العالم العربي بالأسماء: المناطق “الهادئة” في سوريا وخدماتها المقدمة… أي قطبة خفية لبقاء اللاجئين في لبنان

هل بات في إمكان اللاجئين السوريين العودة الى ربوع وطنهم؟ تساؤل ضخم تتفرّع عنه الأجوبة في أكثر من مفترق. استناداً الى تطورات الحرب السورية من منحى ديموغرافي، المدن السورية باتت شبه مستقرة، وتؤمن في أغلبيتها خدمات لمواطينها، فيما تدور المواجهات في أرياف بعضها. هذا الأمر يعني أن العودة لا يعيقها عامل أمني مباشر، في ظل انحسار وتيرة المواجهات في الأشهر القليلة الماضية. لكن تعريف مصطلح “المنطقة المنخفضة التوتر” نفسه، يشكّل مادة نقاش. علمياً إنها مساحة برية يحددها أطراف دوليون لعزل منطقة محددة عن باقي مناطق الصراع داخل دولة أو إقليم معين. وهذا ما ليس موجوداً في سوريا اليوم. سياسياً، المسألة مختلفة. بين من يقول أن لا حديث عن عودة إلا بعد التوصل الى اتفاق سياسي، ومن يعتبر أن سبب وجود ثلث السوريين في لبنان اقتصادي، لا أمني، تتأرجح الحقائق، فأين تستقر؟

على أرض الواقع، ورغم تلاقي شريحة كبيرة من المحللين الاستراتيجيين في قراءة التحولات الديموغرافية التي تشهدها الخريطة السورية، والاتفاق على تسمية المناطق المنخفضة التوتر التي تؤمن الخدمات فيها، الا أن امكانية عودة اللاجئين من عدمها، شكلت محور نقاشٍ تتفاوت حوله الآراء. “على أرض الواقع لم يتغير أي شيء نهائياً، والمعارك مستمرة”. نظرية أولى يقولها لـ “النهار” المحلل العسكري والاستراتيجي العميد محمد رحال تدحض في شكلٍ غير مباشر إمكان عودة اللاجئين، رغم اقرار الأخير في أن المدن السورية تشهد استقراراً منشوداً، لكنها في رأيه تحت سيطرة النظام ما يمنع الهاربين من العودة. وعلى العكس، نظرية مناقضة يتبناها الخبير الاستراتيجي العميد امين حطيط مؤكّداً لـ “النهار” أنه استناداً الى منحى موضوعي، “كل اللاجئين السوريين يمكنهم العودة الى سوريا، ولكنهم لا يريدون ذلك لسببين. الأول سبب معيشي اقتصادي، اذ انهم باتوا ينافسون اللبنانيين في ظروف اقتصادية تلعب لصالحهم”. ويشير الى أن “ثلث النازحين في لبنان أتوا من مدن لم تشهد حرباً، وهي نظرية مكرسة لدى الأمم المتحدة. فلماذا يعودون”؟

المناطق المنخفضة التوتر

استنتاجٌ عام يمكن استخلاصه من المنحى الذي تجنح اليه تطورات الأحداث الأمنية في سوريا: المدن هادئة، فيما الأرياف ساخنة، وتدور فيها الاشتباكات الضروس. وفي صريح العبارة، وفق رحال، ان استقرار الوضع الأمني في المدن سببه سيطرة الجيش السوري عليها، ما يعني عدم تعرّضها للقصف الجوي. وفي مقاربة ديموغرافية، وفق رحال، للمدن الهادئة التي يمكن تصنيفها في خانة القليلة التوتر تأتي النتيجة على الشكل الآتي:

• المدن القليلة التوتر هي توالياً: اللاذقية (مدينة)، طرطوس (ريف ومدينة)، حمص، دمشق (باستثناء حي جوبر)، السويداء، دير الزور، الحسكة، حلب (مدينة هادئة داخلياً)، حماة (مدينة).

• المناطق الساخنة التي تشهد اشتباكات: درعا (معارك داخل المدينة)، الرقة (المعارك تدور حولها)، ريف حلب الغربي، ادلب (هجمات جوية ريفاً ومدينةً)، ريف حماة، دمشق (معارك الغوطة وجوبر)، حمص (الرستان والحولي)، جبل الغرب والتركمان (مواجهات منحسرة).

