الـ”سي آي أيه” تقرأ النظرية الفرنسية: العمل الفكري لتفكيك اليسار الثقافي

مبنى الـ”سي آي أيه” من الداخل.

6 نيسان 2017

غالباً ما يُفترَض أن نفوذ المثقّفين السياسي ضئيل أو معدوم. يُنظَر إليهم بأنهم يُقيمون في برج عاجي عالٍ ومحظي، حيث ينقطعون عن العالم الحقيقي، ويغرقون في نقاشات أكاديمية غير مجدية حول تفاصيل تافهة متخصّصة، أو يعومون في السحب الداكنة للنظرية المتمسكة بالمبادئ، وهكذا كثيراً ما يوصَفون بأنهم منفصلون عن الواقع السياسي، لا بل بأنهم عاجزون عن ممارسة أي تأثير مجدٍ عليه. إلا أنه لدى وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) نظرة مختلفة.

في الواقع، لا تؤمن الوكالة المسؤولة عن الانقلابات والاغتيالات الاستهدافية والتلاعب السرّي بالحكومات الأجنبية، بقوة النظرية وحسب، بل إنها خصّصت موارد كبيرة لاستخدام مجموعة من العملاء السريين من أجل التفكير ملياً في ما يعتبره البعض النظرية الأكثر غموضاً وتعقيداً التي ظهرت حتى الآن. ففي ورقة بحثية مثيرة للاهتمام كُتِبت عام 1985، وقد صدرت منذ فترة وجيزة مع بعض التنقيحات الطفيفة من خلال قانون حرية المعلومات، كشفت الـ”سي آي أيه” أن عملاءها قاموا بدراسة النظرية الفرنسية المعقّدة والمحدِّدة للنزعات دولياً، والمرتبطة بأسماء ميشال فوكو وجاك لاكان ورولان بارت. (…)
تعتبر الـ”سي آي أيه” أن الثقافة والنظرية سلاحان أساسيان في مجمل الترسانة التي تستخدمها للحفاظ على المصالح الأميركية حول العالم. تنظر الورقة البحثية التي صدرت أخيراً بعنوان “فرنسا: انشقاق المثقفين اليساريين”  بهدف المناورة بلا شك – في النخبة المثقفة الفرنسية ودورها الأساسي في صوغ النزعات التي تولّد السياسات المعتمدة في الميدان السياسي. وإذ يلمّح التقرير إلى وجود توازن أيديولوجي نسبي بين اليسار واليمين في تاريخ العالم الفكري الفرنسي، يسلّط الضوء على الاحتكار الذي مارسه اليسار في الحقبة التي أعقبت الحرب مباشرة – والذي نعلم أن الـ”سي آي أيه” عارضته بشدّة – بسبب دور الشيوعيين الأساسي في مقاومة الفاشية، والفوز في نهاية المطاف في الحرب عليها. على رغم تعرّض صورة اليمين للتشوّه إلى حد كبير بسبب مساهمته المباشرة في معسكرات الموت النازية، فضلاً عن أجندته الفاشية التي تروّج كره الأجانب ومناهضة المساواة في المجمل (بحسب توصيف الـ”سي آي أيه” نفسها)، يُشير العملاء السرّيون الذين وضعوا الدراسة، والذين لم تُذكَر أسماؤهم، ببهجة واضحة إلى عودة اليمين لأول مرة منذ مطلع السبعينات تقريباً.
يصفّق المحاربون الثقافيون السرّيون تحديداً لما يعتبرونه حركة مزدوجة ساهمت في تحويل النخبة المثقّفة تركيزها الأساسي بعيداً من الولايات المتحدة ونحو الاتحاد السوفياتي. في اليسار، كان هناك استياء فكري تدريجي من الستالينية والماركسية، وانسحاب تدريجي للمثقّفين الراديكاليين من النقاش العام، وتحرّك نظري بعيداً من الاشتراكية والحزب الاشتراكي. وفي أقصى اليمين، أطلق الانتهازيون الأيديولوجيون الذين يُلقَّبون بالفلاسفة الجدد ومثقّفي اليمين الجديد، حملة إعلامية على مستوى رفيع لتشويه سمعة الماركسية.
