اخبار عاجلة

الطائفية السياسية في لبنان: الميثاق الوطني صيغة تعايش ابدية

مخايل فارس لحود
النهار
16112018
من أرشيف النهار

نستعيد في #،هار_من_الأرشيف مقالاً كتبه مخايل فارس لحود في “النهار” بتاريخ 25 نيسان 1995، حمل عنوان “الطائفية السياسية في لبنان: الميثاق الوطني صيغة
تعايش ابدية”.

قبل بحث الغاء الطائفية السياسية ينبغي الرجوع الى ما قبل اعلان الجمهورية اللبنانية والعمل بالدستور الصادر في تاريخ 23 ايار 1926 لمعرفة كيف مدت جذورها بعد
تكريس المسيحية. فمن الرجوع الى العهود الماضية بدءا من تكريس المسيحية من جانب الحكام الذين اعتنقوها مرورا بالعهد الاسلامي بعد وفاة النبي محمد حتى تاريخ سيطرة الدولة العثمانية واعلان استقلال لبنان الكبير من جانب دولة فرنسا المنتدبة عليه بتفويض من عصبة الامم سنة 1920 يمكن الجزم بان الطائفية بدأت مد جذورها بين الشعب الواحد والطائفة الواحدة ولا تزال حتى الآن. ابتدأ الانشقاق بين اعضاء الكنيسة اذ انقسم المسيحيون بدعا مختلفة حبا بالسيطرة، وبعد وفاة النبي محمد اختلف اتباعه على الخلافة وانشقت الطائفة الاسلامية بين سنّة وشيعة وغيرهم حتى الان. والآن نعود الى لبنان ولاسيما الى عهود الامراء الذين حكموه منذ الامير فخر الدين الدرزي والامير بشير الشهابي الكبير وهو سني، والى عهد مصطفى بربر آغا السني الذي كان تحت ولايته قسم من لبنان يمتد من نهر الكلب حتى آخر الشمال بما فيه عكار. ان هذه العهود لم تتعرف على الطائفية بدليل ان حكامه كانوا من غير الطوائف المسيحية التي كان عدد المنتسبين اليها يفوق بكثير العدد المنتسب الى طائفة الحكام وذلك بالنظر الى التفاهم والعيش المشترك واستقلال لبنانهم العزيز والمحافظة على هذا الاستقلال. وبالنظر الى كل ذلك استاءت الدولة العثمانية وطمعت بوضع يدها على لبنان وجعله ولاية كبقية الولايات فقامت باعمال استفزازية وخلعت الامير بشير الثالث. وللوصول الى غايتها في زرع الفتنة في لبنان ارسلت خورشيد باشا الى بيروت وعينته واليا عليها وكلفته زرع بذور الخصومة بين الاخوة اللبنانيين من دون استثناء وحضهم على الاقتتال. وكانت حصيلة اعماله الحوادث المؤسفة والمؤلمة التي نكبت لبنان ما بين 1840و1860 لانه كان همّ هذه الدولة الاوحد نزع استقلال جبل لبنان وجعله ولاية كبقية الولايات التي كانت تحت سيطرتها المباشرة وجزءا منها. وبعد تفاقم الحال في لبنان تفهمت دول اوروبا العظمى وهي فرنسا وانكلترا وبروسيا وروسيا والنمسا نيّة الدولة العثمانية فتدخلت تدخلا فعليا لحماية سكانه، وبعد جلسات عدة تمكنت هذه الدول بالاتفاق مع الدولة العثمانية من جعل جبل لبنان متصرفية مستقلة ذات نظام خاص. وحفاظا على جميع الطوائف كرس هذا الاتفاق الطائفية السياسية في جميع الوظائف مشترطا ان يكون المتصرف من خارج لبنان ومن الطائفة المسيحية وان تمثل هذه الطوائف في مجلس الادارة وفي الوظائف الرئيسية مهما كان عدد المنتسبين الى الطوائف. واصبحت الطائفية وليدة التزام هذه الدول وسيطرتها وهي التي ادعت ان كلا منها يحمي احدى هذه الطوائف. ان نظام جبل لبنان تضمن من جملة ما تضمنه الامور الآتية تكريسا للطائفية: 1- ان يكون المتصرف من الطائفة المسيحية ومن خارج جبل لبنان ومنتسبا الى احدى الولايات التي تسيطر عليها الدولة العثمانية. 2- ان يجري الاتفاق عليه من جانب الدول الخمس وان يعينه السلطان. 