الكذب السياسيّ الذي فيه نعيش

الأب صلاح أبو جودة اليسوعي
النهار
12082018

يخسر الإنسان نصف روحه يوم يصبح عبدًا”

(قول إغريقيّ) 

لماذا يتميّز اللبنانيّون ومنذ زمن بعيد بموقف اللامبالاة أو الانتظار السلبيّ تجاه الأزمات التي تنشأ بين سياسيّيهم عند اختلاف هؤلاء على تقاسم السلطة، حتّى ولو بلغت تلك الأزمات مبلغًا شديد الخطورة على عمل المؤسّسات الدستوريّة والعامّة واستقرار البلاد أمنيًّا واقتصاديًّا؟ لماذا، على سبيل المثال، لم تخرج تظاهرات شعبيّة كما حصل مؤخّرًا في العراق ويحصل الآن في إيران، تنادي السياسيّين بوقف مهزلة السجال الدائر بينهم بشأن تحديد الأحجام التي على أساسها سيتقاسمون الوزارات في الحكومة العتيدة، فتذكِّرهم بأنّ واجب السلطة خدمة المصلحة الوطنيّة والخير العامّ، وتوقظهم على التحديّات المعيشيّة والإقليميّة الجسيمة التي تواجه البلاد؟ من نافلة القول إنّ الجواب يكمن في نظام لبنان الطائفيّ الذي يُضعف الشعور بالانتماء الوطنيّ الجامع والذي يُسهّل استمرار الإقطاعيّة السياسيّة (بمعنى الكلمة التقليديّ وبمعنى القوى التي تفرض نفسها إيديولوجيًّا أو أمرًا واقعًا على بيئتها)؛ هذه الإقطاعيّة التي يبقى هدفها النهائيّ وربّما الأوحد خدمة المصلحة الشخصيّة أو الإيديولوجيّة التي تمثِّل في ذهن الإقطاعيّين، بوعي أو بلا وعي، المصلحة العامّة بل والخير العامّ، وتنطبع بالنزعة الفطريّة الشائعة في المجتمعات التقليديّة إلى إلغاء الخصم. لذا، فلا عجب ألاّ يكون بيد اللبنانيّين حيلة سوى انتظار نتائج سعي مرجعيّاتهم السياسيّة؛ فإذا توصّلت هذه المرجعيّات إلى اتّفاق يتنفّسون الصعداء، وإذا سلكت طريق المواجهة ينجرّون رغم أنفهم إلى التقاتل، إن لم يكن بالسلاح فبالكلام غير المسؤول، بل والمنحطّ والمفسِد.

ولكن ما يزيد الوضع مأسويّة انغلاق الحياة السياسيّة منذ اتّفاق الطائف إلى اليوم وبطريقة تفاقميّة متعمّدة، على هذه الحالة الإقطاعيّة – الطائفيّة، إذ تُقفل كلّ السبل الدستوريّة وغير الدستوريّة التي يمكن أن تؤدّي إلى تطوير نظام البلاد باتّجاه ديموقراطيّ فعليّ. وفي هذا السياق، يبرز بتزايد نوع جديد من الكذب في الخطاب السياسيّ، لا يقوم على المناورة لحجب الحقيقة أو خلق نظرة خاطئة عن الواقع أو الالتفاف على الخصم – أي ما يؤلّف تقليديًّا مضمون الكذب السياسيّ – بل على إيقاظ الأحكام المسبقة تجاه الآخر وتعزيزها. وهكذا، “فالآخر” هو مَن يعرقل الحياة السياسيّة، و”الآخر” هو مَن يمنعنا من بناء دولة القانون والمؤسّسات، و”الآخر” هو من يبحث عن مصالحه الضيّقة، و”الآخر” هو مَن ينشر الفساد أو مَن ينفّذ سياسات الخارج… والنتيجة حثّ اللبنانيّين على ألاّ يطلبوا الحقيقة بعقلهم، بل تغذية مشاعرهم الفئويّة القاتلة.

