الكوستابرافا” يهدد البحر والجو…هذه تفاصيل الطمر والعين على القضاء

 

حاجز حديدي يمنع دخول السيارات الى الموقع. رجل امن يحرس المكان، لا يسمح بالدخول الا لمن لديه ترخيصاً من مجلس الانماء والاعمار. مساحات واسعة من الأراضي الشاغرة، ومسافة طويلة بين المدخل والمطمر. صوت طارد الطيور الذي رفع على حجر هو الوحيد الذي يصدح في الاجواء الممتلئة بالروائح الكريهة.

فجأة تظهر “بضائع” تم لفها باكياس بيضاء مكدسة فوق بعضها البعض، وجرافات تنقل بعضها واخرى تقوم بفلش الرمال. شاحنات تدخل الموقع مغطاة بشوادر زرقاء اللون وأخرى تغادره، ما يسمح للاعلاميين بمشاهدته، فالاقتراب من المطمر محدد بمسافة قررها مجلس الانماء والاعمار.

عدد قليل من السيارات يسلك الطريق المؤدية الى المطمر الذي بدأ باستقبال النفايات في شهر نيسان من عام 2016، والذي بمجرد الاقتراب منه يصدم الإنسان بجبل من النفايات الممتزج بالرمال. فللوهلة الاولى يتساءل: هل هذا هو لبنان الذي نتغنى بجباله وسواحله؟ لحظات ويدرك الحقيقة ومدى الكارثة التي سمعنا عنها من الخبراء البيئيين ومناهضي المطامر العشوائية.

“مطمر النفايات هو منشأة هندسية (حفرة كبيرة) تحتوي على عوازل من كل الجهات في الأرض والجوانب، مع خلايا لضغط النفايات التي تطمر بالرمال، كما يتم منع سيل العصارة الى المياه الجوفية والبحر، من خلال تجهيزه بنظام جمع العصارة ونقلها الى محطة المعالجة ونظام جمع الغازات، للاستفادة منها كونها غنية بالميتان مصدراً للطاقة” وفق الخبير البيئي الدكتور ناجي قديح الذي قال، “إن في موقع “الكوستابرافا” وضعوا العوازل في كل الجهات باستثناء الجهة الغربية أي الجدار الاسمنتي المنشأ على البحر، وهو اكبر مؤشر على أن عصارة النفايات ستذهب الى البحر، ما يشكل مخالفة لشروط المطامر الصحية وفق المعايير الدولية”.

دوافع الاختيار

“بدأ الخطأ من اختيار الموقع” وفق قديح الذي يقول، إن “الطرح المبدئي نص على ان يكون موقفاً لتجميع النفايات، على ان يتم بناء سنسول ثم مطمر وردم البحر، لكن في الحقيقة الدافع الاساسي والوحيد لاختيار هذا الموقع الذي لا يتمتع بمواصفات المطمر الصحي والذي يفتقد لمحطة معالجة النفايات هو ردم البحر، وهذا ما يتبين من كل المعطيات”. اضاف “مخططات ردم البحر موجودة وبمجرد اخذ القرار باختيار موقعي “الكوستابرافا” و”برج حمود” سحبت الخرائط من الادراج ووضعت على الطاولة، لمصلحة فئات معينة من السلطة، والتي وجدت ازمة النفايات لتنفيذ مشاريعها”.

أسباب الرفض

النفايات تأتي موضبة من معمل العمروسية للفرز، حيث يتم فرز ما لا تتجاوز نسبته ٨-١٠ في المئة من النفايات. وهذه تحتوي على ما يزيد عن ٥٥ في المئة، منها مكونات عضوية قابلة للتحلل والتعفن. واستنكر قديح مع الخبراء البيئيين قرار اختيار موقع “الكوستابرافا”، فهو كما يشرح:

أولاً: يقع على شاطئ رملي من اجمل شواطئ لبنان والتي هي عملة نادرة، وذلك بعد تدميرها خلال السنوات الماضية.

ثانيا: يهدد مياه البحر بالعصارة، كون المطامر في لبنان غير مجهزة بمحطة لمعالجتها، واكبر دليل على ذلك مطمر الناعمة الذي لم يكن طوال عشرين عاماً مجهزاً بمحطة للمعالجة الفعالة لها، بل كانت تنقل الى موقع الغدير وترمى في البحر من خلال الحفرة المفتوحة والانبوب الممتد اليه.

ثالثاً: يهدد الصحة كونه يقع على مضرب الرياح الجنوبية- الغربية، حيث تحمل الغازات والروائح وتنشرها على منطقة يزيد عدد سكانها على المليون، في الشويفات، خلدة، الضاحية الجنوبية وصولاً الى بعبدا. ومع سرعة حركة الرياح قد تغطي كل العاصمة.

رابعاً: يهدد سلامة الطيران المدني في مطار رفيق الحريري الدولي، فعلى المدرج الغربي الملاصق للموقع يتم تجميع النفايات، قبل انشاء المطمر، وهذا ما يتعارض مع التشريعات ووالمعايير الدولية خصوصاً الأميركية والاوروبية التي تفرض عدم استقبال النفايات التي تحتوي على مكونات قابلة للتحلل على مقربة من المطار، باعتبار هذه المكونات العضوية تجذب الطيور ما يهدد سلامة الطيران المدني، وهو ما شهدناه في الفترة الاخيرة.

