«الصليبية والجهاد»

كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
الشرق الأوسط
31072018
غني عن القول إن الشغف بالتراث يدفع رجلاً إلى هذه الرحلة الطويلة والمتعددة والمتنوعة، مروراً طبعاً بالقضية الفلسطينية. بدأ الرحلة أستاذاً للتاريخ والأدب العربي في هارفارد، ثم انضم إلى إدارة جون كيندي في مجلس التخطيط السياسي. قبل أشهر، أصدر بولت كتابه العشرين «الصليبية والجهاد»، (جامعة ييل، 650 صفحة) الذي قد يكون أهم مؤلفاته عن العرب والإسلام في الصراع مع الغرب خلال الألفية الماضية. ولا يبرر بولت الإرهاب في أي شكل من أشكاله، لكنه يعدد الفظاعات الهائلة التي ارتكبها الآخرون أحياناً باسم المسيحية.
يبدو الكتاب مثل عودة شخصية إلى العالم العربي كما عرفه صحافي شاب يؤيد معركة العرب من أجل الاستقلال، لكي يرسم من خلال تجاربه، صورة التحولات والمراحل الانتقالية. وفيما تراه دارساً بين الدروز في جبل لبنان، ينتقل بك إلى لقاءات مع الزعيم المغربي عبد الكريم الخطابي، ودوافعه لإنشاء الحركة الاستقلالية.
غير أن بولت، المؤرخ والأكاديمي، يقدم قبل كل شيء، دراسة استثنائية لظهور الإسلام ونشوئه وانتشاره حول العالم وعبر القارات. ومع انتشاره، أطلق التنوير في أوروبا المظلمة، التي دخلها من أفريقيا الشمالية، ليقيم المنارات الأندلسية. لكن الغزوات المغولية تسببت في تراجع المد الإسلامي. وفي الوقت نفسه، نشط الأوروبيون في اكتشافاتهم: سيطر البرتغاليون على المحيط الهندي، واستعمر الهولنديون والبريطانيون إندونيسيا والهند، واندفعت الجيوش الروسية عبر نهر الفولغا في آسيا الوسطى تدمرها، بينما أهلك الصينيون شعوباً بأكملها في تلك المنطقة.
لأن الصراعات تعدّت الأوروبيين إلى الروس والصينيين، يشير بولت إلى الفريق المعادي بـ«الشمال الكوني». ولقد عانى المسلمون في القرن التاسع عشر من وحشيات وكوارث مروعة، وتعرض الإسلام نفسه لحملات اضطهاد دامت أكثر من قرن.
يضع الدكتور بولت الحرب على الإسلام في سياق مختلف؛ إذ يتجاوز عداء الغرب إلى ما اختار أن يسميه جميعاً «الشمال الكوني». وثمة متعة لا توصف في هذا المحيط من المعرفة في التاريخ، خصوصاً المعاصر منه. ولقد قرأت معظم مؤلفات بولت، لكن لا شيء في مثل هذا الغنى الثقافي المتجمع عند مصب هذا العمل متعدّد الينابيع.
كلما وقعت على عمل، أو مجموعة أعمال، لمستشرق في حجم الدكتور بولت، أتذكر في مرارة أعربتُ عنها غير مرة، كتاب «المستشرقون» للدكتور إدوارد سعيد. لقد تحول إلى حزب، أو نظرية، أو آيديولوجيا مغلقة تضع المستشرقين جميعاً في إدانة واحدة لا ينقضها إلا المفترون. وقد كان في هذا التعميم ظلم لنا، لا للغرب. وكان فيه نكران لمئات الأعمال والأبحاث التي أضاءت على المسيرة الإسلامية. وبمقدرته وأسلوبه وحماسه، جعلنا إدوارد سعيد نسير في طابور واحد لا يلاحظ تلك المصابيح الكبرى على الجانبين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*