“العبقرية الجرمانية”

سمير عطاالله
النهار
01112017

كل شعب، مثل كل إنسان، طبقتان وطبيعتان، على الأقل. منذ ان عادت أنغيلا ميركل الى دار المستشارية للمرة الرابعة والرأس ملبدة بالأسئلة: ماذا يريد الألمان ان يثبتوا؟ ابنة قسيس من برلين الشرقية، ذات صفات عادية، أو تحت العادية في مقاييس الجمال النسوي، سيدة لا تجرؤ على ارتداء الفساتين خوف بروز العيوب بدل المحاسن، فتبدو دائماً في “تايور” مثل زي الشرطة البلدية. لكن الالمان يصرون على التجديد لها. تجاوزت ميركل جميع الدول الغربية في استقبال اللاجئين السوريين. وفي الانتخابات الأخيرة، قيل أنها “ستدفع الثمن”. لكن الألمان خرجوا يكافئونها.

أعطي القرار تفسيرات كثيرة، منها أن المانيا المعانية قلة الولادات تريد مهاجرين جدداً. ليس هذا سببا. وكلما قرأت في تاريخ المانيا واحوالها، ازددت اقتناعاً بأن الشعب الجرماني، البالغ التقدم بين الأمم، يريد أن يمحو من ذاكرة العالم ما لحق به من 12 عاماً من النازية.

كيفما التفت الألمان، ذكرتهم الناس بهتلر. ميركل تريد ان تبدو مثل الأم تيريزا، كما حاول فيلي برانت من قبلها أن يبدو مثل “الأب بيار” عندما خرَّ راكعاً امام قبر الجندي المجهول في فرصوفيا، معتذراً عن مقتل 3,5 ملايين بولوني.

لا يخفي الألمان تذمرهم: كل كتاب صدر بعد 1945 هو عن ذوي “القمصان البنية”. لا شيء عن غوته، عن بيتهوفن، عن شيللر. وأنا أضيف دائماً الهر فيلكس هوفمان، اعظم مخترع في التاريخ. ففيما اخترع مواطنه، أوبنهايمر، القنبلة الذرية لحساب الاميركيين، كان هو قد اخترع، للإنسانية جمعاء، حبة سميت الاسبيرين! حبة تستطيع شراءها من عند البقال، تخفف صداعك وآلامك وتبعث الفرح في العروق.

تلك هي “العبقرية الجرمانية” (1)، ما بين الراين والتيرول، النمسا والبر الألماني: دائماً الاشياء في اقصاها، موسيقى موزار في سالزبورغ، وجنازير الدبابات النازية حول الروسيا. “آلام فيرتر” الذاوي في مشاعره، وقسوة غوبلز العاشق أكاذيبه. من رحم واحد يخرج الجرمان الى الصف الأول: أهم العلماء مثل اينشتاين، وأروع العباقرة مثل بيتهوفن، فالرجل الذي أراد احتلال فرنسا وبريطانيا وتحويل الروسيا الى مزرعة للألمان.

لا نهاية للخواطر المتعاكسة في الحضارة الجرمانية. كيف يمكن ان أمة واحدة شقت الكنيسة برمّتها، من خلال مارتن لوثر، ثم سادت الايديولوجيات برمّتها، من خلال كارل ماركس. ودعك من دورها في مسيرة لينين، وكيف – ولو من أجل اضحاككم – تصنع البقة “ترابانت” في الشرق، وأعاجيب المرسيدس في الغرب. ومن اجل دباباته، لا من أجل سيارته، اخترع هتلر “الاوتو بان”، الذي سيعرف عندنا بالـ “أوتوستراد”، مستوقف الزحام ومكبَّ الكلينكس والفراغات والاذواق.

اقاص، اقاص. مرة العاصمة في برلين، مرة في دسكرة تدعى بون. من برلين يحكم ادولف هتلر، بشاربين “موضة فرشاة الاسنان”، آتية من كاليفورنيا، ومن بون يحكمها استاذ مدرسة متقاعد، يدعى كونراد أديناور. من برلين، البروسية العسكرية الممتدة بين الانهر، يرى هتلر ان هذا العالم يجب ان يكون تحت قبضته. من بون، على الراين السارح محملاً بالبضائع في كل الاتجاهات، يرى اديناور ان هذا عالم صغير، يجب ان يحتضن اهله، بلا عنصريات أو فوقيات، أو أعراق، أو بشرات. واحد من اسبارطة، واحد من اثينا، سكان حي سقراط.

المانيا للفلسفة المعاصرة مثل اليونان للفلسفة الأم. ومن العبقرية الجرمانية يخرج أيضاً شيء سوف يسمى علم النفس. أي معالجة ذلك الخليط المجهول، ما بين حساسية العقل وضعف الجسد وهشاشة كليهما.

