الفن بمنأى عن السياسة؟

 

جلال خوري

سأنطلق من جوهر مسألة اعتراض زياد دويري، ومصادرة جوازي سفره في مطار بيروت على خلفية تصوير مشاهد من فيلمه «الصدمة» في فلسطين المحتلة بالتعاون مع بعض المؤسسات المهنية الصهيونية وأترك لغيري التطرق هنا للتفاصيل القانونية والإدارية والأخلاقية والفنية لهذه القضية. خمس دقائق تصفيق حار ومتواصل وأكثر من جائزة في أحد أهم مهرجان للسينما العالمية، هو بدون شك مصدر عزّ لكل منا. ولكن هذا الأمر لا يجب أن ينسينا بأنّ هناك عوامل أخرى، جوهرية، بل مصيرية، تتحكم بالنتاجات الفكرية والأدبية والفنية في العالم الغربي حتى لا نقول في كل العالم وتخضع كلها لاعتبارات سياسية قبل أي شيء.

فعل تصوير «الصدمة» في مساحة مسلوبة من الوطن العربي، بغض النظر عن كون هذا العمل يطمح إلى إبراز ناحية إنسانية مشرقة ومشرّفة، هو فعل يخدم، في نهاية المطاف، مآرب من اغتصب فلسطين وشرد شعبها وقضى على ماضيها ومستقبلها وسبب المآسي التي يعيشها المشرق منذ ثمانين سنة.

أنا لا أناقش القيمة الفنية والبعد التاريخي ولا نوايا المخرج التي لا اشك أنها حسنة، لكن متابعة طويلة ودقيقة وثابتة لمثل هذه الأمور أكدت لي ما يعرفه العديد: إن الدوائر التسلطية الغربية، حتى لا نستعمل كلمة استعمارية، تتحكم من خلف ومن أمام الستار، سياسياً وتجارياً بكل مفاصل الحياة الفكرية والفنية في العالم. وأتساءل: هل كان لنجيب محفوظ، هذا الكاتب العظيم، أن يحصل على جائزة «نوبل» لولا توقع مصر الصلح مع إسرائيل رغم أن محفوظ أديب يستحق أكثر من ذلك؟ هل تُكرم يوماً لجنة نوبل الشاعر أدونيس، وهو من أهم مفكري هذا العصر وأكثرهم جرأة، طالما سوريا ترفض الخضوع ولا تقبل بالصلح مع الكيان الصهيوني؟ هل كان بإمكان الأديب الكبير أمين معلوف أن يرفض الظهور على شاشة التلفزيون العبري دون أن تُغلق في وجهه أبواب كل وسائل الإعلام والنشر؟ هل يعرف الناس أن مارلن برندو، وهو بنظر كثيرين، أهم ممثل عرفته السينما العالمية، نُبذ من هوليوود لأنه صرح أمام بعض المقربين أن اليهود يحكمون هوليوود دون منازع؟ الأمثال كثيرة ويومية عن فنانين، كتاب، واعلاميين قُطعت أرزاقهم لأنهم لم يخضعوا لمشيئة الدوائر المسيطرة على هذه اللعبة.
هناك عملية سيطرة، إرهاب واستنسابية تتحكم بالنشاطات الإبداعية والفكرية في العالم والكل يعرف من يقف وراء هذه السيطرة. هناك من يستحق ويكرم ومن يستحق ويبعد والأشياء اصبحت واضحة.
خمس دقائق تصفيق حار ومتواصل وأكثر من جائزة في أحد أهم مهرجان للسينما العالمية، لا يجوز أن تُنسينا أن هناك عدواً عجِز عن ترويضنا بالسلاح، فيحاول أن يفعل بالتطبيع. لا يجوز أن نعطيه الذرائع ولو تحت شعارات مختلفة على رأسها حرية التعبير، شعارات تستعمل من قبل البعض في مناكدات سياسية. الحرية توأم المسؤولية وغير معقول أن نفصمهما عن بعضها البعض وإلا فقضت معناها ورسالتها.
باختصار: زياد دويري، الفنان، يليق به أن يقف في صفوف الأحرار لا المطبعين. ما فعله خطأ سيشرفه ويرفع من شأنه الاعتراف به.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*