الكواكبي عميلٌ أم شهيد في وثائق الخارجية البريطانية؟

النهار
جان داية
25092017

احتفلت مكتبة الاسكندرية منذ أيام بعبد الرحمن الكواكبي الذي استشهد في القاهرة العام 1902 دفاعاً عن الحرية والديموقراطية، في وقت يتّهمه الاسلاميون – ربما لأنه كان من دعاة فصل الدين عن الدولة – بالعمالة للانكليز. السؤالان الآن: هل توجد وثائق كواكبية في المحفوظات الديبلوماسية البريطانية؟ وإذا وجدت، هل يكون فيها عميلاً أم شهيداً؟

      كان الكواكبي نموذجاً للكتّاب الملتزمين المجاهدين، لذلك فإن أدبياته التي دبّجها يوم تولّى المكتب الخاص للدفاع عن المظلومين في ولاية حلب، في الثمانينات من القرن التاسع عشر، تعتبر من نتاجه الثمين. اذا كان الشيخ الحلبي كامل الغزي هو الأهم بالنسبة إلى جميع الذين كتبوا ترجمة الشيخ الحلبي عبد الرحمن الكواكبي، باعتبار أنه كان من أصدقائه وشاهداً للأحداث التي وقعت في ولاية حلب وكان الكواكبي في طليعة صانعيها وضحاياها، فإن المقطع الخاص بصراع الكواكبي مع الوالي جميل باشا، الذي ورد في سياق المذكرات المعنونة، “تاريخ ما أهمله التاريخ من سيرة عبد الرحمن الكواكبي بطل الحرية وفقيد الشرق”، هو الأكثر أهمية. وتكمن أهمية ما نشره عضو المجمع العلمي العربي في مجلة “الحديث” الحلبية عام 1929، أنه تناول أقسى جولة من صراع الكواكبي مع الاستبداد ورموزه، وهي الجولة التي اشترك فيها معظم متنوّري حلب آنذاك، ومنهم الشيخ الغزي، وقد نالوا الكثير من مظالم الوالي، كالسجن والضرب والنفي ومصادرة المنازل والمزارع والمواشي.

ماذا في جعبة الشيخ الغزي حول الكواكبي والوالي؟

كان الوالي جميل باشا مستبداً كسلفه الوالي عارف باشا. وكما عطّل الأخير جريدة الكواكبي، “الشهباء”، العام 1877، بادر جميل باشا إلى تعطيل الجريدة البديلة، “اعتدال”، العام 1879. لكن الكواكبي الذي قاوم عارف باشا حتى تمكن من عزله، لم يتردد في مقاومة جميل باشا برغم معرفته بأنه أقوى من سلفه بسبب قيام والده نامق باشا بوظيفة رفيعة في قصر يلدز. كانت مقاومة الكواكبي اعلامية حقوقية، ويؤكد الغزي “ان جميع ما تسطره صحف الآستانة وبيروت في حق الوالي من مقالات الطعن والتنديد مستمد من قلم السيد عبد الرحمن”. ويضيف أن الكواكبي أسس مكتباً “لتسطير اللوائح الاعتراضية وتحرير معروضات المتظلمين من الحكّام المقدمة إلى المراجع العليا ومراجعة المحامين وارشادهم في ما يشكل عليهم من أحكام الأنظمة والقوانين”. وكان المكتب – وهو الأول من نوعه في ولاية حلب – أكثر ازعاجاً لجميل باشا من الحملة الصحافية، لأنه أصبح كدار ندوة يأوي اليها جميع أعدائه ومظلوميه فيدلّهم السيد عبد الرحمن إلى الطرق التي يتوصلون بواسطتها إلى قهره والتخلص من ظلمه، ويشجعهم على رفع شكاواهم إلى المراجع العليا، وهو الذي يتولى عنهم تحرير نسخ تلك الشكاوى المرسلة بالبرق أو مع البريد. يعود الغزي في مكان آخر من مذكراته إلى التأكيد أن “جميع الكتب والرسائل تركية العبارة محررة بقلم السيد الفراتي بلهجة يهتز لها عظماء الدولة وأكابر رجالها وتتأثر منها نفس ذلك السلطان القاهر الذي كان لا يهاب الملوك ولا يحسب لعظمتهم حساباً”. ومع ذلك، أو بالأحرى بسبب ذلك، كان “جميل باشا – يقول الغزي – من الولاة المحبوبين عند السلطان عبد الحميد والمحتلين لديه منزلة عالية لا تأخذه في محبته لومة لائم”. لذلك، كان يمكن أن يخسر الكواكبي الجولة الأخيرة، لو لم يقع خلاف عميق، في ذلك الوقت، بين الوالي والقنصل البريطاني في حلب. واذا علمنا أن بريطانيا كانت أقوى دولة في العالم آنذاك، وأن نفوذها في السلطنة العثمانية كان قوياً، أدركنا كم كان حظ الكواكبي وجميع أهالي حلب وأعيانها كبيراً. بل ان دخول الانكليز على خط الخلاف مع الوالي، كان أيضاً من حظ قرّاء الكواكبي الذين يرغبون في قراءة كل ما خطّه يراعه، بعد أن قرأوا كتابيه “طبائع الاستبداد” و”أم القرى”. ذلك أن الخارجية البريطانية تحتفظ بفواتير الخضر والفاكهة التي كانت ترسلها قنصلياتها بالحقيبة الديبلوماسية، فكيف وأن تلك الفواتير كانت مرفقة بالتقارير والعرائض والبرقيات الخاصة بأيّ شأن خطير يحدث في حيز القنصلية ويكون للقنصل علاقة به؟