3- يتألف مجلس ادارة جبل لبنان على اساس طائفي كما يأتي: خمسة اعضاء عن الطائفة المارونية وثلاثة اعضاء عن الطائفة الدرزية وعضوان عن طائفة الروم الارثوذكس وعضو عن كل من السنة والشيعة والروم الكاثوليك من دون الاخذ في الاعتبار عدد المنتسبين الى هذه الطوائف. 4- تقسم الوظائف الكبرى والعدلية بين جميع هذه الطوائف من دون الاخذ بعدد المنتسبين الى كل طائفة. 5- يتولى الرئاسة في المنطقة موظف من الطائفة التي تكوّن الاكثرية فيها. بعد انتهاء نظام جبل لبنان وفي عهد الانتداب الفرنسي بقيت الطائفية كما كانت سابقا وفي عهد الحاكم الفرنسي في 23 ايار 1926 صدر الدستور اللبناني الذي كرّس الجمهورية اللبنانية وكرس الطائفية الوظيفية في المادة 95 ولم يأت على ذكر الرئاسات الثلاث التي تولتها الطوائف من دون تمييز بين طائفة واخرى بدليل ان رئاسة الجمهورية تولاها الاستاذ شارل دباس وهو من طائفة الروم الارثوذكس ورئاسة مجلس النواب تولاها الشيخ محمد الجسر وهو من الطائفة السنية ورئاسة الحكومة تولاها ماروني وبقيت الحال كذلك حتى عام 1934 حيث تولى الرئاسة الاولى ماروني والرئاسة الثانية ارثوذكسي والرئاسة الثالثة سني. فان هذه الواقعات تدل صراحة على ان لا امتيازات للطائفة المارونية كما يزعم البعض علما بانه في عام 1932 رشح نواب الطائفة المارونية الشيخ محمد الجسر لرئاسة الجمهورية مما ادى الى حل المجلس من جانب المفوض السامي والى تعليق الدستور وتعيين الاستاذ شارل دباس رئيسا للدولة وقد انتهت هذه الجمهورية عام 1943 برئاسة الاستاذ بترو طراد من الطائفة الارثوذكسية. وفي تاريخ 21 ايلول 1943 ابتدأت الجمهورية الثانية بانتخاب الشيخ بشارة الخوري رئيسا للجمهورية وبتعديل الدستور الذي قضى بنزع سلطة الدولة المنتدبة وانتهت هذه الجمهورية الثانية باتفاق الطائف الذي كرس الجمهورية الثالثة بتعديل الدستور الذي قنن العرف وبعض القوانين العادية بقانون دستوري وذلك في تاريخ 21 آب 1990. وفي ضوء ما ورد اعلاه نرى ان البعض يزعم ان للموارنة امتيازات قديمة لا تزال قائمة من دون ان يبين ما هي هذه الامتيازات. فاذا عدنا الى عهد السلطنة العثمانية يتبين ان هذه السلطنة لم تطلب من البطريرك الماروني ان يتقدم بطلب تثبيته نظرا الى انه البطريرك الوحيد الذي يقطن جبل لبنان فبمجرد حصول انتخابه يصبح بطريركا لطائفته من دون موافقة من الباب العالي. واما في عهد الانتداب وبعده فلم نر امتيازات للطائفة المارونية علما بان الوظائف الادارية كانت تعطى للموظفين المثقفين من المسيحيين والمسلمين وما يلفت النظر ان الباب العالي كان يثق بالموارنة ولذا عين منهم وزراء امثال سليم باشا ملحمه وسليمان البستاني وولى بعضهم وظائف كبرى امثال سليم رستم باز الذي رفع اسم لبنان عاليا بوصفه من كبار المشترعين القانونيين. وعلى اثر تعيين موعد لانتخاب اعضاء مجلس النواب عام 1943 اتفق بعض السياسيين على عقد اتفاق بين المسيحيين والمسلمين وكان من جملتهم الشيخ بشارة الخوري ورياض بك الصلح مضمونه ان يكون لبنان دولة مستقلة لا افضلية فيه او امتياز لاية دولة سواء كانت غربية او عربية، وان يكون التعاون مع الدول العربية الشقيقة تعاونا تاما وثيقا ومع الدول الغربية والاجنبية التي تعترف باستقلال لبنان استقلالا تاما وتحترمه. وقد عرف هذا الاتفاق بالميثاق الوطني كما ورد واضحا في خطب الرئيس الشيخ بشارة الخوري وبيان الوزارة الاستقلالية الاولى برئاسة رياض الصلح وغير ذلك من البيانات علما بان هذا الميثاق شمل الغاء الطائفية كما ورد في البيان الوزاري الذي نص على ما خلاصته:” الغاء الطائفية يؤدي الى الغاء الحكم كوسيلة لتقاسم المغانم والاسلاب من جانب