الفيلم المغربي «ألوَانٌ في المَنفَى»… التشكيلي بين الجَحِيم والنعيم

 

لحسن ملواني
Dec 22, 2017
القدس العربي

كثير من المبدعين، ومنهم التشكيليون وغيرهم، لم يشتهروا ولم يُعرفوا حتى تواروا تحت التراب، فلم يستفيدوا من نتاج إبداعاتهم، وعاشوا فقراء يشتغلون في الظل والصمت، يستبد بهم الجوع والفاقة، فيخضعون للموت البطيء حيارى مكابدين من أجل إبداعاتهم الحاملة لرؤاهم العميقة إزاء واقع البشرية، في الوقت الذي يقتات البعض ويغتني على إيرادات مجهوداتهم. لقد مات فان غوخ فقيرا مُعدما، ولم يستفد من إبداعاته ذات الصيت العالمي، التي بيعت بالملايين، وهو الذي لم يبع إلا لوحة واحدة في حياته، عاش مشردا ومضطربا بين المتناقضات. تلك القضية هي محور الفيلم المغربي «ألوان في المنفى»، إخراج مصطفى مضمون، سيناريو وحوار محمد اليوسفي. وأداء كمال كاظيمي وآمال صقر.

جمال

يحكي الفيلم عن رسام يدعى «جمال» رفقة صديقته «مارية» التي ترافقه وتلازمه في مرسمه وفي حياته اليومية، لتقف على إبداعاته، ومدى ما يجنيه منها «بوليتو» الوسيط المستفيد كثيرا على حسابه. لم يَرُقِ الأمر لمارية، ما حدا بها إلى التفكير بحيلة للاغتناء من إبداعات جمال، حتى تنجح في إقناع جمال بالاختفاء لتدعي أنه مات، وبذلك سترتفع أثمان لوحاته.

الجحيم

نفذت مارية الحيلة، وتمكنت من الاغتناء بالفعل، فبعد إخفاء جمال بنفيه إلى كوخ في غابة نائية، قامت بتحركات مكنتها من تجاوز الوسيط «بوليتو» إلى مستخدمه، فتمكنت بما حصلت عليه من أموال من شراء فِيلا جميلة، وصارت لها خادمة، في الوقت الذي يعيش زوجها وحيدا معذبا مغتربا على وشك الجنون، وحين ألح على العودة معها إلى المدينة، جاءت به ليلا إلى فيلاتها غاضبة، وهناك اندهش لما بلغته ثروتها، إلا أنه حينما شاهد ملابس رجال في خزانتها، اتهمها بالخيانة وأصر على العودة إلى منفاه متذكرا تهديدها له بالموت سابقا. وهناك سيرسم لوحة كتب رفقة توقيعه وبخط خفي عبارة «أنا تحت العتبة» وهذا ما سيجعل رجال الأمن يهتدون إلى مكانه ـ ميتا ـ حين حفروا تحت عتبة الباب حيث وجدوا جثته وقد تم قتله بدس مارية السم له في كوبِ قهوة، ويُقبض عليها وهي تهم بالمغادرة نحو الخارج، لتبدو في السجن وهي تعيش ضجرة على وشك الجنون متذكرة زوجها في بعض لحظات اغترابه في منفاه.

المعالجة الدرامية

تمكن الفيلم من إظهار فظاعة ما يعانيه الفنان التشكيلي، وهو مغيب يستفاد من تعبه، ففي مشهد يبدو مضطربا تطارده الأحلام المزعجة بشكل فظيع، وفي مشهد يحدث فأرة ويبادلها الكــلام والمشاعر، يطعمها ويشكرها لكونها خففت عليه وطأة غربته، وفي مشهد آخر يظهر وهو يرقص بجنون، ويراقص معه لوحاته قبل أن يرمي بها متجها إلى مصدر صوت موسيقى ناي راعٍ في الغابة، فيسكن وهو ينصت له في حزن وشجن.
وفي المقابلة بين شخصية الفنان وامرأته الانتهازية القاسية تتضح الفكرة أكثر.. فقد ظهرت مارية بوجه الجَشعِ والطمَعِ على حساب نبل المشاعر الإنسانية، فقد طردت أباها من بيت أمها بدعوى غيابه عنها مدة طويلة، وقَبِلَته أخيرا كي تستغل كوخه في الغابة مأوىً ومنفىً لزوجها جمال. كما أنها خانت هذا الأخير في غيابه بالارتباط بآخر من أجل تحقيق مآربها الشخصية. وفي المقابل نجد جمال الفنان البريء لا يهمه في الحقيقة سوى العيش بين أصباغه الحاملة لخيالاته وأحلامه رغم فقره. الفيلم يثير قضية سَرت وما تزال تسري في كثير من المجتمعات المفعمة بالانتهازيين والأنانيين الذين يستغلون غيرهم من أجل مآربهم، وكم يكون الأمر فظيعا حينما يتعلق بمبدعين كبار لا يُعوضونَ، عاشوا جحيم الحياة من أجل الفن، والفن وحده.

كاتب من المغرب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*