في حين كانت مجسّات أخرى للمنظمة التجسسية العالمية الانتشار تتورّط في إطاحة القادة المنتخَبين ديموقراطياً، وتقديم المعلومات الاستخبارية والتمويل إلى الديكتاتوريين الفاشيين، ودعم فرق الموت اليمينية، كانت سَريّة المثقفين المركزية الباريسية تجمع البيانات عن الفائدة المباشرة التي حقّقتها السياسة الخارجية الأميركية نتيجة تحول العالم النظري نحو اليمين. وجّه المثقفون ذوو الميول اليسارية في المرحلة التي أعقبت الحرب مباشرةً، انتقادات علنية للإمبريالية الأميركية. كان نفوذ جان بول سارتر الإعلامي بوصفه ناقداً ماركسياً صريحاً، ودوره اللافت – بوصفه مؤسس صحيفة “ليبراسيون” – في كشف النقاب عن مسؤول مكتب الـ”سي آي أيه” في باريس وعشرات العملاء السريين، موضع رصد عن كثب من الوكالة الاستخبارية، وكان يُعتبَر مشكلة بالغة الخطورة.
على النقيض، أدّت الأجواء المناهضة للسوفيات والماركسيين في الحقبة النيوليبرالية الناشئة إلى جعل الـ”سي آي أيه” بمنأى عن التدقيق العام، وقدّمت غطاء ممتازاً لحروبها القذرة إذ بات “من الصعب جداً على أي كان حشد معارضة مهمة بين النخب المثقفة للسياسات الأميركية في أميركا الوسطى مثلاً”. لقد اختصر غريغ غراندين، أحد كبار المؤرّخين في أميركا اللاتينية، هذا الوضع بطريقة ممتازة في “المجزرة الاستعمارية الأخيرة” إلى جانب التدخلات الكارثية والدموية الواضحة في غواتيمالا عام 1954، وجمهورية الدومينيكان عام 1965، وتشيلي عام 1973، والسلفادور ونيكاراغوا خلال الثمانينات، قدّمت الولايات المتحدة دعماً مالياً ومادياً ومعنوياً، في الخفاء وبصورة مطردة، لدول إرهابية قاتلة ومناهِضة للتمرد. […] لكن إزاء هول الجرائم التي ارتكبها ستالين، فإن هذه الوقائع البشعة، مهما كانت دامغة أو عميقة أو مُدانة، لا تؤثّر في الأسس التي تقوم عليها نظرة عالمية ملتزمة الدور النموذجي للولايات المتحدة في الدفاع عما نعرفه الآن تحت مسمّى الديموقراطية”.
في هذا السياق، يثني النافذون المقنّعون في الأوساط الفكرية على النقد القاسي الذي وجّهه جيل جديد من المفكّرين المناهضين للماركسية، مثل برنار – هنري ليفي، وأندريه غلوكسمان، وجان – فرانسوا ريفيل، إلى “الزمرة الأخيرة من العلماء الشيوعيين” (المؤلّفة، بحسب العملاء المجهولي الهوية، من سارتر وبارت ولاكان ولوي ألتوسير). نظراً إلى الميول اليسارية لهؤلاء الأشخاص المناهضين للماركسية في صباهم، يقدّمون النموذج المثالي لتكوين سرديات مخادعة تخلط بين النمو السياسي الشخصي المزعوم ومسيرة الزمن التقدمية، وكأن الحياة الفردية والتاريخ هما فقط مسألة تتعلق بـ”التقدم في العمر” والإدراك بأن التحول الاجتماعي العميق القائم على المساواة هو أمر من الماضي – الشخصي والتاريخي. تؤدّي هذه الانهزامية الاستعلائية والعالِمة بكل شيء إلى تجريد التيارات الجديدة، لا سيما تلك التي يقودها الشباب، من صدقيتها، لا بل تضفي توصيفاً خاطئاً على النجاحات النسبية للقمع المضاد للثورات فتصوّرها وكأنها التقدّم الطبيعي للتاريخ.
حتى المنظّرون الذين لم يكونوا معارضين للماركسية بقدر هؤلاء الرجعيين الفكريين، قدّموا مساهمة كبيرة لبيئة الوهم من خلال المساواة التحولية، والقطيعة مع التعبئة الاجتماعية، و”التقصّي النقدي” المجرّد من السياسة الراديكالية. هذا الأمر بغاية الأهمية من أجل فهم الاستراتيجية الإجمالية للـ”سي آي أيه” في محاولاتها الواسعة النطاق والعميقة لتفكيك اليسار الثقافي في أوروبا وأماكن أخرى. فقد سعت المنظمة التجسسية الأكثر نفوذاً في العالم، عبر إدراكها أنه من غير المرجح أن تتمكن من القضاء تماماً على اليسار، إلى إبعاد الثقافة اليسارية عن السياسة التحولية والمناهِضة للرأسمالية وتحويلها نحو مواقف إصلاحية يسارية وسطية أقل انتقاداً في العلن للسياسات الأميركية الخارجية والمحلية. في الواقع، كما أظهر سوندرز بالتفصيل، قامت الـ”سي آي أيه” بالالتفاف على الكونغرس الذي يقوده مكارثي في حقبة ما بعد الحرب لتقديم دعم مباشر وترويج المشاريع اليسارية التي تُبعِد المنتجين والمستهلكين الثقافيين عن اليسار المتمسّك بشدة بالمساواة. وسعت أيضاً، عبر إقصاء الأخير وتجريده من صدقيته، إلى تقسيم اليسار في شكل عام، تاركةً ما تبقّى من اليسار الوسط مع حد أدنى من السلطة والدعم العام (فضلاً عن تجريده المحتمل من الصدقية بسبب تواطئه مع سياسة النفوذ اليمينية، وهي مسألة لا تزال ترخي بظلها على الأحزاب الممأسسة المعاصرة في اليسار).