الطوائف، والطائفية مظهر تمثيلي لوجود الطوائف كواقع اجتماعي حضاري هي في غير محلها بل يجب الغاء العصبية الفئوية التي تمزق الوطن”. ان رياض الصلح هو اول من فكر في الغاء الطائفية في بيانه الوزاري الذي وضع تحت اشراف رئيس الجمهورية وبموافقته علما بان هذا البيان يعتبر اساسا ثابتا للميثاق الوطني بعد خطاب الرئيس بشارة الخوري ولاسيما خطاب 21 ايلول 1943. وبالاضافة الى ما ورد في البيان الوزاري المذكور صرحت الحكومة للمرة الاولى باستنكار الطائفية وضرورة معالجتها لمصحلة لبنان العليا وكان ذلك يحتاج الى تمهيد حتى لا تبقى نفس الا وتطمئن كل الاطمئنان الى تحقيق الاصلاح القومي الخطير. ان هذا الميثاق بقي معمولا به حتى نشوب الحرب الاهلية مذكرا الجميع بان الاستقلال التام لم يحصل الا في تاريخ 31 كانون الاول 1946 عندما خرج آخر جندي اجنبي من لبنان. الاتكال على الذات ومواصلة العيش المشترك وفي ضوء ما ورد اعلاه يتبين بوضوح ان الطائفية تفشت في لبنان بعد انتهاء حكم الامراء ومصطفى بربر آغا وبعد تدخل الدول الاوروبية العظمى بما فيها الدولة العثمانية للتفريق بين الطوائف لمصالح خاصة، وللمحافظة على استقلال لبنان وديموقراطيته. على كل اللبنانيين ومن دون استثناء ان لا يتكلوا على غيرهم وان يداوموا على العيش المشترك الذي كان سائدا في العهود المار ذكرها وان يتحدوا بصدق ويعلنوا موقفهم بجرأة وصراحة لابقاء لبنان دولة ديموقراطية صحيحة مستقلة استقلالا تاما ومؤلفة من جميع الطوائف من دون انحياز الى احدى الدول الغربية والشرقية والعربية بل تبقى على صلة وثيقة، كما حدد ذلك الميثاق الوطني علما بان جميع السياسيين من مدنيين وروحيين ينادون بالعيش المشترك في مناسبات روحية او مدنية كثيرة. وقبل الغاء الطائفية السياسية بسرعة علينا ان نتذكر ما قاله غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم في خطاب القاه في جامعة دير البلمند انه يجب التمييز بين الكلمات ومعناها والمقاصد والا لما امكن معرفة الى اين نصل والى اين نخرج. وموضوع الغاء الطائفية يحتاج الى درس عميق وما قاله رئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري في مقابلات مع محرري جريدة “الانوار” يطابق نوعا ما ما قاله غبطة البطريرك هزيم وما ورد في بيان اول وزارة استقلالية. كما انه يجب الرجوع الى ما ورد في خطب كل من المفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الامير قبلان والقائم مقام المفتي الدكتور الشيخ محمد رشيد قباني الذي قال: “دعوناكم لنجدد العهد والعقد وان نكون جميعا اوفياء لوطننا وامتنا اللذين يبقيان الملاذ والعاصم وبيت التلاقي وأفق التوافق والتلاحم ومعقل الامل والرجاء…” واذا فكرنا بالغاء الطائفية قبل حصول الامور التي سنبيّنها في ما يأتي يمكن اعتبار ان هذا الالغاء يشكل طريقا للحروب الاهلية في المستقبل وبابا لاهتزاز المؤسسات الوطنية وشرا عظيما على الديموقراطية التي نتغنى بها. ان الذين بحثوا حتى الآن قضية الغاء الطائفية لم يبيّنوا ما هي الامور التي يجب ان تسبق الالغاء علما بان ثلاثة مشاريع قدمت في عهد الرئيس امين الجميل: مشروع منه ومشروع السلام المسيحي ومشروع الحل الوطني الذي وقعه في دمشق ممثل عن “القوات اللبنانية” وممثل عن “الحزب التقدمي الشتراكي” وممثل عن حركة “امل” فأتت هذه المشاريع على ذكر الغاء الطائفية السياسية من دون تحديد كاف للامور التي يجب ان تسبق هذا الالغاء علما بان بحث الالغاء هو مطلب شرعي اذا لم يصب في لعبة الطائفية، وعلى ان