية إلى العصر. وقد يكون لدينا بضع حجج تساهم في مساءلته ونقده، لا سيما في كلامه عن تراجع العنف والحروب والأمية، وعن انتشار الأمن والتسامح والطمأنينة… وقد تكون الحالة الإفريقية التي تنتمي إليها بلدان عربية عدة، مأخذاً على تناسي الكتاب مآسي «أطراف» العالم الجديد، المابعد عولمي، ومنها إفريقيا. ففي جريرة فضحه «الماضي الذي كان مهولا» يقول الباحث مثلاً: «السويد أيام أجدادي الأقدمين كانت تشبه أفريقيا الآن». هنا يرد عليه المفكر الفرنسي أريك زيمّور قائلاً: «ولكن أين هي، في إفريقيا اليوم كاتدرائيات العصور الوسطى وأعمال ميكالانج ورامبرنت…». ومعروف أن افريقيا في معظم جهاتها تعاني الكثير من الفقر والجوع والأمراض.

قد تكون الأرقام والإحصاءات، وكلها صحيحة ورسمية، التي يعتمدها الباحث حافزاً على التفاؤل حقاً. وهي قادرة على تأكيد حقيقة التطور والتقدم اللذين عرفهما العالم الجديد الذي لم يعد كارثيًا تماماً ولا خائراً أو مضطرباً كما حدث أن كان في حقب سابقة. لكنه طبعاً لم يصبح جنة ولا خلواً من الأزمات المختلفة. تراجعت المجاعات، تقدم عمر الإنسان على الأرض، ازداد ثراء العالم، تراجع الفقر(42 في المئة عام 1981، نحو 10 في المئة عام 2013)، تضاءلت الأمية (80 في المئة في القرن الثامن عشر، 15 في المئة في القرن العشرون)… وعموماً باتت الحياة أفضل كثيراً مما كانت عليه ماضيًا: عدل، مساواة، تسامح. بحبوحة، سكن ملائم، تطبيب، استشفاء، ثقافة، ترفيه، عمل متوازن… تلوّث أقل وعنف أقل. ولكن هل أصبح التلوّث الذي يهدّد الأرض والفضاء أقل حقاً؟ والعنف؟ ألا يكفي ما شهد القرن العشرون من خراب ودمار نتيجة الحروب المتعاقبة؟ ألا يكفي سباق التسلح وخصوصاً النووي؟ ألا يكفي مشهد الإرهاب الذي يلفّ العالم الآن مع صعود الأصوليات الدينية وغير الدينية؟

كان لا بد من أن يثير كــتاب الباحث السويدي جوهان نوربرغ هذا السجال الذي أثاره ويثيره عالمـــيًا. هــــذا كــتاب إشـــكالي حقًا وقضيته هي قضية البشر أجمعين. هل كان الماضي أجمل أم لا؟ هل الحاضر أفضل أم لا؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*