على ضوء ذلك، علينا أن نفهم ولع وكالة الاستخبارات بسرديات الاهتداء وتقديرها العميق “للماركسيين الذين جرى إصلاحهم”، وهي فكرة تطغى على الورقة البحثية عن النظرية الفرنسية. كتب الجواسيس: “الأشخاص الأكثر فاعلية حتى في تقويض الماركسية كانوا أولئك المثقفين الذين عقدوا العزم على تطبيق النظرية الماركسية في العلوم الاجتماعية انطلاقاً من إيمانهم الحقيقي بها، لكنهم أعادوا النظر في نهاية المطاف في هذا التقليد بكامله ورفضوه”. ويذكرون على وجه الخصوص المساهمة العميقة لمدرسة “أنّال” لعلم التأريخ والبنيوية – لا سيما كلود ليفي – شتراوس وفوكو – في “التدمير النقدي للتأثير الماركسي في العلوم الاجتماعية”. فوكو الذي يُشار إليه بأنه “المفكّر الأكثر عمقاً وتأثيراً في فرنسا” هو موضع إشادة خاصة لثنائه على مثقّفي اليمين الجديد لتذكيرهم الفلاسفة بأن “تداعيات ‘دموية'” “انبثقت من النظرية الاجتماعية العقلانية في حقبة التنوير في القرن الثامن عشر وفي الحقبة الثورية”. على رغم أنه من الخطأ اختصار سياسة أيٍّ كان أو تأثيره السياسي بموقف أو نتيجة واحدة، فإن يسارية فوكو المناهضة للثورة وتأمينه استمرارية الابتزاز من الغولاغ أو معسكرات الاعتقال السوفياتية – أي الزعم بأن التيارات الراديكالية الواسعة الانتشار التي تسعى إلى إحداث تغيير اجتماعي وثقافي عميق، لا تؤدّي سوى إلى إنعاش التقاليد الأشد خطورة – يتماشيان تماماً مع الاستراتيجيات الإجمالية للحرب النفسية التي تنتهجها الوكالة التجسّسية.
إذاً يجب أن تدفعنا قراءة الـ”سي آي أيه” للنظرية الفرنسية إلى التوقّف لإعادة النظر في المظهر الخارجي الأنيق الراديكالي الذي رافق الجزء الأكبر من التلقّي الأنغلوفوني لهذه النظرية. بحسب مفهوم مستمد من النظرية المرحلية (stagism) عن التاريخ التقدمي (غير المدرِك عادةً لغائيته الضمنية)، غالباً ما تُربَط أعمال شخصيات مثل فوكو وديريدا وسواهما من المنظّرين الفرنسيين المواكبين للحداثة، بطريقة حدسية، بشكل من أشكال النقد العميق والمتطور الذي يتخطّى بأشواط، كما يُفترَض، كل ما نجده في التقاليد الاشتراكية أو الماركسية أو الأناركية. إنه أمر صحيح بالتأكيد ويستحق التشديد عليه أن التلقّي الأنغلوفوني للنظرية الفرنسية، كما أشار جون مكومبر بجدارة، كانت له تداعيات سياسية مهمة باعتباره قطب مقاومة للحياد السياسي الزائف، أو التفاصيل التقنية الآمنة في المنطق واللغة، أو الامتثالية الأيديولوجية المباشرة التي تنشط في تقاليد الفلسفة الانكليزية – الأميركية المدعومة من مكارثي. بيد أن الممارسات النظرية لشخصيات أدارت ظهرها لما سماه كورنيليوس كاستورياديس تقليد النقد الراديكالي – أي المقاومة المناهضة للرأسمالية والإمبريالية – ساهمت بلا شك في التحول الأيديولوجي بعيداً من السياسة التحوّلية. بحسب الوكالة التجسسية نفسها، ساهمت النظرية الفرنسية ما بعد الماركسية، بصورة مباشرة، في برنامج الـ”سي آي أيه” الثقافي القائم على التملق إلى اليسار لإقناعه بالتحول نحو اليمين، مع تشويه سمعة العداء للإمبريالية والعداء للرأسمالية، ما ولّد تالياً أجواء فكرية أتاحت للوكالة تنفيذ مشاريعها الإمبريالية من دون أن يشكّل التدقيق النقدي الجدّي من المثقفين أي عائق أمامها.