لنقلب الصفحة، لمعرفة ماذا تحتضن ملفات خارجية بريطانيا العظمى، مما نوه به الشيخ الغزي؟

لم أتوجه إلى مركز التوثيق التابع للخارجية البريطانية من أجل اثبات براءة عبد الرحمن الكواكبي من تهمة العمالة للإنكليز. ذلك أن الكواكبي نفسه قد أثبت براءته من التهمة الخطيرة، في محكمة بيروت. كذلك، لم تتم الرحلة بهدف إثبات براءة الكواكبي من تهمة العمالة للطليان المتمحورة على الحيثية “الوجيهة” التالية وهي ان الكواكبي امتطى باخرة إيطالية خلال عودته من إحدى رحلاته الإستطلاعية في القارة الآسيوية.

لقد أمضيت أكثر من شهر في “كيو غاردن” من أجل الحصول على وثائق خاصة بالكواكبي في مركز التوثيق البريطاني الذي هو الأغنى بين جميع المراكز التابعة لوزارات الخارجية على الإطلاق. ومنذ بداية الرحلة التقميشية، افترضت ان القنصل البريطاني – قنصل الأمس هو سفير اليوم – في حلب لا بد أن يضمّن تقاريره العديد من الأخبار الخاصة بالكواكبي، اضافة إلى بعض أعداد جريدتي “الشهباء” و”اعتدال” اللتين أصدرهما في حلب في أواخر السبعينات من القرن التاسع عشر. ألم يكن للكواكبي قرص في كل عرس حلبي خلال السنوات الممتدة من 1877 تاريخ اصداره العدد الأول من “الشهباء”، إلى 1898 عندما غادر حلب إلى القاهرة؟ أليست إحدى مهمات القنصل الرئيسية تغطية أخبار قادة المدينة التي تقع قنصليته فيها، بخاصة الذين أمضوا حياتهم في الصراع مع الحكّام؟

ليس من المبالغة القول بأني عرضت أكثر من مئة ملف خاص بولاية حلب في تلك الحقبة. بل اني لم أترك ملفاً واحداً يتناول حلب كلياً أو جزئياً، يعتب عليّ.