اللافت ان مقاربة رحال تلتقي ديموغرافياً ومقاربة حطيط في تصنيف المناطق الآمنة منها والخطرة. لكن الأخير، يحسم موقفه بالقول إن أي منطقة خاضعة لنفوذ النظام لن تشهد اشتباكات لأن “المعارضة انتهت قتالياً ولم يعد لديها قوة للاقتحام”. وعنوان سوريا الجديدة في رأيه يتلخص بمقولة: “نفوذ الجيش السوري هو مصدر الأمان، لأن حركته تصاعدية، فيما حركة المعارضة انحدارية”. وتأتي قراءة حطيط على الشكل التالي:

• في تصنيف المناطق الآمنة:

ـ دمشق (يقطنها 5 ملايين سوري)

ـ الساحل الممتد من ريف اللاذقية شمالاً الى طرطوس جنوباً وبعمق الداخل الذي يصل الى حماة وحمص آمن (يقطن هذه المنطقة 4 الى 5 ملايين سوري).

ـ مدينتا حمص وحماة ضمناً.

ـ مدينة حلب التي عاد السكان اليها بما يفوق المتوقع (عدد سكانها الأصليين 3 ملايين ونصف المليون، وموجود فيها اليوم مليونان ونصف المليون).

ـ مدينتا اللاذقية وطرطوس.

ـ السويداء آمنة (يعيش فيها مليون نسمة).

ـ الجزء الشمالي من القنيطرة ودرعا.

ـ المنطقة الكردية.

• في تصنيف المناطق المتوترة أمنياً:

ـ درعا المدينة (مناصفة بين النظام والمعارضة).

ـ الجزء الجنوبي من مدينة القنيطرة.

ـ مناطق نفوذ داعش في الرقة ودير الزور.

ـ منطقة البادية (الصراع فيها مستمر لقطع طريق سوريا – العراق).

ـ إدلب (ليست آمنة وستشهد معارك في لحظة من اللحظات).

تأمين الخدمات

يقول مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن لـ “النهار” إن “معظم المناطق السورية سواء كانت خاضعة لسيطرة النظام أم الفصائل أم تنظيم “الدولة الإسلامية”، أم القوات الكردية، تعاني من سوء في الخدمات من مياه وغاز وكهرباء وأدوية ومحروقات. وتتغير هذه الحالة من مكان لآخر ومن منطقة سيطرة جهة معينة الى أخرى، الا أنها تعدّ سيئة في كل المناطق، اذ إن بعضها لم تصلها المياه التي كانت تعتمد عليها قبل بدء العمليات العسكرية في مناطقها، فاعتمدت على حفر الآبار في قراها وبلداتها وأحيائها للتزود بالمياه”. ويتابع عبد الرحمن ان “توافر الكهرباء والوقود طردي، في حين أن الوضع الطبي شهد سوءاً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام التي بدورها شهدت واقعاً أفضل من البقية تلتها مناطق سيطرة االقوات الكردية. فيما تردت الخدمات الطبية في مناطق سيطرة التنظيم والفصائل”. وفي خلاصةٍ عامة، يوضح: “تقدم القوى المختلفة الخدمات بحسب توافرها، فهي اتاحت للمواطنين العمل واستقدام الآلات والحاجات اللازمة، فيما اكتفت القوى المسيطرة بدور المراقب والمؤمن لسير هذه العملية”.

في سياق متصل، تجمع نظريتا الموالاة والمعارضة على القول إن المناطق التابعة لنفوذ النظام والأكراد على السواء، هي التي تحظى بالخدمات والبنى التحتية، فيما تواجه مناطق نفوذ المعارضة الأمرّين في ظل القصف الجوي.

وفي هذا الإطار، يقول رحال إن الحالة المعيشية ليست في أحسن الأحوال، ويمكن تقسيم سوريا ديموغرافياً الى 4 مناطق نفوذ:

• 25% من الأراضي السورية تحت سيطرة النظام السوري: الخدمات مؤمنة في كلّ من السويداء، حماة، طرطوس، الحسكة، القامشلي، اللاذقية.

• 25% من الأراضي السورية تحت سيطرة الأكراد: الخدمات مؤمنة بحكم توافر البنى التحتية.

• 25% من الأراضي السورية تحت سيطرة داعش: يسيطر التنظيم على مساحة واسعة من البادية التي تشكّل 40% من سوريا. الخدمات مؤمنة بشكلٍ محدود.

• 25% من الأراضي السورية تحت سيطرة الجيش الحر: الخدمات معدومة في حمص (بنى تحتية مدمرة)، درعا (نصف مدمرة)، دير الزور (نصف مدمرة)، حلب (ثلثاها مدمر)، إدلب (نصف مدمرة).

