الفصح

النهار
30032018

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه المطران جورج خضر في “النهار” بتاريخ 18 نيسان 1998، حمل عنوان “الفصح”.

العبادات مواسم متعاقبة يفصل بينها الزمان ولا يتفتت سرها. لذا كان يوم الجمعة العظيمة متين الوصل بالفصح بل يحتويه كما يحتوي المطرح المنطرح عليه. كيف يزاد على الجلجلة شيء وقد قال الكتاب: “وما امتص يسوع الخل حتى قال: لقد تم!” (يوحنا 19:30). أي نصر نرتجيه بعد الصلب وكان المعلم نفسه قال قبل ذلك: “الآن مجّد ابن الانسان، ومجد الله فيه” (يوحنا 13:31). من اجل ذلك اقامت كنائس آسيا الصغرى الفصح يوم الجمعة المقدسة مطالع القرن الثاني. لذلك تذكر الصلاة النور طوال الاسبوع العظيم لان ضياء القيامة يتساقط على ما قبله ولان معناها في ما سبقها ايضا في الازمنة الممدودة. أي تصعيد موسيقي لا يفهم الا هكذا. واذا استبقت الجمعة العظيمة زخم القيامة فالذي نهض من القبر حافظ في جسده المنور على طعنة الجنب وآثار المسامير ليقول لتوما ولكل توما من بعده ان الذي مات هو اياه الذي قام واننا نحيا موصولية كيانه ونتقبل ظفره من لحظة التجسد الى يوم اصعده الاب الى اعلى السموات. اصر الكتاب العزيز على قيام النصر منذ لحظة الصلب واقتبلت ذلك عباداتنا لنقول – التتمة في الصفحة 12 – ان الموت لا يمكن ان يقضي على قوة المسيح. غير ان الظفر ما كان باديا. القيامة حاجة النصر الى كشف نفسه. رفع الله مسيحه من القبر كان ذروة الافصاح عند الله عن محبته. ذلك ان الناس كلهم أحسوا لما حنى يسوع رأسه وأسلم الروح انه قضي عليه وتمت مقهوريته. القيامة سوف تقول ان هذه الميتة كانت حجاب النصر ولكن كمنت فيها فاعلية المخلص.    ماذا اضافت القيامة وكل شيء موصول؟ باحت بأن أحدا لا يستطيع ان يقضي عليه وان يحبسه في أسافل الارض. بهذا المعنى وبهذا المعنى فقط “ما قتلوه وما صلبوه”. اتضح في الفصح ان الله وضع كل شيء تحت قدمي حبيبه. هذا يشبه جيشا ربح المعارك كلها ولكن عند توقيع الهدنة يعلن الانتصار. من النصر ان جسد المسيح ما عرف الفساد. “لم يكن ممكنا ان يضبط عنصر الحياة في البلى” (باسيليوس الكبير). قضاء السيد على البلى هو ما سجله لنفسه على الموت. غير انه كان يجب ان يتراءى للرسل والنساء والاخوة غير تراء ليفهموا على ضوء ظفره ما لم يفهموه بسبب من ضعف بشرتهم وادلهمام الاذهان. قيامته كانت ضرورة يقينهم والدعم الرئيس للرسالة على ما نطق به الرسول العظيم: “ان كان المسيح لم يقم، فتبشيرنا باطل وايمانكم أيضا باطل… ولا تزالون بخطاياكم” (1 كورنثوس 15:14-17). ان القيامة جعلت كتابة الاناجيل ممكنة وهي التي عرفتنا طبيعة المسيح. ولذلك كان الانتقاص من شأنها هدما للكنيسة مباشرا. ان تكون القيامة فكرة مقتبسة من خلفية الادب التموزي عندنا فهذا ينقض ايماننا. اسطورة ادونيس وما اليها في مصر والمشرق بعامة اسطورة لا اساس لها في الحدث. مع قيامة يسوع الناصري نحن نتعاطى حدثا بمعنى اننا رأينا انسانا يموت وروت موته وثائق تاريخية وعقب الموت ظهورات في حين ان ادونيس لم يوجد وعشتار لم توجد. وليس لكون الاساطير هنا خرافات تتحول حادثية المسيح خرافة. ان رمزية الاسطورة لا تلغي واقعية الحدث اللاحق لكتابتها. ان الاقدمين كما يرى برديايف تلمسوا في حدسهم ما سيكون حقيقة. هذه هي نبوءة الوثنية. الفكرة القديمة تشبه الواقع ولا يتلاشى الواقع في الفكرة. بسبب التفريق بين العقيدة والحدث والالتهاء عن واقعيته ظهرت حركة في الغرب من سموا أهل العصر” الحداثة” او كما عند بولتمن الذي يجعل قيامة السيد أمرا ايمانيا متأججا في الجماعات الاولى. المهم عنده القرار الايماني، ذوق الكنيسة للقيامة. بقاء يسوع النبي الجليلي نورا يشرق في القلوب. اذا اخذنا بهذا القول لا معنى للقبر الخالي وتصبح الظهورات المتعددة اغنية تغنى. العقيدة عندنا ليست قراءة او تخيل حدث من وراء موقف تفسيري. القيامة كانت أو الحديث عنها لغو.    غير ان الحدث لا يعني انه كان يمكن احدا لو وجد التصوير الشمسي آنذاك ان يأخذ صورة عن السيد القائم. نحن لا نتكلم عن انتعاش جثة. هذه المفردة وكلمة جثمان لم تردا مرة واحدة في الكتب المقدسة أو في عباداتنا. ولهذا لم يقدم رسامو الايقونة الشرقية القدامى على اظهار المخلص في حال الخروج من القبر. ليس عندنا ايقونة مباشرة للقيامة. هناك فقط ايقونة النزول الى الجحيم التي تمثل السيد في لباس ابيض ينتشل آدم وحواء اي الجنس البشري من مملكة الموت. ايماننا هو هذا ان النور الالهي الذي كان في المسيح وحجبه عن العيان ابتغاء تجسد حقيقي يحياه في راهن البشر. الناصري في قيامته لم يكتسب نورا. اظهره. ماذا جرى اذاً ونحن امام جسد مجيد منور؟ سأتمتم كليمات عسى أقرب قارئي من السر ولا أهتك السر. عندي لغتان ممكنتان. أولاهما التحرر من الموضعية  كما يجري في الكهيربات حسب مبدأ الاقصاء للعالم باولي. فالكهيربا الذي كان هنا يصير هناك دون عبور المدى الذي يفصل النقطتين. اللغة الثانية انه من الممكن ان الامر الذي حل في قبر السيد هو انبجاس اشعائي من داخل جسد الرب. معقولية هذا الكلام الاخير تأتي من القوانين الفيزيائية التي خضع المخلص لها بحكم تنازله في التجسد. فهو ليس محكوما بها وليس محكوما بزمن لا يرتد ولا مانع عند ذاك في طبيعة السيد ان يقصي عنه جزيئات المادة ليتخذ جزيئات الضوء. اذذاك نكون امام جسم قيامي يمكن اعتباره جسما ضوئيا قادرا على اللاتموضع كما الكهيربات. ففي مجال الطاقة معادلة وتساو بين جزيئات الضوء وجزيئات المادة. مهما يكن من امر هذا نحن بتنا في الفصح المحول لقلوبنا وللكون والمنشىء لشهادة الحياة الجديدة. المطران جورج خضر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*