من المؤسف أن تحتوي نصف الملفات على أمور سخيفة قياساً لعظمة بريطانيا في القرن الماضي حيث شمل نفوذها ثلاثة أرباع الكرة الأرضية. على سبيل المثل، فالسيدة البريطانية باركر أقامت دعوى ضد أحد الحلبيين بخصوص منزلها الحلبي. هل تصدقون أن تقارير القنصل وأركان حربه، ناهيك برسائلها – السيدة باركر – وأوراقها الثبوتية وشهادات الشهود، قد امتدت عشرين سنة، وملأت عشرين ملفاً؟ أشرت إلى ذلك، حتى لا أشير إلى فواتير القنصلية وقصص التراجمة التابعين لها، الشبيهة بالحماية البريطانية، فكأنها نسخة طبق الأصل بعضها عن بعض، فضلاً عن كثرتها وكثرة التفاصيل الممّلة فيها.

النصف الباقي من التقارير، يتناول أموراً سياسية خاصة بولاية حلب التي كانت تضم الشمال السوري برمته، بما في ذلك دير الزور وانطاكيا. لكن معظم هذه التقارير تتمحور على أحداث طائفية وتتناول سلباً أو ايجاباً، الطوائف وقادتها. صحيح ان الكواكبي كان عالماً دينياً، لكن كتاباته ومواقفه كانت تتخطى حدود الطائفة السنّية التي هو منها، لتشمل كل الأديان والمذاهب. وعندما تكون “كل” حلب محوراً لجهاد الكواكبي، ووحدة الحلبيين أحد أهدافه الرئيسية، تكون الشقة واسعة بينه وبين القنصلية البريطانية أو أي قنصلية قوية أخرى. فلا سعادة القنصل يكتب عنه إلى وزير خارجيته، أو يرسل بعض أعداد جريدتيه بالحقيبة الديبلوماسية. ولا هو يكتب إلى القنصل أو يسعى إلى مقابلته سراً كما كان يفعل بعض وجهاء حلب آنذاك.

لذلك خلت أطنان الأوراق الديبلوماسية الصادرة من حلب، من أي شيء يتناول الكواكبي وبخاصة “عمالته” للانكليز! وكان يمكن أن لا تأخذ الوثائق والبرقيات الكواكبية طريقها إلى الحقيبة الديبلوماسية، لولا حاجة القنصل هندرسون والملحق العسكري تروتر لها، نتيجة الخناقة الطويلة العريضة التي جرت بينهما من جهة وبين الوالي جميل باشا من جهة ثانية. ومن أجل أن يقنع هندرسون وتروتر وزير خارجيتهما بأن الوالي هو المعتدي، عززا تقريرهما المسهب – حوالى مائة صفحة – بمجموعة شهادات وشكاوى ضد الوالي، حرّر معظمها الكواكبي على حد تأكيد الشيخ الغزي.

ان صدام جميل باشا مع أركان القنصلية البريطانية، يختلف تماماً عن خلاف الكواكبي وغيره من قادة حلب، معه. الأول كان نزاعاً على النفوذ. والثاني كان صراعاً بين المستبد والأحرار. صحيح ان ضغط القنصلية البريطانية الذي تزامن مع ضغط الحلبيين، قد أدى إلى عزل الوالي القوي – كان ابن نامق باشا مستشار السلطان عبد الحميد – ، لكن ذلك تم بالمصادفة، أو على ضوء مصلحة الفريقين. فقد سبق للوالي أن نكّل بالكواكبي وغيره. لكن القنصل لم يحرّك ساكناً، لأنه كان على علاقة جيّدة به.

تحت عنوان “وثيقة قدمت إلى السيد هندرسون من مسؤول كبير في ولاية حلب وبخط يده، وقد أعطاها هندرسون إلى الميجور تروتر» استهل الكواكبي تقريره المستفيض بمقدمة فكرية قال فيها: “غني عن البيان أن الهيئة الاجتماعية، في كل زمان، لا تستمر الا بمؤازرة الحكومة، في الوقت الذي لا يستتب الأمر للحكومة إلا بالعدالة. وفي الحالة المعاكسة، فإن تاريخ القرون الغابرة برهن على أن المجتمع يندثر والحكومة تنهار. لذلك فإن الحكومة قد تعرضت لأزمات قوية طاولت أسس السلطنة التي هي الآن على حافة الانهيار. صحيح أن جلالة السلطان يبذل كل جهوده للحيلولة دون وقوع الكارثة، ولكن الارادة العاطلة والادارة السيئة لأركان الحكومة عطلتا جهوده”.

