القناة والميليشيا والنظام


جهاد الزين
النهار
13052017

ميليشيا حركة أمل هي الميليشيا الوحيدة التي لا تزال ناشطة في الشارع في بيروت.

في المناطق خارج بيروت كل الميليشيات ناشطة في الشارع لا فارق بين جنوب وجبل وبقاع وشمال. وناشطة بلباس الدولة خارج الشارع.

 هل شاخ نبيه بري؟ ليس من دلائل مباشرة تجعل وضعه مختلفا عن رؤساء الميليشيات الأخرى الحاكمين، بالعكس وكجزء من الشيعية السياسية الحاكمة مع السنية السياسية والدرزية السياسية والمارونية السياسية تبدو هذه الشيعية من حيث سيطرتُها الأمنية المطْلَقة على مجتمعها والشعبية الواسعة المنتشرة فيه وخلفيتها الإقليمية المتمثلة بنظامين قويين في المشرق هي أكثر تماسكا من أي طائفيّة سياسية أخرى في لبنان.

كي أكون صريحا مع الزملاء في “قناة الجديد” أنا بالنسبة لي عندما أرسل رئيسُ مجلس النواب العام المنصرم مجموعةَ “خندق الغميق” للضرب العلني لعدد من متظاهري الحراك المدني أمام مقهى “لوغراي” على المسمع والمرأى الوقحين للمسؤولين السياسيين الذين جعلوا قوى الأمن في موقع العاجز عن أي تدخل… عندما حصل ذلك يومها كنتُ مُفاجَأً أكثر بكثير من مفاجأتي عندما بدأت مجموعته “المدنية” الهجوم على قناة الجديد المرة الأولى المعلَنة وربما الثانية المرجّحة اليوم لسبب رئيسي هو أن شباب الحراك المدني هم عُزّلٌ بكل معنى الكلمة بينما الزميل تحسين خياط ليس أعزلَ سياسيا وهو جزء من علاقات متينة ويعرف أن يدافع إعلاميا عن نفسه أمام أي تجاوز للخلاف بينه وبين نبيه بري يلجأ فيه الثاني إلى الوسائل الشارعية.

سؤالي يومها، يوم الحراك المدني المهان كيتيم، لنفسي: لماذا فقط نبيه بري لا زال يلجأ إلى هذا الأسلوب في بيروت بينما الميليشيات الأخرى انكفأت في بيروت، وليس في المناطق، خلف أثواب الدولة مع استثناء لمجموعة “طريق الجديدة” التي تنزل أحيانا عندما ترى مراجعُها أنها “الضرورة الشديدة” لتفريق مجموعة متظاهرين ضد بناء مستشفى غير مرغوب بيئياً في حرش بيروت أو مشروع مقاولات آخر؟ لكن الأستاذ نبيه رغم كل ما حققه من ترسيخ فعلي لموقعه السياسي لا زال يتمسّك في بيروت بهذا الأسلوب. لماذا يا ترى؟ وهو النافذ في القضاء والأمن الرسمي والإدارة والاقتصاد؟ هل من مشكلة مزمنة خاصة تتعلق بمدى ثقة نبيه بري بموقعه السياسي؟ وهي قلة ثقة بهذا الموقع الذاتي ستكون عجيبة قياسا بما حققه بمعايير النظام الطائفي اللبناني من نجاح شخصي بمعزل عن معايير النجاح والبقاء التي لا يختلف فيها عن غيره من رموز النظام السياسي في كل الطائفيات؟ لماذا يصر على اعتبار هذا الأسلوب جزءا من “النجاح” وغير قابل للمراجعة؟

تبقى لي هذه الملاحظة:

أنا صحافي. تضامني مع القطاع الإعلامي طبيعي بل بديهي حين يَخدش أحدٌ صغير أو كبير فسحةَ حريات هذا القطاع الذي لا زال أحد مصادر الحالة اللبنانية الخاصة في المنطقة. أحد المصادر البارزة في بلد مهم ذي دولة تافهة. بلد مهم جدا ببعض جامعاته وبعض شبكات مدارسه وتحاول صحافته المطبوعة والمرئية والمسموعة أن تجدد موقعها بصعوبات فائقة وبتواطؤ بنيوي، أحيانا مؤلم، مع الاستابلشمانت المفتّت الموحّد.

… ودولة تافهة بسلطتها الضعيفة ونظامها السياسي القوي. لذلك في الواقع التضامن هنا هو ضد الاعتداء ضد الزعرنة أيا كانت مهنة المعتدى عليه. لكن تضامني هذا ليس غير مشروط. مشروط بالحالة العامة، بكون ما حصل جزءا بسيطا من أزمة نظام سياسي فاسد. هذا ما عندي إذا كان لا بد من إعطاء الرأي لأسباب أخلاقية على الأقل. لكن ماذا أنتظر ضد الميليشيات ؟ لا شيء.

الباقي كلام فارغ.

لبنان ليس دولة قانون طبعاً ولكن انكسار شاشة من شاشاته يجعل الحياة أصعب في أدغال بيروت.

والحمد للآلهة على سلامة جميع الزملاء في “قناة الجديد”.

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*