نعلم من الأبحاث عن برنامج الـ”سي آي أيه” للحرب النفسية أن الوكالة لم تكتفِ بتعقّب الأشخاص والسعي إلى ممارسة الإكراه عليهم، بل إنها حرصت على الدوام على فهم مؤسسات الإنتاج والتوزيع الثقافيَّين وإحداث تحوّل فيها. بالفعل، تؤشّر دراستها للنظرية الفرنسية إلى الدور البنيوي الذي تؤدّيه الجامعات ودور النشر ووسائل الإعلام في تكوين روح سياسية جماعية وترسيخها. في توصيفاتٍ يجب أن تحملنا، شأنها شأن باقي مضمون الوثيقة، على التفكير نقدياً في الوضع الأكاديمي الراهن في العالم الأنغلوفوني وخارجه، يسلّط واضعو التقرير الضوء على الطرق التي يساهم إضعاف العمل الأكاديمي من خلالها بتدمير اليسار الراديكالي. إذا لم يتمكّن اليساريون الأقوياء من تأمين الوسائل المادّية الضرورية كي ننجز عملنا، أو إذا وجدنا أنفسنا مرغَمين بطريقة خفية إلى حد ما على الامتثال كي نعثر على وظيفة أو ننشر كتاباتنا أو نحصل على جمهور، فعندئذٍ تكون الظروف البنيوية لمجتمع يساري متين قد أصيبت بالوهن. تحويل التعليم العالي نحو التدريب المهني هو أداة أخرى تُستخدَم لهذه الغاية، إذ تهدف إلى جعل الأشخاص بمثابة أسنان عجلات تقنية – علمية في الجهاز الرأسمالي بدلاً من أن يكونوا مواطنين مستقلين ذاتياً يمتلكون أدوات موثوقة للنقد الاجتماعي. إذاً يثني كبار المنظّرين في الـ”سي آي أيه” على الجهود التي تبذلها الحكومة الفرنسية لـ”دفع الطلاب نحو الالتحاق بمقررات الأعمال والمقررات التقنية”. ويشيرون أيضاً إلى المساهمات التي تقدّمها دور نشر كبرى على غرار “غراسيه”، ووسائل الإعلام والموضة الرائجة في الثقافة الأميركية، في دفع برنامجها المناهض للاشتراكية وللمساواة نحو الأمام.
ما هي الدروس التي يمكن أن نستمدّها من هذا التقرير، لا سيما في الأجواء السياسية الراهنة حيث يُشَنّ هجوم متواصل على المثقفين النقديين؟
(…) ينبغي على مثقّفي العالم أن يتّحدوا في الاعتراف بقوتنا وأن يوظّفوها من أجل فعل كل ما بوسعنا لتطوير نقد منهجي وجذري يكون إيكولوجياً وقائماً على المساواة بقدر ما هو مناهض للرأسمالية وللإمبريالية. المواقف التي يدافع عنها المرء في قاعة التدريس أو على الملأ مهمة لتحديد شروط النقاش ورسم خريطة حقل الإمكان السياسي. وفي إطار معارضة مباشرة للاستراتيجية الثقافية التي تنتهجها الوكالة التجسسية والتي تقوم على التجزئة والاستقطاب، والتي سعت من خلالها إلى إقصاء اليسار المناهض للإمبريالية وللرأسمالية وعزله، مع وضعه في موقع معارِض للمواقف الإصلاحية، ينبغي علينا أن نتّحد ونبادر إلى التعبئة عبر الإقرار بأهمية العمل معاً – في اليسار بكامله، كما ذكّرنا كيانغا – ياماهتا تايلور منذ فترة وجيزة – من أجل تنشئة طبقة مثقفة نقدية بكل ما للكلمة من معنى. بدلاً من إعلان عجز المثقفين أو التحسّر بسبب هذا العجز، يجدر بنا أن نصقل قدرتنا على قول الحقيقة في وجه النافذين عبر العمل معاً وحشد إمكاناتنا كي ننشئ جماعياً المؤسسات الضرورية لعالمٍ من اليسارية الثقافية. ففي مثل هذا العالم فقط، وفي غرف الصدى التي يولّدها والتي ترجّع صدى الفكر النقدي، قد تلقى الحقائق التي يُنطَق بها آذاناً صاغية فعلاً، وتؤدّي تالياً إلى تغيير هيكليات النفوذ.

فيلسوف وناقد ثقافي ومنظِّر سياسي.
The Philosophical Salon

(أجزاء من مقالة أطول)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*