وأشار الكاتب إلى ما سبق ان نشره في الصحف حول فساد حكومة ولاية حلب وانحرافها، اللذين تضاعفا في ما بعد نتيجة سلوك الوالي جميل باشا الغريب الأطوار، مما نغص حياة سكان الولاية. أما أعيان حلب فكانوا الضحية الأولى لتصرفات سعادته الظالمة، وقد تعرضوا للتعذيب حتى الموت أو النفي، وحين رفع بعضهم الشكوى إلى السلطات العليا وحتى السلطان، كانت شكاواهم تصل إلى الوالي بواسطة أصدقائه وحماته، وتكون النتيجة أن أصحاب الشكاوى أصبحوا متهمين حيث عاقبهم الوالي بالاعتقال الكيفي أو الضرب في الشارع. وعندما رأى المواطنون وقوع أعيانهم كالنعاج بين مخالب “الصقر” اعتراهم الخوف، ووجدوا من المفيد الإنحناء أمام العاصفة، “بانتظار الخلاص بواسطة العناية الالهية”.

ضرب الكواكبي أمثلة مقرونة بالوقائع والأسماء تثبيتاً لاتهاماته: الدفتردار أمين أفندي، رفض أن يكون أداة فاسدة بيد الوالي، ونقل مظالمه إلى الباب العالي، وكانت النتيجة أنه أقيل من منصبه. أكثر من ذلك، فحين كان متوجهاً ذات عشية لزيارة المفتش السابق للمزارع السلطانية رفعت بك، تعرض للضرب المبرح على أيدي زعران الوالي الذين سرقوا ساعته وخاتمه.

مثل آخر؟ جرت خناقة بين مصوّر فرنسي يمتلك ستوديواً في حلب والميجور حافظ أفندي. ذات ليلة توجه بعض الجنود إلى منزل المصوّر بناء لأوامر الليوتنان كولونيل علي بك المعروف بأنه ألعوبة بيد جميل باشا، وأوسعوه ضرباً. أحيل الأمر على المحكمة. لكن الدعوى عُلّقت بحجة أن الحادث جرى ليلاً وتعذرت معرفة المذنبين.

ثمة مثل ثالث لا يخلو من الطرافة. كان في حلب رجل ثري جداً يدعى كتخده زاده (هو جد السياسي السوري الراحل رشدي الكيخيا الذي ترأس مجلس النواب أو الوزراء)، تولى لمرحلة طويلة عضوية مجلس الادارة. جميل باشا تودد اليه يوم كان قائداً للجيش في الولاية وعندما أصبح والياً. إثر وفاته توزعت ثروته على أبنائه الثلاثة وابنتيه. وكعادته، صمم الوالي على نيل جزء من الثروة. ولما رفض الورثة، أوعز إلى أحد رجال الدرك اقامة دعوى ضد ابنه البكر باكير آغا بتهمة قتل أحد أقربائه. اعتقل المتهم وسجن، ولم يطلق سراحه الا بعدما دفع للوالي سبعة آلاف ليرة عثمانية. ولم يتورع جميل باشا من القول لأحد أصدقائه أن بكاءه على الفقيد وتقبله التعازي برحيله كانا بهدف الحصول على بعض ثروته.