تخترع جرمانيا القواعد ثم تصدرها الى المختبر الاميركي، حيث يتوافر الشرط الأول للتطوير، المال.

تخترع الاشياء ثم تصدرها، أو تخربها، في حرب يسير فيها سماع بيتهوفن وموزار ومالر خلف واغنر وهتلر. لا اعرف إن كانت عقدة نفسية، أم مصادفة، أم مجرد لعبة ادبية، أن “البصلة” تظهر باستمرار في اعمال غونثر غراس (نوبل). بصل. وكلما قشَّر قشرة، بكى.

في كتابه “مقشراً البصلة” يرسم  غراس صورة مكبرة لما عاشه الألمان في الحرب العالمية الثانية، بعدما تحوّلوا من جزارين إلى ضحايا: في الدكان الذي تملكه العائلة، تخبئ الأم ابنتها في الطابق الأعلى وتسلم هي نفسها للجنود السوفيات المنتصرين.

ما أبشع الحروب، على الوجهين، مهزوماً أم منتصراً. في وجهها الهادىء، اعطت العبقرية الجرمانية، بهية المدن، فيينا. في حداثتها ولدت اقصى اجمل المقطوعات، وفي مطابخها جبلت لذائذ الحلوى، وفي مقاهيها، قبل مقاهي السان جيرمان، ولدت أعمق موجات الجدل وانطلاقات الفكر.

ما هام شعب بالاغواء الثقافي، مثل الألمان. يوم بدأت المسيرة العسكرية الكبرى، كانت برلين تحضر أوبرا “مدام باترفلاي”. ويوم استسلمت بركامها وأسمالها العام 1945، وجدت طريقها الى الفرقة الفيلهارمونية تعزف الكونشرتو الثامن للهر لودفيغ فان بيتهوفن، ايضاً من بون. وعندما حل الصمت وفيراً على برلين كان قد هطل عليها، ما بين 1943 و1945 نحو 65 الف طن من المتفجرات، ووصلها 2,5 مليوناً جندي من السوفيات، مزودين 40 الف فوهة مدفعية، محمولة على جميع انواع المرابض.

 انسان نيتشه المتفوق عاش ذل الناس العاديين: الموت والمجاعة والمآسي التي بلا نهايات. كانت تصدر عن الحكومة الألمانية مجلة جميلة اسمها “فكر وفن” قرأت فيها مرة قصة عن أيام ما بعد الحرب لا تُنسى: لا حبكة فيها، فقط لوحة عن رجل عائد مع معزاه على قطار، والركاب يرمون الحطب في المحرك، لكي يدفع القاطرة ويدفىء البردانين.

لم يطل مشهد الانكسار في المانيا. العام 1974 كان الرئيس فالتر شيل يهديك في نهاية المقابلة اغنيته الأخيرة للأطفال: “هلموا اعتلوا العربة الصفراء”. وعندما قام بزيارة رسمية الى “مالي” العام 2012 انفجر ضاحكاً عندما عزفت الفرقة الموسيقية الحكومية لحن اغنية “واغن” بدل النشيد الوطني الألماني. ولد شيل لأب متعدد الصنعة ولا صنعة له، وبدأ حياته موظفاً في مصرف إلى أن اصبح وزيراً للاقتصاد، ثم الخارجية، الصفة التي زارنا بها في بيروت، ايام اعلام السياسة الدولية لا يزالون يأتون.

العام 1944 كتب الفيلد مارشال هارولد الكسندر، من الجبهة الايطالية، عن الصعوبات التي يواجهها الحلفاء في المناطق الجبلية “المؤسف أننا نحارب أهم الجنود على الأرض. يا لهم من رجال”. لكن الأكثر اسى ان هؤلاء الجنود لا يعرفون أين يتوقفون، ومتى. المانياً، كان ايضاً الهر فون كلاوسفيتز، صاحب اشهر نظريات الحروب، وقد أوصاهم بأهميتين: الأولى السياسة، والثانية تأمين أبواب الانسحاب.

لم يصغوا كثيراً. والملايين الذين ساروا وراء هتلر لم يقرأوا ايمانويل كانط ولا كانوا ينتشون عندما يعزف بيتهوفن “إلى اليزا” في بادن بادن، برفقة صديقه غوته، ويتشاجران دائماً حول موضوع واحد: هل يجب توقير الطبقة الراقية. الموسيقي كان يرفض ذلك. وبسبب ثقل سمعه، كان يتحدث بصوت عالٍ يسمعه المتنزهون في الحدائق الخلّب، غنّاء لا تفي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*