العقوبات الأميركية على لبنان “لم تعد مزحة”. .. وهذا المطلوب لتجنب الكأس المرة

 

رغم الحديث عن أن أسماء لبنانية جديدة أضيفت على لائحة العقوبات الاميركية في إطار قانون العقوبات على “حزب الله” الصادر عام 2015 ليس بالجديد، إلا أن السلطات الرسمية في لبنان لم تحرك ساكناً نحو الولايات المتحدة وتعاطت بـ”خفة” مع هذا القرار الذي لا يزال لبنان ومصارفه تحت وطأة تداعياته.

وعلى أهمية الزيارة التي يقوم بها الوفد المصرفي اللبناني الى واشنطن ونيويورك التي تأتي في إطار الزيارات الروتينية للمسؤولين في القطاع المصرفي (كل 6 أشهر) بغية عقد لقاءات عمل مع إدارات المصارف الأميركية المراسلة، يبدو أن مهمة هؤلاء ستكون شاقة على اعتبار أنهم سيتعاطون مع ادارة أميركية جديدة، ويفترض بهم من جديد شرح ملف العقوبات بتفاصيله وأثره على لبنان اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً.

واذا كان الوفد المصرفي يعوّل على اللقاءات التي سيعقدها مع عدد من المسؤولين التنفيذيين لدى وزارتي الخزانة والخارجية ومع أعضاء في الكونغرس، غير أن مصادر جمعية المصارف تؤكد أن أحداً لن يكون قادراً على تغيير مسار العقوبات التي ستفرضها الولايات المتحدة الأميركية. وهذا الواقع لا يمكن ان يغيره ايضاً الوفد النيابي الذي انطلق اليوم على وقع المعلومات التي سربتها صحيفة “الفايننشال تايمس” عن أن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الجمهوري إد رويس يحضر قائمة عقوبات جديدة تشمل حلفاء “حزب الله” في لبنان، وأن القائمة تضم كل من رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري.

هذه الوقائع حملت المصادر عينها على التأكيد أن الامر “ليس مزحة”، ولا يمكن التساهل بنتائج هذه العقوبات، ويفترض تالياً تشكيل وفد رسمي من الصف الاول برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. وفيما لم تستبعد فرضية أن يكون اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وراء هذه العقوبات في اطار الضغط على “حزب الله” للتحول الى تيار سياسي من دون سلاح يشكل خطراً على اسرائيل، رجحت ايضا أن الرئيس الاميركي دونالد ترامب يهدف الى معاقبة ايران وكل ما يمت اليها بصلة. وتستند المصادر الى هذه الترجيحات لتجدد تأكيدها أن الوفد اللبناني الرفيع المستوى لن يكون في مقدوره الضغط على الجانب الاميركي، وهو تالياً يحتاج الى دعم عربي وخليجي يساعده في الخروج من دائرة العقوبات.

هذا السيناريو يوافق عليه ايضاً الخبيران الاقتصاديان غازي وزني وغسان العياش. فأكد الاول أن الوفدان النيابي والمصرفي لن يكون في مقدورهما التغيير من واقع العقوبات وتالياً على السلطتين التنفيذية (رئيس الحكومة ووزيري المال والخارجية) والنقدية (حاكم مصرف لبنان) التحرك سريعا للتخفيف من حدة هذه العقوبات وخصوصاً أنه لأول مرة يتم ذكر اسم الرئيسين عون وبري علانية في الصحف الاميركية. وبرأيه أن تحرك الادارة الاميركية وموقفها مغايران تماما عن ادارة الرئيس السابق باراك أوباما الذي كانت مراقبته من بعد ومن دون التدخل في شؤون المنطقة، في حين أن تحرك ترامب مباشر وميداني ويستخدم طريقة الابتزاز مع دول العالم التي هي في حاجة اليه. من هنا يحذر وزني من التعاطي بخفة مع الادارة الجديدة، ناصحاً المسؤولين أن لا يبقوا في موقع المتفرج ولا سيما أنه لا يزال في الامكان الضغط لتعديل ما يحاك ضد لبنان.

ومع أن النصّ الذي سرّب في واشنطن والمتعلّق بفرض تضييق إضافي على تمويل حزب الله لم يعرف حتى الآن ما إذا كان سيولد كمشروع قانون جديد أو كملحق للقانون السابق، إلا أنه في مطلق الأحوال، إذا حظي بموافقة الكونغرس، فإنه وفق العياش “سيشكل تحدّياً جديداً للنظام المصرفي اللبناني يفوق التحدّي الذي تسبّب به قانون 2015 الذي صدر للغاية نفسها. فقد بات معروفاً أن النصّ المسرّب أخيراً يوسّع نطاق الشخصيات والفئات المشمولة به ويفسح المجال لزيادة عدد “ضحاياه” وفقاً للإستنساب”.

من هنا يرى العياش أن الوفود اللبنانية التي تزور واشنطن حالياً لا قدرة لها على التأثير على المشرّعين الأميركيين أو إقناعهم بتغيير السياسات التي ينوون اتباعها، خصوصاً أن ما يطبخ في الكونغرس يتعلق إلى حد كبير بجبهة دولية إقليمية متفجرة وتتفرع عن الصراع المتجدّد بين الولايات المتحدة وإيران”.

إلا أنه ورغم اقتناعه بعدم جدوى زيارة الوفدين اللبنانيين، لا يقفل عياش الباب أمام التحرك اللبناني تجاه واشنطن، وذلك انطلاقاً من أن “الحركة بركة”، فالوفد النيابي يبذل جهوداً مخلصة، وقد صار أعضاؤه ملمّين جيّداً بالملف، لكنهم لا يملكون القدرة على تغيير القرارات في ظل صراع دولي وإقليمي كبير. كما أن وفد جمعية مصارف لبنان، من جهته، ليس له صوت مسموع في الكونغرس أو في الإدارة الأميركية، واتصالاته، على الأرجح، تقتصر على المصارف الأميركية المراسلة لمحاولة اقناعها بنظافة القطاع المصرفي اللبناني واحترامه للقواعد والتعليمات الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب وتبييض الأموال”.

هؤلاء المراسلون برأي عياش “هم عبد مأمور، فلا حول لهم ولا قوة إذا صدر قانون جديد عن الكونغرس. وهم لا يعتبرون أن من بين واجباتهم حماية النظام المالي في لبنان، ويخشى أن يلجأوا إلى الهروب من المشكلة من طريق قطع علاقاتهم المصرفية، بصورة إفرادية، مع المصارف اللبنانية، بسبب ضيق حجم الأعمال مع لبنان، وإذا شعروا أن تعرّضهم للمخاطر يفوق الربح المتوخّى من الأرباح المنتظرة”.

أمام هذا الواقع، يعتبر عياش أن الحاكم رياض سلامة وحده يمتلك صوتاً مسموعاً في الغرب عموماً وفي واشنطن خصوصاً، لأنه أثبت صدقيته خلال تمرّسه الطويل في ملف قوانين مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال. وهو يعرف بخبرته، عندما يكون تغيير القرارات صعباً، كيف يقنع الطرف الآخر بتخفيف شروط تطبيقها لتلافي مخاطرها على لبنان. إلا أن المشكلة هي أن الدولة تتريّث في تجديد ولايته دون أن تأخذ في الاعتبار هذه التحدّيات وسواها، “لذا أتمنى أن يتخذ مجلس الوزراء اليوم هذا القرار الحيوي، والذي تأخر حتى الآن طمعاً بجعل هذا المنصب الحساس في الظروف الحساسة الراهنة محل مساومات من كل نوع”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*