العهد مأزوم كلما تأخر التأليف باسيل لا يساعد والحريري وجعجع مرتاحان


سابين عويس
النهار
09072018

في الوقت الضائع الفاصل عن موعد عودة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري من اجل استئناف مشاورات التأليف، تطفو الازمة المستجدة فصولاً بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” على سطح المشهد المحلي، تاركة ذيولها الخطيرة ليس على الوسط المسيحي فحسب وإنما على المشهد العام لما تنطوي عليه من مخاطر تهدد المصالحة المسيحية وتماسك الثنائي المسيحي المستجد بفعل “تفاهم معراب” من جهة والوضع الحكومي ومسيرة العهد من جهة اخرى.

لا يكمن تأثير الصراع المسيحي على الساحة المسيحية فحسب، كما تعكسه السجالات القائمة بين طرفيه، وهي في غالبيتها انتقادات واتهامات متبادلة ظاهرها الخلاف على تفسير بنود “تفاهم معراب” وباطنها صراع على السلطة وحجم التمثيل في الشارع المسيحي، بل هو يتمدد ليضرب صورة العهد والمكاسب التي كان يمكن لمثل تفاهم كهذا ان يحققها في استعادة التوازن المفقود منذ اتفاق الطائف. كما انه يطرح علامات استفهام كبيرة حول مصير الاصطفافات السياسية التي استجدت بفعل نتائج الانتخابات النيابية، بما قد يعيد تلك الاصطفافات الى قواعدها السابقة.

فعلى رغم المساعي التي بذلها رئيس الجمهورية من اجل تحصين تفاهم تياره مع “القوات” وهو التفاهم الذي افضى الى وصوله الى سدة الرئاسة بعدما كان الخيار محصوراً بينه وبين النائب السابق زعيم تيار “المردة” سليمان فرنجيه، وكانت حظوظ وصول الاخير اقوى بفعل اعطاء زعيم “المستقبل” سعد الحريري في حينه الافضلية على خيار فرنجيه، تتجه المواجهة بين رئيس “التيار” جبران باسيل ورئيس “القوات” سمير جعجع الى اقصاها بعدما اتخذت اخيرا طابعا شخصيا ليس بعيدا عن حسابات سلطوية تتصل بالرجلين وحساباتهما الرئاسية القائمة على ميزان القوى التمثيلي في الشارع المسيحي الذي يفترض ان يكون العامل الأساسي في السباق الى قصر بعبدا.

في معركة عرض العضلات القائمة منذ الاستحقاق النيابي، تشعر “القوات اللبنانية” بأن باسيل لا يترك امراً لا يفعله من اجل رفع رصيده في الوسط المسيحي على حساب تقليص رصيد غريمه، وهو لذلك لم يألُ جهداً او سبيلاً، إن في تحالفاته التي ابعدت “القوات” عن “المستقبليين”، او مع مستقلين، من اجل رفع عدد اعضاء تكتله بعدما جاءت نتيجة الانتخابات محبطة لـ”التيار”، على ما يقول “القواتيون”، ما دفع “التيار البرتقالي” الى رفع سقف التحدي لمنع استكمال الموجة “القواتية” التي اوصلت 15 نائباً الى البرلمان، من ان تصل بالحجم التمثيلي عينه الى الحكومة.

لا يخفي “القواتيون” حجم الصدمة التي لمسوها عند زملائهم في “تفاهم معراب” عندما سقط رهانهم على زعيم “المستقبل” بعدما فوجئوا بـ”سعد” جديد مختلف كليا عن “سعد” الذي عايشوه في العام الاول من العهد الرئاسي.

وفوجئوا كذلك بحجم الاحتضان العربي والغربي لـ”القوات” والذي بلغ حد اعتبار مشاركتها في الحكومة شرطاً رئيسياً كعامل ضمان للغرب حيال تنفيذ مقررات مؤتمر “سيدر”، او كعامل توازن الى جانب الشريك الدرزي في وجه “حزب الله”.

ولا يفوت “القواتيين” ان باسيل لا يريدهم في الحكومة، وهم يفهمون مواقفه وممارسة تياره، المخالفة لتوجيهات رئيس الجمهورية، أقله في العلن، على انها ترمي الى إحراجهم من اجل إخراجهم.

ويدرك “القواتيون” كذلك ان توجهات باسيل لا تتناسب مع توجهات الرئيس المكلف الذي يحرص، مدعوماً اولاً من السعودية، وثانياً من الشركاء الشيعة والدروز، على تمثيل وازن لـ”القوات”.

لكن ما لا يفهمونه هو التفسيرات الملتبسة لمواقفهم المؤيدة للعهد، والفاصلة بين سيد العهد ورجاله في السلطة ممن يعيثون فساداً في مؤسسات الدولة، ويشعرون بـ”مسلّة” تحت “إبطهم” كلما تحدث “قواتي” عن فساد او صفقات.

اما تسريب البند المتعلق بالشريك السنّي في الحكم، فيستغرب “القواتيون” لجوء العونيين الى مثل هذه الخطوة، سيما وأنهم خاضوا نقاشا طويلا معهم من اجل انتزاع التزام مكتوب في هذا الشأن يحصّن موقع الحريري على رأس حكومات العهد.

ويعزو “القواتيون” ذلك الى تمسك باسيل بمكاسبه في الحكومة وليس بالحريري على رأسها.

في تفسير اتفاق معراب، يكشف هؤلاء عن توافق على تشكيل لجنة مشتركة مهمتها المتابعة والتنسيق لضمان حسن التنفيذ، ويسألون لماذا لم تشكل تلك اللجنة ومن أعاق تشكيلها؟

يتمسك “القواتيون” بتوجيهات رئيسهم الرامية الى صون المصالحة وتحصينها وعدم التفريط بالاتفاق. لكنهم في المقابل، وضمن التوجيهات عينها، يرفضون جازمين التنازل عن حقهم في التمثيل الصحيح وفق حجمهم النيابي، كما يعون محاولات استدراجهم للخروج من السلطة، ويرفضونها، مؤكدين مواجهتها. أما عن تأثير هذا الصراع المفتوح على المجهول على الحكومة، فـ”القوات” لا تحمّل نفسها مسؤولية التأخير.

والواقع ان التأخير لن يكون في مصلحة العهد المأزوم تحت وطأة الحاجة الى استغلال كل لحظة لتسريع عملية التأليف. في حين ان الرئيس المكلف لا يخضع لضغط عامل الوقت سياسياً ولا دستورياً. فهو سيد السرايا رئيساً مكلفاً، ورئيساً لحكومة تصريف الاعمال.

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*