بدوره، يعتبر حطيط ان التصنيف الحقيقي لمفهوم السيطرة على الأراضي ينطلق من مبدأ المأهولة منها.

• النظام السوري يسيطر على مناطق يقطنها ما يقارب 15 مليون سوري، وهي قادرة على استيعاب 4 ملايين اضافيين:

ـ دمشق واللاذقية تؤمنان خدمات بنسبة 70 الى 100% مقارنةً بفترة ما قبل الأحداث.

ـ حلب تؤمن خدمات بنسبة 40% وعودة سكانها ارتقائية.

ـ الجنوب السوري يؤمن الخدمات.

• الأكراد والجيش الحر وداعش يسيطرون على مناطق يقطنها 5 ملايين سوري:

ـ المناطق الكردية تؤمن الخدمات.

ـ داعش يؤمن الخدمات بوتيرة منخفضة.

ـ الجيش الحر لا يؤمن الخدمات.

المنطقة العازلة

علمياً، تعرّف الأمم المتحدة المنطقة العازلة لحماية المدنيين بـ “مساحة برية يحددها أطراف دوليون بناءً على معطيات الاحداث، تهدف إلى عزل منطقة محددة بهدف إبعادها عن باقي مناطق الصراع داخل دولة او إقليم معين”. ومنهجياً، يندرج قرار إنشاء منطقة عازلة تحت ما يسمى بالفصل السابع، وهو بند في ميثاق الامم المتحدة يعطي أطرافاً دوليين معينين القوة القانونية والعسكرية للتدخل باستعمال القوة المسلحة بغية حماية السلم والأمن الدوليين، ويكون ذلك من طريق حماية المساحة البرية من الاعتداءات الأرضية والقصف الجوي، أو قد تقوم به قوات عسكرية من دول معنية بالصراع، أو قد تستصدر قراراً من الجمعية العامة للامم المتحدة بإنشاء المنطقة العازلة بعد صدور توصية بذلك من مجلس الامن.

ما يدور في فلك الأجواء السورية حول إمكان استحداث منطقة عازلة، غير واضح حتى الساعة، ومن المتوقع تحديد خرائط المنطقة الآمنة الشهر القادم، فيما تصنف المساعي الحالية في إطار التخطيط لوقف اطلاق النار. وبصرف النظر عن الاسم الاصطلاحي، تبقى الأهمية التي يوليها محللون سوريون لتفاصيل الاتفاق بصرف النظر عن تعريفه. وتبقى الأولوية لضرورة تقديم الخدمات والتوصل الى وقف اطلاق نار نهائي ما يخول عودة الناس الى قراهم. لكن الأجواء السورية نفسها لا تقرأ مهلةً زمنية للتوصل الى اتفاقٍ مرجو، بل تقرأ المشهد ايجاباً من ناحية انخفاض عدد القتلى المدنيين بشكلٍ ملحوظ في سوريا، مما يمهد لامكان بناء عملية سياسية. وعن إمكان عودة المهجرين السوريين في البلدان المجاورة، ترى الأجواء نفسها ان “حصر المعارك وانخفاضها لا يعني انتهاءها، والمهجر ليس من السهل عودته اذا لم تكن الحالة آمنة، ما يعني انتهاء اي حالة لوجود سلاح غير مسيطر عليه بشكلٍ رسمي وعودة اللاجئين مسألة معقّدة تحديداً، وهناك أكثر من نقطة لا بد من ملاحظتها”. وتختصر الخطوات التي تساهم في عودة السوريين الفعلية في منهجية عمل تشمل وقف القتال نهائياً ومعرفة اي من السلطات تسيطر على المنطقة، وجود الخدمات، والسماح للمدنيين بالوصول الى منازلهم، اذ ان كلّ الطرقات تحتكرها الحواجز (للنظام والمعارضة)، التي لا يعتقد انها تسمح لهم بالوصول الى مناطقهم”. وفي هذا الصدد، ما يدور في فلك الأجواء السورية يطرح استنتاجاً مفاده أن “عودة اللاجئين مسألة من المبكّر الحديث فيها والموضوع لا يتعدى كونه عناوين اعلامية إذ ان مسألة كهذه تحتاج انجاز عملية سياسية”.

واذا كانت ملامح العملية السياسية مفقودة حتى اليوم، لم يبقَ في الأفق سوى القرار الدولي الذي ظهرت ملامحه منذ سنة ونصف السنة، لا أكثر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*