رد مجلس الانماء والاعمار

رد مجلس الانماء والاعمار عبر الاستشاري المشرف على مشروع انشاء مركز موقت للطمر الصحي قرب مصب نهر الغدير دار الهندسة – نزيه طالب وشركاه بالقول، “ان مشروع مطمر الكوستابرافا لحظ إنشاء محطة لمعالجة عصارة النفايات الصلبة وهي ذات مواصفات عالمية. ولحظ المشروع أيضاً فترة انتقالية ليتم فيها إنشاء أولى الخلايا وتشغيلها لحين توريد وتركيب محطة معالجة العصارة. إلا أن ضرورات التشغيل الطارئة فرضت في بيروت، وتفادياً لأزمة النفايات في الشوارع تسريع التشغيل (بدء إستقبال النفايات بتاريخ 25/8/2017) وإنشاء أولى الخلايا، علماً أن عقد المتعهد لحظ ضرورة توريد وتركيب وإنهاء محطة معالجة العصارة خلال مدة المشروع (4 سنوات) وليس في بدايته. ويقوم المتعهد وفي شكل موقت الى حين تشغيل محطة المعالجة بنقل العصارة الى محطة الغدير لمعالجة الصرف الصحي المحاذية للمشروع. وقد باشر المتعهد بتقديم كافة المستندات الفنية لانشاء المحطة المذكورة خلال الاشهر القادم”.

اضاف: “إن المشروع يلحظ انشاء محطة معالجة للغازات المنبعثة من خلايا النفايات الصلبة في المطمر. ويقضي أولاً بتغطية النفايات الصلبة يومياً بطبقات ترابية لعدم تعريض هذه النفايات لأشعة الشمس أو العوامل الطبيعية، وثانياً بحرق هذه الغازات وفق نظام معتمد للمطامر بعد أن يتم تجميع الغازات من الخطوط والآبار العامودية الملحوظة داخل خلايا المطمر. ولا يمكن تشغيل محطة المعالجة للغازات الا تباعاً وبعد الإكساء الكامل لخلايا النفايات الملحوظة، كي لا يتداخل الاوكسجين والهواء مع الغازات المنبعثة فتعطل عملية الحرق. علماً أن عقد المتعهد لحظ ضرورة توريد وتركيب وإنهاء محطة حرق الغازات خلال مدة المشروع (4 سنوات) وليس في بدايته. وقد باشر المتعهد بتقديم كافة المستندات الفنية لإنشاء المحطة المذكورة خلال الأشهر المقبلة، وانه من الممكن ومع مرور الزمن، وفي حال توافرت الإعتمادات اللازمة إنشاء محطة لتوليد الطاقة من الغازات المنبعثة”.

“الحل الممكن”

الوزير السابق اكرم شهيب رد على منتقدي المطمر عبر “النهار”، معتبراً انه كان “الحل الممكن نتيجة الظروف التي رافقت المرحلة” وعددها:

أولا: تراكم كمية كبيرة من النفايات تقدر بـ 300 الف طن تحت حائط المطار.

ثانياً: عدم قدرة الادارة في الدولة اللبنانية على تنفيذ الحل الذي اقترحته والذي كان من المفترض ان يطبق في عكار وعلى الحدود اللبنانية السورية.

ثالثاً: لم يكن هناك حل مدروس بطريقة افضل من الطمر العشوائي الذي كان يحصل.

رابعاً: واقع مياه ومحطة الغدير والمشاكل البيئية الموجودة في تلك المنطقة،

والكوستابرافا وفق شهيب “ليس الحل الامثل وهو موقت وعلى الحكومة واللجنة الادارية المكلفة عدم تمييع الموضوع والشروع بالحل المستدام فورا”. وعما يقوله خبراء البيئة انه ومطمر برج حمود الخطوة الاولى لردم البحر اجاب: “النورماندي كان أكبر مكب في لبنان وبات اغلى ارض”.

ماذا لو اقفل؟

يقول قديح: “الحكومة بدلا من ان تعيد النظر في موقع “الكوستابرافا” وتنقله الى مكان آخر، مع اعتماد سياسة مختلفة لطمر النفايات من خلال ادارة متكاملة، لجأت الى طريقة همجية في قتل الطيور أدت الى ردود فعل سلبية على سمعة لبنان في الداخل والخارج، لكن القضاء المستقل والعادل اتخذ قراراً باقفال الموقع واعتبره يهدد سلامة الطيران، واستمرار استقباله للنفايات مخالف للقانون”.

لكن رئيس اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية محمد ضرغام، ضد قرار الاقفال قبل إيجاد حل بديل كون الاتحاد ينقل نحو 800 طن يومياً من النفايات اليه، لذلك قال “استأنفنا قرار المحمكة، فهذا المطمر انشئ وفقاً لقرار مجلس الوزراء كخطة موقتة لمدينة بيروت لمعالجة ازمة النفايات، ونحن نطلب من الدولة السعي الحثيث والجدي لايجاد البديل الدائم”. وعما ستقوم به بلديات الضاحية في حال تم اقفاله اجاب: “عندها يبنى على الشيء مقتضاه، نحن اليوم أمام مشكلة، إما الكوستابرافا أو النفايات في الشارع، والى اللحظة تقول الدولة ان لديها خطة بديلة ونحن ننتظرها”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*