-1-

وبكلام آخر، يقضي هذا النوع من الكذب على إمكانيّة بحث اللبنانيّين عن الحقيقة من خلال نقد النظام القائم نفسه نقدًا موضوعيًّا يؤدّي إلى تحسين عناصره التي تقوّي الانتماء الوطنيّ الجامع وتروّج المبادئ الديموقراطيّة، ويُقصي تلك التي تذهب في الاتّجاه المعاكس. فإنّ هدف الخطاب السائد إن هو إلاّ عدم تصديق الخصم وتخوينه وتثبيت نزعة “نحن الصادقين” مقابل “هم الكاذبون” بدون أيّ نقاش ديموقراطيّ ضمن المؤسّسات الدستوريّة، مع لجوء متزايد لاستخدام الشبكات الإعلاميّة الحديثة التي تجتزئ الأخبار وتشوّهها وتخلق مجموعات أتباع منغلقة على نفسها، تكتفي بما يصلها من معلومات من مرجعيّاتها، تثق بها ثقة عمياء وتتغذّى منها.

-2-

يخلق هذا النوع من الكذب إذًا جوًّا مؤاتيًا لتأصّل الإقطاعيّة – الطائفيّة القديمة والحديثة على السواء التي تلوّث نظرة اللبنانيّين بعضهم إلى بعض وإلى وطنهم. فمن لا ينجرّ مع لعبة الكذب، يغرق في اليأس أو اللامبالاة. ومن المؤكّد أنّه لن يجد سبيلاً إلى حبّ وطنه ولو رغب في ذلك، إذ يصبح هذا الحبّ نفسه بسبب هذا الخطاب السياسيّ مبهمًا: فعلى أيّ لبنان يتكلّم السياسيّون اليوم ويدّعون أنّهم يؤمنون به ويريدون تطويره؟ يؤدّي الكذب السياسيّ، في الواقع، ليس إلى حماية الأحزاب (بمعناها المحليّ) والمصالح الشخصيّة الملازمة إيّاها فحسب، بل إلى الانحراف بمفهوم السياسة نفسه؛ فما نعيشه إفلاس حقيقيّ يصيب صميم الحياة السياسيّة؛ فأيّ أخلاق المسؤوليّة (كما فهمها ماكس فيبر) تُلهم الكذب السياسيّ السائد وأيّ روح وطنيّة؟

-3-

يُساهم الكذب السياسيّ في إبقاء اللبنانيّين في عبوديّة الحالة الطائفيّة التي يُحسن السياسيّون توظيفها لمصالحهم. يُلغي هؤلاء باسم الطائفيّة التي باتت علّة وجود سلطتهم الوحيدة كلّ رغبة في تطوير النظام، ويحولون دون بروز أيّ رغبة في الانعتاق من تلك الحالة من خلال ترويج “مصلحة الطائفة” التي تعلو كلّ مصلحة أخرى، إذ لا يتركون أيّ مجال ليعبّر اللبنانيّون عن خياراتهم الشخصيّة والوطنيّة خارج الإطار الطائفيّ ومصطلحاته. وتسلك المرجعيّات الدينيّة، ويا للأسف، أحيانًا كثيرة هذا السلوك، إذ نراها ترفع صوتها عاليًا للدفاع عمّا يبدو لها “مصالح طائفتها”.

لذا، فإنّ مجتمعنا مجتمع عبوديّة بامتياز؛ مجتمع لا حريّة فيه سوى حريّة وهميّة يتاجر بها الإقطاع السياسيّ – الطائفيّ. إنّه مجتمع الطائفيّة الإلزاميّة التي تُكره اللبنانيّ إمّا على اليأس وإمّا على الجنون وإمّا على الكذب، فيقنع نفسه بأن لا وجود له خارج طائفته، ولا ضمانة له إلاّ مرجعيّته الإقطاعيّة. بل يخلق هذا الكذب عنده حالة رعب من أن يكون لبنانيًّا من دون انتمائه إلى طائفة، إذ لا يرى نفسه خارج “القطيع”. وفوق كلّ ذلك، يختبر أنّ انتماءه الطائفيّ وولاءه لمرجعيّته أهمّ بكثير من كفاءته المهنيّة ومرجعيّة ضميره المهنيّ في تحمّل مسؤوليّاته في المجتمع.

لا أمل للبنان في ظلّ سياسيّين أصبح الكذب السياسيّ قوتهم اليوميّ؛ إنّهم لا يريدون بناء وطن، بل ترسيخ حالة العبوديّة وزيادة خوف الناس من عدم طاعتهم، إذ أصبحوا هم مَن يقرّر مصيرهم. وما هذه الحالة إلاّ نتيجة من نتائج الانتخابات “الديموقراطيّة” الأخيرة. فهل سيكون الآتي أعظم؟

أستاذ في الجامعة اليسوعيّة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*