الكتاب الذي غَيَّر إنجيلا ميركل

المصدر: “الغارديان”

10 كانون الثاني 2017
النهار

انجلا مركل
ترك كتاب “تحوّل العالم” (The Transformation of the World) ليورغن أوسترهامل أثره على المستشارة الألمانية، انطلاقاً من قراراتها الأخيرة.
فيما كانت أنجيلا ميركل تمضي فترة نقاهة بعد تعرّضها لحادث تزلّج عام 2013، قرأتْ مجلداً من 1500 صفحة عن القرن التاسع عشر بقلم المؤرّخ يورغن أوسترهامل بعنوان “تحوُّل العالم” (The Transformation of the World). بعد بضعة أشهر، وجّهت دعوة إلى أوسترهامل لحضور حفل عيد مولدها الستين، ليس فقط للمشاركة في الاحتفال إنما أيضاً لإلقاء محاضرة لمدة ساعة.
كان موضوع المحاضرة “التاريخ والزمن”، ومَن هم مطّلعون على أعمال أوسترهامل يستشفّون تأثيره في نظرة ميركل إلى العالم، لا سيما في الجزء المتعلق بآرائه عن العولمة والهجرة والتكنولوجيا.
الإعجاب متبادل. فقد كتب أوسترهامل في جوابه على أسئلة “الغارديان” عبر البريد الإلكتروني: “على الرغم من أنني لست عضواً في الاتحاد الديموقراطي المسيحي، ومع أنني كنت أقترع في السابق للحزب الديموقراطي الاجتماعي، أنا من المعجبين شخصياً بالمستشارة”.
يقرّ أوسترهامل: “غالب الظن أن قلة من الأشخاص قرأوا كتابي من بدايته حتى نهايته. ليسوا مضطرين إلى ذلك، وآمل بأن المستشارة لم تقرأه كله. هناك عدد كبير من الكتب المهمة الأخرى التي يمكن التعلّم منها. إنه أمر مدهش أصلاً أن يقرأ سياسيون كبار كتب تاريخ”.
يرفض المؤرّخ فكرة أن كتابه مارس تأثيراً مباشراً على سياسات ميركل. غير أن أجزاء كثيرة من العمل – عن العولمة والهجرة والتكنولوجيا، وغيرها من المواضيع ذات الصلة – تُفهَم من منظار مختلف على ضوء القرارات التي اتخذتها ميركل منذ قرأت الكتاب، مثل أسلوب التعامل مع اليونان في ذروة أزمة منطقة الأورو.
إذا كانت أوروبا قد تمكّنت من التفوق على الصين اقتصادياً في القرن التاسع عشر، فالسبب بحسب أوسترهامل هو أن الأمبراطورية الصينية كانت تعاني من وطأة “المنظومة المزدوجة الفوضوية” حيث كانت تُستخدَم القطع النقدية الفضّية والنحاسية، في حين أن الجزء الأكبر من أوروبا كان قد ابتكر “عملة موحّدة بحكم الأمر الواقع” في إطار الوحدة النقدية اللاتينية لعام 1866.
يقول أوسترهامل إنه انطلاقاً من عدد قليل من المحادثات المقتضبة التي دارت بينه وبين ميركل، يمكنه أن يستشفّ أنها “فائقة الجدّية في موضوع الطريقة التي تطوَّرَ بها النظام العالمي (أو اللانظام العالمي) في المدى الطويل. يبدو أنها تدرك، مثلاً، أنه للهجرة والحرَكية بعدٌ تاريخي”.
غالباً ما يوصَف القرن التاسع عشر بأنه مرحلة صعود القومية، عندما بدأت الدول في مختلف أنحاء أوروبا بتطوير أفكار متمايزة حول هويتها. غير أن أوسترهامل، وهو أستاذ في جامعة كونستانز كتب أطروحته عن الروابط الاقتصادية للأمبراطورية البريطانية مع الصين، يُقدّم القرن التاسع عشر في صورةٍ مختلفة تُظهره بأنه كان مطبوعاً بالعولمة، وقد شكّلت الفترة الواقعة بين عامَي 1860 و1914 على وجه الخصوص “مرحلةً سادها تكوينٌ غير مسبوق للشبكات” التي مزّقتها لاحقاً حربان عالميتان.
يُبيّن كتاب “تحوّل العالم” الذي صدر لأول مرة عام 2009 وتُرجِم إلى الإنكليزية عام 2014، كيف ألهمت الابتكارات التكنولوجية، مثل كابل التلغراف الأول الذي جرى مدّه عبر قناة المانش عام 1851، صعود التقارير الاستقصائية، ما غيّر بدوره ديناميات السياسة.
على الرغم من أن الكتاب الذي يُعتبَر أعظم أعمال أوسترهامل هو في الواقع بمثابة تأريخ عن العولمة المبكرة، يحاذر الكاتب استخدام الكلمة. ويعلّق في هذا الإطار: “أفضّل استخدام عولمات في الجمع، والتي تعني أن مجالات الحياة المختلفة تخضع لعمليات توسيع بسرعات متفاوتة، ومع نطاق وحدّة محدّدتَين”.
يضيف: “إذا تمسّكنا بمفهوم “العولمة”، يجب الا نرى فيها مسيرة مستمرة من دون انقطاع نحو “حداثة عالمية” متخيّلة. إنها حزمة من التطورات المتناقضة”.
