العمارة في زمن الدمار العربي

 


الياس خوري
Jan 23, 2018

حين وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي (القرن الثامن م.) عروض الشعر العربي وضبط أوزانه أطلق على السطر الشعري الذي يتألف من شطرين اسم البيت، فالقصيدة العربية تتألف من أبيات، والأبيات هي جمع البيت، أي أن القصيدة هي بيت للمعاني، أو بيوت للمعاني، بحيث كانت القصيدة الجاهلية التي تتضمن أغراضا مختلفة تشبه الحي الذي يضم بيوتا وشوارع وحدائق.
ولم يكتف الخليل بهذه الاستعارة المليئة بالدلالات، بل استخدم في نظريته الأدوات التي كانت تستخدم لبناء البيت كالأوتاد والأسباب، فالبيت حسب لسان العرب «يضم الكلام كما يضم البيت أهله»، بحيث صارت القصيدة خِباء العربي وبيته الثاني.
استمد الخليل قاموسه النظري من العمارة وأسنده بقاموس إيقاعي قائم على العلاقة بين الموج والموسيقى، فالإيقاعات المختلفة للقصائد تسمى بُحورا، وهي تتشكل مثل متوالية موسيقية تطفو على ماء الكلمات.
كان الخليل أول من تنبه إلى العلاقة بين الأدب والعمارة، فبنى نظريته الشعرية التي صنعت ما يُعرف باسم عمود الشعر العربي على استخدام أدوات العمارة والموسيقى من أجل أن يصل إلى القدرة على تحديد ماهية النص الشعري وبنيته.
المصطلحات التي صكّها الخليل لم تعد ملائمة في زمن الحداثة، ولعل عجز النقد الأدبي العربي المعاصر عن تطوير لغة الخليل وبناء مصطلحات جــــديدة مأخــــوذة من قاموس العمارة، يشكل دليلا على أن الثقافة العربية الحديثة تعيش حداثة مُفَوَّتة أو ناقصة، حسب تعبير المفكر السوري ياسين الحافظ، لكن هذه مسألة أخرى تستحق مبحثا خاصا بها.
تأريخ الأدب منذ جلجامش وملاحم الإغريق ومعلقات العرب وليالي شهرزاد وصولا الى الشدياق والرواية الحديثة في العالم، تتقاطع فيه لحظتان: العمارة والسفر. فالعمارة شكل من أشكال السفر إلى الذات، وتحويل الحاضر الى مستقبل، والسفر هو اكتشاف الآخر بصفته مرآة الذات ومدخلا الى المتعدد والمختلف.
حين يكتب الشاعر أو الروائي فإنه يقوم بعمليتين متداخلتين، يدمر أشكالا قديمة كي يبني أشكالا جديدة، لكنه كالمعماري يبني الجديد بحجارة قديمة، مُغيّرا معاني الكلمات ومُستنبطا أشكالا جديدة، كي يصوغ التعبير الملائم عن زمنه ويستشرف أعماق التجربة الإنسانية في تعددها واحتمالاتها المختلفة.
ولعل العلاقة بالمدن التي تحتل اليوم الحيز الأكبر في التجربة الروائية في العالم، هي مفتاحنا لفهم العلاقة المعقدة والتكاملية بين الكاتب والمعماري. فالمدن سواء كانت مُتخيّلة أو حقيقية، هي أطر التجربة الإنسانية، التي تجري على أرضها الصراعات الاجتماعية والطبقية والثقافية، وهي ميدان التغيير الذي يشكل قاعدة الحياة الإنسانية التي لا تعرف الجمود.
هنا تدور معارك خيارات الحاضر الأكثر عمقا، فالمعماري يعكس في رؤاه وتوجهاته هذه الصراعات، وعليه أن يختار بين الاستسلام للقوى المسيطرة أو مقاومتها، بين السقوط في غوايتي السلطة والمال، والحفاظ على دوره بوصفه يمارس الفن الذي يضم جميع الفنون والمهندس الذي يسهم في هندسة المستقبل وهو يرسم بيتا أو يخطط لمدينة.
والأدباء يتعلمون من المعماريين، لسبب بسيط هو أنهم يعيشون ويعملون في فضاءات وأماكن صنعها خيال المعماري وحولها إلى واقع. نحن أيها السيدات والسادة نعيش في البيوت التي تبنونها لنا، وخيالنا الأدبي مرتبط بما تصنعون وترسمون، كما أن ما ترسمونه أنتم لا يستطيع إلّا أن يكون جزءا من البنيان الفكري والثقافي ومن الأسئلة العميقة التي يطرحها الأدب في قدرته على تحويل المتخيَّل إلى واقع من كلمات.
لا أعتقد أن الأدب يطرح الأسئلة والعمارة تقدم الأجوبة، لأنهما يتشاركان معا في قلق السؤال وفي احتمالات الجواب. العمارة كالأدب والموسيقى والنحت والرسم جزء من عالم تصنعه الأسئلة الجديدة في قدرتها على التقاط نبض التغيير تعبيرا عن التوق الى العدالة والحرية.
حين طلب مني الصديق النقيب جاد تابت أن أقف بينكم لأتكلم عن علاقة الأدب بالعمارة، ترددت كثيرا، لأنني أحسست بالمفارقة التي يعيشها المشرق العربي اليوم في هذا الدمار الشامل الذي يجتاحه. المفارقة بين العمار والدمار، تدفعنا إلى التأمل في حاضرنا الذي يستبيح المستبدون حرماته كلها، جاعلين من شعوب المشرق العربي لاجئين في صقيع التشرد.
لعل الإنجاز الأكبر للمستبدين هو أنهم برهنوا على أن خيال الديكتاتور والأصولي يذهب إلى أبعد مما يستطيعه أي خيال آخر، لأنه قادمٌ من أدغال التوحش والعطش إلى الدماء.
وبرغم ذلك، برغم هندسة السجون – المقابر، والمدن – السجون، والحواضر التي صارت أطلالا، لا نستطيع ونحن نرى الخرائب التي تحاصرنا سوى أن نواصل الحلم ببناء مدن جديدة تقوم على أنقاض هذه المقبرة الشاسعة التي صار اليها المشرق العربي.
غير أن التجربة اللبنانية المريرة مع الدمار وإعادة الأعمار، ومع التعمير الذي يتخذ شكلا تدميريا عبر استباحة الشواطئ والأملاك العامة، وإغراق البلاد بنفايات طبقة حاكمة ملوثة بالفساد والطائفية، هذه التجربة يجب أن تكون قد علمتنا أن الاستسلام للفاسدين وغيلان رأس المال وشبيحة الطوائف يحول الإعمار مهما كانت ألوان طلائه إلى أحد أكثر أشكال الدمار وحشية.
مفارقة الكلام عن العمارة والأدب في زمن التدمير المتمادي، تجعلنا أكثر تمسكا بجوهر مهمتنا القائمة على بناء الحاضر من أجل أن يكون صوتا لمن أُجبر على الصمت وبيتا لمن دُمّر بيته.
ألقيت هذه الكلمة في الحفل الذي أقيم في نفابة المهندسين في بيروت، السبت 20 كانون الثاني/يناير 2018، بمناسبة تقديم جائزة الجادرجي الثامنة عشرة لطلبة العمارة في لبنان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*