القرضاوي، “الجزيرة”، “الإخوان المسلمون” وقطر


مروان اسكندر
23062017

خريف 2014 بعد سنة وبضعة أشهر على تولي الشيخ تميم قيادة قطر وعقب شكوى السعودية والامارات العربية المتحدة والبحرين من تغطية “الجزيرة” لمسيرة الحكم في البلدان المعنية، قررت حكومات هذه البلدان سحب سفرائها من الدوحة واقفال سفارات قطر في كل منها.

استمر الاحتدام الديبلوماسي أربعة أشهر ومن ثم تعهد الشيخ تميم في الرياض إلغاء البرامج الانتقادية للبلدان الثلاثة وترحيل سبعة شيوخ سلفيين كانوا يحتلون مواقع اعلامية في”الجزيرة” وينتقدون حكام السعودية والامارات العربية المتحدة والبحرين بشدة.

تم تسفير الشيوخ السلفيين، وبالطبع ذهب هؤلاء الى تركيا، اذ ان رجب طيب اردوغان كان يستمع الى تحليلات الشيخ يوسف القرضاوي الذي كان هو من أتى بالشيوخ السلفيين، وبعد ترحيلهم، استمر الشيخ القرضاوي في التأثير على برامج “الجزيرة”، والازمة الاخيرة حصيلة قيادته الدينية وان من وراء الستار.

أهمية الازمة وامكانات التوصل الى حلول لها تستدعي الالمام بشخصية الشيخ يوسف القرضاوي واتساع تأثيره على المسلمين في قطر، ومصر، وحتى في بلدان اوروبا الغربية.

موضوع الشيخ يوسف القرضاوي يستحقُّ العرض ببعض الاطالة. فهذا الاسلامي المتشدِّد الذي وفد على قطر عام 1961 واسهم في انشاء معهد للدراسات الاسلامية صرَّح في مقابلة مع صحافية فرنسية وصحافي فرنسي معروف هما Vanessa Ratignier و Pierre Pean في نيسان 2013 أي خلال سنة حكم محمد مرسي الاخواني في مصر عندما كان القرضاوي قد اصبح قائد “الاخوان المسلمين”، وقد سجَّلا تصريحاته في كتابهما المعنون Une France sous influence, Quand le” Qatar fait de notre pays son terrain de jeu” أي “فرنسا الخاضعة للتأثير، متى تستطيع قطر جَعْلَ فرنسا ملعبها” في السياسة الدوليّة. والكتاب صدر عام 2014 في478 صفحة، والمقابلة يمكن اختصار اهمّ ما أدلى به فيها الشيخ يوسف القرضاوي كالآتي:

يقول الشيخ القرضاوي إنه المرشد الروحي لأمير البلاد، وإنه ليس زائرًا في قطر، فهو وَفَدَ الى قطر عام 1961 ولم يغادرها إلاَّ الى مصر بعد انتخاب محمد مرسي صيف 2012 وهنالك اصبح القائد الرئيسي لحركة “الاخوان المسلمين”.

كما يقول إنه يؤمن بالخلافة الاسلامية، والخلافة تعني قيادة المسلمين في مختلف انحاء العالم حيث يشكلون الاكثرية، وبالتالي ليست ذات حدود لدولة معيَّنة.

وهو يرى أنَّ انفتاح قطر على اسرائيل يناقض قناعاته، لكنَّه يكتفي بالانكفاء عن المشاركة في اية مناسبات يتمثل فيها الاسرائيليون في قطر.

بالنسبة الى المسيحيين، يعتبر ان الحوار معهم ضروري وانهم بالفعل من أهل الكتاب، أمَّا اليهود فهم من صَلَبوا عيسى ولا يُمكِنُ اعتبارُهم من أهل الكتاب.

وهو يبشِّر بالتعاليم الاسلامية سواءٌ في الكتب التي ينشرها أو في الجمعيات الاسلامية المنتشرة في العالم، واخصُّها في بريطانيا وفَّرنسا، والبرامج التي يقدِّمها في “الجزيرة”، ومنها برنامج يفسَحَ في مجال طرح الاسئلة عن القضايا الشرعية عليه للإجابة عنها.

وهو يؤمن ايمانًا عميقًا بان تطبيق تعاليم الاسلام الحقيقية يوفَّر خلاصًا للعالم من المتاهات التي يعانيها، وبالتالي يأمل في انتشار التعاليم الاسلامية عبر مختلف وسائل الاعلام، وكان يدعو لمشاركته في نشر التعاليم الاسلامية شيوخًا معروفين بتقرُّبهم من السلفية سواءٌ في الكويت أو السعودية.

قناعات الشيخ يوسف القرضاوي ومنطلقاته تتوضَّح الى حدٍّ أبعد من المقاطع الآتية التي ادلىَ بها في المقابلة، فهو قال بالحَرْف الواحد: اعتبر نفسي مسؤولًا عن جمهور المسلمين، وأخاطبُهم بوَساطة كتبي، برامجي التلفيزيونية، خطاباتي في المساجد، والمؤتمرات، والتدريس في الجامعة، ولذلك انشأت في لندن عام 2004 الاتحاد الدوليّ لعلماء المسلمين الذي أرأسُهُ، وعن سبيل الاتحاد الدوليّ اصبحت من قادة حركة الاخوان المسلمين التي أسسها في مصر عام 1928 حسن البنَّا.

هدفُ الجمعية التي تأسَّست في لندن اسلمةُ المجتمع من القاعدة عن سبيل تطوير تيار التكامل عبر الجمعيات الخيرية وتغذية مختلف مُكوِّنات الشبكة الاجتماعية.