ويؤكد الكواكبي في سياق تقريره أن مثالب الوالي أكثر من أن تحصى. لذلك اكتفى بإضافة المثلبة التالية: مذ أصبح والياً لحلب، وضع يده على الكثير من الأراضي والمزارع التي تكفي لتأسيس دوقية – دويلة – وكما تناهى إليّ انه بات يملك بين 70 و80 ألف رأس غنم، وكمية مماثلة من حيوانات أليفة أخرى حيث يفوق ثمنها ثلاثة ملايين ليرة. ان راتبه معروف ومحدود، فمن أين حصل على تلك الأموال المنقولة وغير المنقولة؟ ذلك أن الوالي يمتلك عقارات كثيرة في القسطنطينية وحلب، اضافة إلى الأموال التي أودعها في مصارف أوروبية. ومن المؤكد – يضيف الكواكبي – ان كل هذه الثروة حازها بالأساليب الملتوية. وبواسطة الثروة والحماية من القصر السلطاني، تمكن من ارهاب المواطنين إلى درجة أن أحداً لم يعد يجرؤ على أداء الشهادة ضده اذا جرى تحقيق عنه أو معه. حتى اذا تظاهر الوالي بالثورة على السلطان، تردد الشعب في مجاراته خوفاً من أن تكون مناورة لمعرفة حقيقة الموقف الشعبي إزاء عبد الحميد.

وختم الكواكبي بما يمكن اعتباره تزكية لما قاله عنه صديقه الشيخ كامل الغزي حيث نوّه بصفته وكيلاً لمواطنيه الذين يطالبون بإنقاذهم من ظلم الحاكم العام.

أصل إلى البرقيات. الأولى، أرسلها الكواكبي من حلب بتاريخ 19 تموز 1886 إلى الصدر الاعظم ووزير العدل. روى في هذه البرقية كيف ان الوالي زاره في منزله متوعداً ومهدداً بسجنه ونفيه إذا استمر في دفاعه عن بيت الكيخيا واصراره على السفر إلى القسطنطينية من اجل ذلك. وسرعان ما نفذ وعيده حيث زج بالكواكبي وشقيقه في السجن، وصادر منزله مقدمة لاعطائه لأحد خصومه “مع اننا منذ اكثر من مائة عام نشغل المنزل”. ولم يتردد في توجيه عبارات مهينة وسوقية اليه، وبالطبع جنّد الوالي عدداً من اعضاء البلدية ورجال الشرطة لتحقيق مأربه.

البرقية الثانية، غير المؤرخة والمرفوعة إلى السلطان تفيد ان الوالي طرد حرّاس مزرعة الكواكبي، ونهب غلالها، ما أوقعه في دوامة القلق على مصيره الحياتي، خصوصاً “انه اضطر إلى الاستدانة من اجل دفع اجرة البرقيات”.

اما البرقية الثالثة، وهي الكبرى والأهم، فقد رفعت إلى السلطان والصدر الاعظم – رئيس الحكومة – بتاريخ 20 تموز 1886. نوّه في مستهلها بمضمون البرقيتين السابقتين حيث حاول الوالي اذلاله ومصادرة منزله. أضاف انه كان متبرعاً في تدقيق حسابات مستشفى جديد في حلب. وذات يوم، اقتادته فرقة من الشرطة مخفوراً من منزله الكائن في طرف المدينة إلى مبنى المجلس البلدي الكائن في الطرف الآخر وكأنه أحد “كبار المجرمين”. لدى وصوله، سأله الوالي عن اوراق المحاسبة، ولما أجابه انها في المنزل، اعاده إلى منزله مخفوراً وسيراً على الأقدام لجلبها له. عند وصوله المنزل، لم يُسمَح له بالدخول وجلب الأوراق المطلوبة، بل أُمر بالبقاء خارجاً، حيث تولى البوليس نقل كل محتويات مكتبه إلى خارج المنزل، كي يأخذ منها الأوراق. وبالطبع، أعيد إلى البلدية بالطريقة المذلّة نفسها. وقال الكواكبي في برقيته ان الوالي لم يتورع عن اذلاله رغم انه ينتمي إلى “اشراف حلب”، وتعتبره المدينة “احد ابرز علمائها الدينيين وفقهائها والخطباء”. وتساءل في البرقية عن المبرر الذي دفع بالوالي إلى اذلاله، وهو “البريء والشريف والعالم الديني”، على مرأى “من اصدقائه واعدائه”.

