في تشرين الثاني المقبل تلبي الكنيسة المارونية دعوة لافتة لزيارةالفاتيكان تسمّى
“visite ad limina”.

ما هي هذه الزيارة؟
في التعريف البسيط، إنها زيارة “الأعتاب الرسولية” يقوم بها أساقفة الكنائس الغربية ومسؤولوها الى الفاتيكان كل خمس سنوات، في زيارة حج دينية الى قبرَي الرسولَين بطرس وبولس. ثم يلتقون خلالها البابا، ويرفعون إليه تقارير حول أحوال كنيستهم ورعاياهم. ويُعِدّ المطارنة والأساقفة والكرادلة المعنيون ملفات خاصة تبحث في شؤون كنيستهم مع الحبر الأعظم، ومع مسؤولين فاتيكانيين معنيين مباشرة بملفات تنظيمية وإدارية وكنسية.
هذا التقليد القديم، يرجح أنه بدأ قبل نحو مئة عام، يأتي تطبيقاً لقوانين ترعى شؤون الكنيسة اللاتينية والأبرشيات والرعايا التابعة لها في مختلف دول العالم. عرفاً، لم تكن الكنائس الشرقية معنية بهذا القانون، وكانت تكتفي بإرسال تقارير دورية، وكل خمس سنوات الى الدوائر الفاتيكانية المختصة، وإن كانت تعقد لقاءات فردية أو موسعة مع البابا في أكثر من مناسبة.
لماذا هذه الزيارة حالياً، ولماذا وجهت الدعوة الى الكنيسة المارونية؟
لم يلحظ برنامج الفاتيكان لهذه السنة رسمياً أي دعوة لزيارة “أد لامينا”” للكنيسة المارونية. من هنا، كان توجيهه الدعوة منذ فترة قصيرة، مثيراً للأسئلة، ولا سيما أن ثمة “ضجيجاً” في أروقة الفاتيكان حول الكنيسة المارونية في لبنان. ثمة ملاحظات يبديها الكرسي الرسولي على أدائها، وهذه الدعوة العامة تهدف الى عقد لقاء مصارحة ومكاشفة بين الكرسي الرسولي والكنيسة المارونية.
لا يمكن فصل أداء البابا فرنسيس في شأن إصلاحات الكنيسة عن رغبته في النظر في أحوال الكنيسة المارونية، ولا سيما أن الزيارة قد تصب أيضاً في خانة تعزيز دور هذه الكنيسة بعدما انحصرت الرؤية إليها في السنوات الأخيرة على أنها واحدة من كنائس مشرقية، وهو الأمر الذي تكرس أيضاً خلال زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر للبنان تحت عنوان تعزيز وضع مسيحيي الشرق الأوسط.
لا شك أن رؤية البابا فرنسيس الحالية حيال مواضيع حساسة، ونظرته التقدمية الى بعض العناوين الدينية أو الأخلاقية أو الإنسانية، لا تنفصل عن رؤيته أيضاً الإصلاحية والتقدمية تجاه دور الكنائس وترتيب أوضاعها الداخلية بما يخدم أولاً وأخيراً قضية الإنسان والالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية. وتظهر علاقته بالكنائس من خلال الزيارات التي حصلت تحت الاسم نفسه، نظرة متطورة وإصلاحية، تعنى بتقديم نظرة راقية للكنائس وعلاقتها بمجتمعها، ولا سيما أنه أدخل تعديلات أساسية على شكل هذه الزيارة، ففتح الباب لنقاشات موسعة بينه وبين الأساقفة في حضور الوفد الكنسي كله، لطرح نقاشات وأسئلة وأجوبة حول أوضاع الكنائس والمشاكل والتقارير المرفوعة إليه، وليس عبر لقاءات فردية كانت تتم عادة خلال الزيارة.

ثمة ملاحظات يبديها الكرسي الرسولي على أداء الكنيسة المارونية

من هنا، يمكن أن يكون للبابا رؤية مختلفة للكنيسة المارونية ودورها في مجتمعها وفي لبنان، في خلال لقاء هو الأول على هذا المستوى منذ سنوات طويلة. ولعل أبرز لقاء حصل مع الكنيسة، تحت العنوان نفسه، تم عام 1989، إبان حبرية البابا يوحنا بولس الثاني، مع البطريرك مار نصر الله بطرس صفير والأساقفة حينها. وما ميز تلك الزيارة، وهي سبقت بكثير التحضير للسينودوس من أجل لبنان، الحفاوة التي استقبلت بها الكنيسة المارونية، والإشادات التي خص بها البابا في خطابه البطريرك والأساقفة للدور الإيجابي الذي تقوم به الكنيسة في لبنان وفي مجتمعها، ولا سيما في ظل المعاناة التي يمر بها لبنان. مراجعة ذلك الخطاب الذي توجه به البابا الى الموارنة وإلى اللبنانيين، تدل على مدى الاهتمام الذي خص به الحبر الأعظم الكنيسة المارونية، ولا سيما أن المسيحيين كانوا يعيشون تلك الفترة حروباً داخلية، وعبّر تكراراً عن تعاطفه مع لبنان وألمه للحروب التي يعيشها. وأشاد البابا بشجاعة الكنيسة وروح الإيمان الذي تتحلى به لمواجهة ما يمر به المسيحيون واللبنانيون. وكان لافتاً تركيزه على الدور الإيجابي للإكليروس الماروني في خدمته وشهادته وفي عمل التربية والتعليم الديني، مستخدماً عبارات إشادة متكررة، متحدثاً طويلاً عن الخدمات التي تقدمها الكنيسة في المساعدات الاجتماعية والدينية وتسهيل حياة المواطنين خلال الحرب.
الظروف اليوم تختلف عن مرحلة 1989. والكنيسة المارونية تعيش عصراً جديداً، والأسابيع المقبلة يفترض أن تكون مناسبة للتحضير للقاء نوعي، في ظل الأسئلة المطروحة حوله وعن غايته وما يمكن أن يقوله الفاتيكان للكنيسة المارونية، في لقاء استثنائي، وما يمكن أن تقوله الكنيسة المارونية. وعلى رغم أن هذه الزيارة دورية بالنسبة الى الكنائس الكاثوليكية في العالم، إلا أن أهمية المواضيع التي تطرح والتغطية التي تحظى بها، تعطي فكرة واضحة عن الأهمية التي تعطى للتقارير والنقاشات التي تدور في اللقاء.
ولأن الزيارة بالنسبة الى كنيسة شرقية وإلى الكنيسة المارونية بالحجم الذي تمثله زيارة لافتة، حاولت “الأخبار” الوقوف على رأي بكركي، لكن الأخيرة فضّلت عدم التعليق.