وقال أيضاً إنه نادم على انقضاء عَصْرِ الخلافة الذي انقضى على اثر انقلاب مصطفى كمال في تركيا الامر الذي بَعْثَرَ المسلمين. وقد وضع حسن البنَّا، مؤسِّس “الاخوان المسلمين”، مشروع تمييز المسلمين عن غيرهم الذين ندعوهم الغربييّن الذين يدْعُونَ الى قيام الدولة المدنَّية – لا الديِّنية – وابعاد الدين عن الدولة. وكان للإخوان هدف ثانٍ، هو انهاء تعسُّف البريطانيِّين الذين كانوا يحكمون مصر آنذاك.

اصبح حسن البنَّا بعد وفاته في سجنه عام 1949 بمثابة الشَّهيد الحيِّ، وغيابه فتح الباب لقيادة السيِّد قُطْب الذي اصبح مفكِّر “الاخوان”، وقد اختار العنف للوصول الى السلطة لأنَّ المسلك اللاعُنفيّ، حسب قناعته، لم يكن يؤدي الى أي نتيجة. ولهذا السبب شجَّع على محاولة اغتيال جمال عبد الناصر عام 1956، الامر الذي أتاح لعبد الناصر فرصة التَّنكيل بـ”الإخوان” وكان حظُّ الشيخ يوسف القرضاوي السَّجن ثلاث مرَّات، وتجريده من الجنسيَّة المصريَّة، الامر الذي دفعه الى الهجرة الى قطر حيث وجد التُّربة الصالحةِ لتشجيع التَّفكير الاسلامي المتشدِّد، وقيادة البلاد نحو مناصرة أهداف “الاخوان”.

الشيخ يوسف القرضاوي لَقيَ في قطر التَّرحيب والتشجيع مادياً ومعنوياً، فانشأ مركز الدِّراسات الاسلامية الذي موَّلته الحكومة القطرية منذ الستينات، وقبل انقضاء عقد التسعينات، وكانت قطر بدأت تحقَّق مردودًا مقبولًا على صعيد صادرات النِّفط والمنتجات السائلة المُرافقة لإنتاج الغاز. استجاب القطريون لطلب الشيخ القرضاوي توفيرَ مبلغ – قد يكون قرابة 100 مليون دولار – لتأسيس مصرف خاص بهم سُميَ مصرف التقوى الاسلامي وتأسَّس في جزر البهاماس، حيث الرَّقابة على العمل المصرفي كانت مُتَساهلة ومشجِّعة على استقطاب رؤوس الاموال، وكان الشيخ يوسف القرضاوي من مؤسِّسي هذا المصرف الذي أنشأ له فرعًا في جنيف.

كان من نشاطات مصرف التقوى الاسلامي مناصرة تحرُّكات الاخوان في عدد من الدول العربية منها مصر وحركة النَّهضة في تونس، لكنَّ هذا النشاط استرعى انتباه السلطات الاميركية التي كلَّفت اختصاصيًا في الشُّؤون المالية والمصرفية اسمه جوان زاراتي  دراسة اعمال مصرف التقوى وتحويلاته وجاء في تقرير له في تاريخ 31/12/2001 أنَّ هذا المصرف وفَّر لتنظيم “القاعدة” مبلغ 60 مليون دولار، وهذا التقرير اُنجزَ وقت كانت الادارة الاميركية مشحونةً تجاه المُسلمين المتشدِّدين بعد هجمات 11 ايلول 2001 وانهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقتل أكثر من 3000 من الموظَّفين وزبائن مؤسسات المَبْنَيين اضافة الى تفجير طائرة في أحد اجنحة “البنتاغون”. ونتيجة التقرير والاحتدام الاميركي، حوّل المصرف الى شركة استثمارية في جنيف، وسُرعان ما أُغلقت ابوابها تفاديًا للضَّغط الاميركي.

“الجزيرة” اضطُرَّت في تشرين الثاني من عام 2014 الى ايقاف برامج الشيخ يوسف القرضاوي بعد سحب سفراء الامارات والسعودية والبحرين من قطر، احتجاجًا على سياساتها المتطرِّفة وبرامج “الجزيرة”، الامر الذي دفع الامير الجديد الشيخ تميم بعد توليّه الحُكمَ اوائلَ شهر تموز 2013 الى مصالحة هذه الدول، وتوقيع اتفاق يُحظِّر على “الجزيرة” مشابهة برامج “صوت العرب” أيام عبد الناصر والغاء برنامج القرضاوي وزملائه من الشيوخ السلفيِّين، وكلُّ ذلك تحقَّق.

انتقادات الرئيس بوش الابن لبرامج “الجزيرة”، والاغارة على مكاتب “الجزيرة” في العراق وأفغانستان، واخضاع نشرات الاخبار لموافقة السفارة الاميركية في قطر، وادخال بعض الاخبار واللقطات التلفزيونية التي تخدم المصالح الاميركية، باتت تنتقص من ادعاء استقلالية “الجزيرة” ومناصرتها للرأي الحر، والقضايا الاجتماعية المُلحَّة، والحُرِّيات السياسية.

منذ 2004 وحتَّى 2009 كانت “الجزيرة” رهينة ايحاءات الرئيس بوش الابن ومواقفه، وكبار المعلِّقين واصحاب البرامج في الشبكة ادركوا أنَّ الامر خرج عن سيطرة الامير وتشجيعه السابق على انتقاد الحُكَّام العرب. واستمر الحصار الاعلامي على “الجزيرة” الى حين انتخاب باراك اوباما عام 2008 وتوليّه الرئاسة اوائل 2009.

يبدو على رغم تعهدات الشيخ تميم انه هو أيضاً صار يعتبر الشيخ يوسف القرضاوي المرشد الروحي والديني وقد اعاد “الجزيرة” الى احضان القرضاوي و”الاخوان المسلمين” فكانت الازمة الحالية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*