أخيراً رضخ السلطان لإرادة الجماعة المحقة والمظلومة، فكلّف صاحب بك، وهو قاضي القضاة المشهود له بالحزم والنزاهة، كي يسافر إلى حلب ويتولى التحقيق ويقترح التدبير المناسب. وفي أوائل أيلول 1886 وصل صاحب بك إلى المدينة الحزينة. وخلال مباشرته مهمته الصعبة، وقع حادث خطير كاد يمدد ولاية جميل باشا تسع سنوات اخرى، مع أن بطله استهدف، ليس فقط وضع حد لتلك الولاية، بل أولاً قصف عمر الوالي. خلاصة الحادث ان جميل باشا سحب رخصة المحاماة من المحامي الأرمني الحلبي زيرون لانه تجرأ على الدفاع عن بعض ضحاياه إضافة إلى وظيفته كمستشار حقوقي للقنصلية الفرنسية في حلب التي كانت ايضاً على خلاف مع الوالي. ولأن قطع الأرزاق من قطع الأعناق، اسودت الدنيا في وجه المحامي زيرون فسحب مسدسه، وكمن للوالي عند منعطف يقع بين منزله ومركز ولايته في 23 تشرين الثاني 1886. وحين اقتربت عربة الوالي العائد من مركز عمله إلى منزله، اطلق عليه زيرون ثلاث رصاصات فأخطأه. اعتقل وأودع السجن. لكن ترجمان السفارة الروسية الذي كان موجوداً قرب مكان الحادث رجّح ان شخصاً آخر أطلق النار. وليس مستبعداً ان يكون الحادث مدبَّراً من الوالي نفسه حتى يستدرّ العطف عليه. ومما يعزز هذا الاحتمال، ان جميل باشا رفع رسالة إلى السلطان يقترح عليه فيها تمديد ولايته مرفقة بتكرار ولائه. وسواء كان المحامي زيرون قد اطلق النار، أم ان العملية كانت مفبركة للإيقاع به، فإن نتائجها لم تكن لصالح الوالي لاقترافه غلطة الشاطر التي تعادل الألف غلطة.

فقد بادر إلى اعتقال أبرز وجهاء حلب ومفكريها، وفي طليعتهم عبد الرحمن الكواكبي، بتهمة تحريض المحامي الأرمني على قتله. اذ سرعان ما هاجت المدينة من ممارسات الوالي التي لا حدود للظلم فيها، وقرر سكانها التوجه إلى مركز البريد والاعتصام هناك حتى يقال جميل باشا من منصبه. واذا لم يُستجب طلبهم، فسيقومون بهجرة جماعية إلى مكان آخر خارج الولاية. كذلك، وقّع النائب العام وكل القضاة في الولاية عريضة، اعلنوا فيها عجزهم عن القيام بوظيفتهم في حال استمرار جميل باشا على رأس الولاية. واذا رفض طلبهم فإنهم يتمنون على جاويد باشا وزير العدل نقلهم إلى ولاية ثانية. ازاء هذا العصيان السلمي الشامل، صدرت ارادة سنية بنقل جميل باشا من حلب إلى بغداد. وبعد ربع ساعة من ازاحة الكابوس عن صدر مدينة حلب، افرج صاحب بك عن جميع المعتقلين.

أما لماذا لم يعزل السلطان عبد الحميد الوالي جميل باشا ويحاكمه ويزجّ به في السجن ويسترجع منه الأراضي والمنازل والأموال التي نهبها من الكواكبي وسائر أشراف حلب، فلسبب بسيط هو أنه كان قدوته في الفساد والاستبداد. فهل لدى المعجبين بالسلطان تفسير أو تبرير غير علكة رفضه بيع كل فلسطين لليهود الذين أنشأوا مئات المستوطنات في عهده الماراتوني الممتد من 1876 إلى صيف 1908؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*