العرب بين تشرينين


سميح صعب
النهار
06102018

 

اليوم تحل الذكرى السنوية الـ٤٥ لحرب ٦ تشرين الاول ١٩٧٣. وبإلقاء نظرة سريعة على الظروف التي احاطت بتلك الحرب التي اتخذ قرارها الرئيسان الراحلان السوري حافظ الاسد والمصري أنور السادات، يتبين مدى التراجع الذي أصاب العرب في هذه العقود، حتى كادوا يغيبون لمصلحة قوى إقليمية غير عربية: إسرائيل وتركيا وإيران.

ذلك تطور لم يحدث مصادفة. مصر الدولة العربية الكبرى غابت عن خريطة الصراع في المنطقة بعد معاهدة كمب ديفيد، ولم تحقق الإزدهار الاقتصادي الذي كانت تمني به النفس مقابل الإنسحاب من الصراع مع اسرائيل. وسيناء التي كانت تحتلها اسرائيل يحتلها الجهاديون اليوم.

سوريا التي وقع عليها عبء المواجهة مع إسرائيل بعد انسحاب مصر، تغرق في حرب أهلية منذ سبع سنوات ونصف سنة انهكت جيشها واقتصادها، وباتت تحتاج الى عقود لاعادة البناء، هذا اذا توقفت الحرب غداً.

ودول الخليج العربية غارقة في حرب اليمن، هي اليوم في المكان الذي كان فيه عبد الناصر في الستينات من القرن الماضي. وتزيد الازمة بين قطر وبقية دول الخليج توترات المنطقة، وتدفع الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى القول بتبجح إن أنظمة في الخليج لا تعيش أسابيع من دون حماية الولايات المتحدة!

والأردن يعيش على مصل المساعدات الاميركية والخليجية يوماً بيوم، ولم تحل له معاهدة وادي عربة مع إسرائيل مشاكله الاقتصادية، بينما الجهاديون قنبلة موقوتة، تنتظر اهتزاز الامن.

ولبنان، لم يتعاف من حروبه الاهلية ولا يزال يعيشها بشكل مقنع، اقتتالاً بين الطوائف والمذاهب على الحصص والمغانم من دولة لم توجد في يوم من الايام.

والفلسطينيون، أصحاب القضية الاساس، أبعدتهم اتفاقات أوسلو عن حلم الدولة، والانقسامات الداخلية في ذروتها بين غزة والضفة.

وليبيا فتتها “الربيع العربي”، وتونس لا تزال تعاني آثاره حتى اليوم، والجزائر تمنع انقسامات رجال السلطة فيها، انتقالاً سياسياً طبيعياً، وتخشى ان تستفيق فلا تجد عبد العزيز بوتفليقة، فتعود لاستكمال حربها.

بالمقارنة، في الايام الاولى من حرب ٦ تشرين الاول 1973، ظهر العرب وكأنهم أوشكوا على تصحيح التاريخ، ومحو آثار هزيمة ١٩٦٧، وسمّوا ذلك في اسرائيل “الزلزال”، يوم انفتحت الجبهات على اسرائيل وعبر الجيش المصري قناة السويس وسقط خط بارليف، وعلى الجبهة السورية سقط مرصد جبل الشيخ، وباتت فلسطين التاريخية مكشوفة، وتهاوت طائرات “الفانتوم” الاسرائيلية بصواريخ “سام-٦”، ولم يعد الجيش الاسرائيلي اسطورة لا تتحطم. تلك الأيام كانت جيوش من السعودية والاردن والعراق والمغرب والسودان تؤازر الجيشين المصري والسوري، وأعلن الملك فيصل حظر النفط عن الولايات المتحدة.

لقد أوشك العرب يومذاك أن يصنعوا التاريخ، قبل ان تهرع أميركا لنجدة اسرائيل، ويستثمر هنري كيسينجر عبقريته لفك مصر عن سوريا وليعود العرب الى سيرتهم الاولى من التناحر والشقاق بينما اسرائيل تتربع اليوم على عرش الحطام العربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*