يحصل تفاهم تام بين كل اللبنانيين وذلك بتشكيل تيار وطني لا طائفي قادر على العمل من اجل تحقيقه. والجدير بالملاحظة انه بالنسبة الى شعار الغاء الطائفية السياسية نجد ان اللبنانيين منقسمون اربع فئات: فئة تدعو الى العلمنة وفئة تدعو الى الغاء الطائفية وفئة تدعو الى التوافق، وفئة تتمسك بالطائفية، ونلاحظ ايضا انه قد ورد في خطبة للمفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الامير قبلان ان الذين يبحثون قضية الطائفية هم اربع فئات: فئة تطالب بالغائها بتوافق وفئة تطالب بالالغاء بهدوء وفئة تطالب بالغائها بسرعة وفئة تطلب تطبيق اتفاق الطائف. في ضوء ما ورد اعلاه ولخدمة الوطن المقصود بالغاء الطائفية ينبغي درس القضية درسا عميقا ودقيقا لانه لا يجوز ان نبقى نعيش في دوامة قبل بناء وطن لمواطن شريف كريم وان ينظر هذا الوطن الى كل المواطنين على حد سواء باعتبارهم اخوة واصحاب قضية واحدة. ان لهذا الكلام معاني قوية يستنتج منها ان على كل اللبنانيين ان يتعاضدوا ويوحدوا قلوبهم وافكارهم وصفوفهم وان يتسامحوا ويغفروا لبعضهم البعض بعد سبعة عشر عاما من الحرب الاهلية. ولكي يمكن بت قضية الغاء الطائفية ينبغي عند درسها معرفة ما اذا كانت معظم الامور الآتي بيانها متوافرة: 1- تنقية القلوب بمصالحة عامة صادقة بين جميع اللبنانيين. 2- اعادة جميع المهجرين والمبعدين من دون استثناء الى اماكنهم السابقة. 3- الغاء ذكر الطائفية او المذهب في قيود سجلات النفوس. 4- تكريس الزواج المدني الاختياري لجميع اللبنانيين من دون استثناء. 5- الغاء جميع الاحزاب الطائفية او شبه الطائفية والميليشيات واستبدالها باحزاب سياسية وطنية بعد تنظيم تشكيل هذه الاحزاب. 6- منع التجمع الطائفي السياسي. 7- تسليم جميع الاسلحة من دون استثناء. 8- منع التكلم في السياسة في جميع اماكن العبادة حتى يصبح الدين محبة وسلاما لا ان يصبح الله محتكرا. 9- توحيد التربية الوطنية والمدنية والتاريخ الصحيح وتعميمها في جميع المدارس من حكومية وخاصة وفي جميع المؤسسات. 10- معرفة كل شخص ما هي واجباته حيال الدولة والغير. 11- احترام المواطنين للقوانين. 12- التساوي بين المواطنين بحيث تكون مؤسسة النظام العام السياسي ممثلة بالمواطنين الاكفياء عملا بمبادئ الكفاية والاخلاق والاسس العلمية وإن لم تكن وظائفهم ممثلة في هذه المؤسسات بالاضافة الى الاخلاص للدولة وليس للاشخاص. 13- رحيل جميع الجيوش الاجنبية والميليشيات الاجنبية عن الاراضي اللبنانية بحيث لم يبق الا الجيش اللبناني كماحصل في 31 كانون الاول 1946. وفي النهاية لدرس قضية الغاء الطائفية ينبغي تعيين لجنة مؤلفة من ممثلي جميع الطوائف المعترف بها لتضع المبادئ الواجب الاخذ بها بعد درس ما هو مبين آنفا لتوحيد قلوب جميع اللبنانيين وحضهم على حب وطنهم وعدم الاتكال على الغير وذلك حتى تتوافر في الوطن معاني العزة والاباء القومي مع تجاوز السياسة الضيقة الى وفاق اوسع والى ازالة الاحقاد بكل اخلاص للتوصل الى خدمة مصلحة لبنان العليا والشاملة وتأكيد استقلاله. وفي هذا المجال يعتبر الميثاق الوطني كما وضعه الرؤساء بشارة الخوري ورياض الصلح وعبد الحميد كرامي وسامي الصلح وغيرهم من الذين تولوا الحكم صيغة تعايش ابدية كريمة بين جميع اللبنانيين من دون اي استثناء وذلك لان نيتهم الحقيقية كانت ظاهرة في خطبهم وبياناتهم الوزارية، لا كما يزعم البعض ان الميثاق الوطني كان هدفه توزيع الرئاسة بين الطوائف الثلاث.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*