ويقول أوسترهامل: “في حين أنه ربما خضع الاقتصاد أو المعلومات للعولمة، لم يؤدِّ ذلك إلى تعميم أخلاقيات كوزموبوليتانية بما يتناسب مع تلك العولمة، هذا إذا استثنينا طبقة صغيرة مؤلّفة من نخبة مثقّفة ومتحرّكة”.
ويلفت إلى أن “العولمة ليست عملية كبرى سلسة وحميدة مثلما كان يُنظَر إلى “التحديث” قبل خمسين عاماً. إنها دائماً متفاوتة ومتقطّعة ومتناقضة ويمكن العودة عنها، وتولّد رابحين وخاسرين، وليست قوة من قوى الطبيعة بل إنها من صنع الإنسان”.
يُظهر كتاب “تحوّل العالم” كيف حقّق التنقّل الحر بين الدول والقارات نمواً مستمراً في الثلثَين الأولين من القرن التاسع عشر، أما جوازات السفر، والرقابة على الحدود، والتعرفات التجارية فلم تبتكرها أوروبا إلا على مشارف القرن العشرين.
لسخرية القدر، أمضت ميركل الجزء الأكبر من العام 2014 بوجود رئيس وزراء بريطاني مارس ضغوطاً لديها من أجل كبح الهجرة في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، لكنها كانت قد قرأت في كتاب أوسترهامل في مطلع العام أن بريطانيا قاومت انعطافة أوروبا القارية نحو كره الأجانب في أواخر القرن التاسع عشر، وسمحت للأجانب بدخول البلاد من دون التسجّل لدى الشرطة.
يجد أوسترهامل، الذي أمضى أربعة أعوام في “المعهد التاريخي الألماني” في لندن، كلمات إيجابية كثيرة لوصف الدور البريطاني في تطوير الشبكات العالمية في القرن التاسع عشر في شكل عام. ففي حين يشير إلى أنه لن يذهب أبداً إلى حد القول بأن الأمبراطورية البريطانية كانت أمراً جيداً، يردف أنه “من المستحيل تخيّل التاريخ من دون أمبراطوريات وإمبريالية”.
يعتبر أوسترهامل أن “الأمبراطورية البريطانية كانت محرّكاً أساسياً للتغيير العالمي في التاريخ الحديث. عندما تدين كل الأمبراطوريات بالشدّة نفسها، تفوتك على الأقل نقطتان مهمتان. أولاً، كانت الأمبراطورية البريطانية أقل لجوءاً إلى القتل بقليل من الأمبراطوريتَين الألمانية واليابانية في الثلاثينات والأربعينات. وثانياً، نقلت فكرة الحكومة الدستورية وسيادة القانون وطريقة ممارستهما إلى أجزاء عدّة في العالم. تضيء نظرة سريعة إلى هونغ كونغ في الزمن الحاضر على هذه النقطة”.
من المواضيع التي تتكرّر في الكتاب أن التمييز بين الغرب والشرق غير مجدٍ في معظم الأحيان عند محاولة فهم القرن التاسع عشر، وهذا التمييز الذي جرى اختراعه في القرن العشرين، يصبح مجدداً غير ذي صلة بصورة مطردة. يقول أوسترهامل: “فظاظة حديثي النعمة في المجتمعات المصدِّرة للنفط، والفظائع في حلب وبغداد وكابول تُعلِن نهاية أيّ “شرقٍ” رومنسي”.
يضيف: “والغرب ككيان ثقافي عبر الأطلسي يتفكّك أمام عيوننا. إنه يتحوّل فزّاعة يستخدمها [فلاديمير] بوتين و[رجب طيب] أردوغان”.
إذا وجدت ميركل نفسها تتمعّن في الاضطرابات الاجتماعية التي تتسبّب بها الرقمنة أو التحوّل نحو العصر الرقمي متّخذةً منها الموضوع الأساسي في حال ترشّحها لولاية رابعة في المستشارية، يحذّر أوسترهامل من أن “الدروس” التي يمكن أن تستمدّها من الحقبات السابقة “قليلة جداً”، مضيفاً: “استغرقت ابتكارات أساسية كثيرة في القرن التاسع عشر عقوداً عدّة كي تنضج؛ اليوم، يمكن أن يكون التغيير سريعاً بطريقة لا تُصدَّق، ليس فقط في مجال تكنولوجيا المعلومات إنما أيضاً في التكنولوجيا الحيوية”.
يعتبر أوسترهامل أن التهجّمات السياسية اللاذعة على الخبراء والأكاديميين أمثاله قد لا تكون نابعة من ازدراء حقيقي بقدر ما هي نابعة من الإدراك بأن السياسيين يعتمدون عليهم أكثر من أي وقت آخر.
ويعلّق في هذا الصدد: “يجد السياسيون صعوبة في استيعاب تداعيات هذه التغييرات. عليهم الاعتماد على خبراء لا يمحضونهم الثقة بتاتاً – مع الإشارة إلى أن أنجيلا ميركل، التي تدرّجت في علوم الكيمياء البحثية، هي أقل تشكيكاً بالخبراء من القادة الآخرين”.

 ترجمة نسرين ناضر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*